"الهاكا " وثقافة "ستاند اب"

"الهاكا " وثقافة "ستاند اب"
السبت 9 مارس 2019 - 16:22

من المفارقات العجيبة أن توجه الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري “الهاكا” إنذارا للقناة الأولى التابعة للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة بسبب عروض تضمنت إشارات عنصرية لمشارك في برنامج “ستاند اب”، وفي الآن نفسه تصمت صمت القبور وهي ترى مسؤولين مغاربة في المجال الثقافي والإعلامي يضطلعون بهمة عالية ونفس حماسي مثير للدهشة والاستغراب بتنظيم نسخة جديدة من هذا البرنامج “ستاند اب” لاكتشاف مواهب جديدة في الكوميديا، حيث عُهد بهذه المهمة “الجليلة” لفريق وُفرت له كل الإمكانات المادية واللوجستيكية ليجوب المغرب شمالا وجنوبا شرقا وغربا بحثا عن كوميديين جدد ستكون مهمتهم تسهيل تزجية الوقت للمغاربة الذين يعانون الأمرين مع السكن والأكل والملبس والتمدرس والتطبيب والديمقراطية.

وقد كان من المستحسن والبديهي أن تكلف “الهاكا” نفسها عناء النظر بعين العقل إلى حماسة هؤلاء المنظمين لتكشف للعموم سر ذلك، ولتطلعهم أيضا عن سر عزوفهم عن تنظيم برامج تستهدف فئات واسعة من الشباب المغربي قصد تحفيزهم على قراءة كتب كثيرة ومتنوعة ليغوصوا في عوالمها الفكرية والأدبية والعلمية والفنية والإبداعية بشكل عام، وينهلوا منها ما يحسن ذوقهم وينمي فكرهم، ويقوي فيهم جرأة السؤال والشك المفضي إلى اليقين، ليتمكنوا، على الأقل، من مهارة اختيار من يدبر أمرهم وشأنهم العام، برامج من قبيل “تحدي القراءة” الذي تبنته دولة الإمارات وكانت وصيفته هذه السنة تلميذة مغربية، ويكونون بذلك قد أسدوا خدمة جليلة تعاضد المجهود الذي تقوم به المدرسة والأسرة.

ألم يكن جديرا بـ”الهاكا” أن توجه إنذارا لهؤلاء المنظمين ولحاضنة برنامجهم “القناة الأولى” على ترويج وتكريس كل ما هو رديء وسطحي وعنصري، لا يرجى منه نفع للمغاربة قاطبة شيبا وشبابا أطفالا رجالا ونساء؟

لقد كان أولى بـ “الهاكا” أن تقوم بمقارنة بسيطة بين عدد ضيوف البرامج الثقافية بالقناة الأولى والقناة الثانية والإذاعة الوطنية والإذاعات الخاصة التي استنبتت كالفطر وبين الضيوف الذين يحلون على برامج “الشطيح والرديح” و”الضحك” على الذقون في مغربنا الحبيب، لتكتشف أن برامج على شاكلة هذه الأخيرة تحظى بحضور ملفت ومثير لتساؤلات عدة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار الفئة التي يتم السماح لها بمتابعة هذه العينة من البرامج، وهي في الغالب فئة الشباب، ولتدرك بسهولة أن هذه العينة من البرامج وُجدت لتعطي إشارات قوية ومؤثرة لعموم المتلقين، منها على سبيل المثال لا الحصر، أن ثقافة ادفع بالتي هي أفسد، وادعم كل من يجعل الميوعة والرداءة وإفساد الأخلاق وهدم القيم “تيمات” يتيمات لبرامجه، هي الثقافة المرحب بها في استديوهات إعلامنا المرئي والمطلوبة في إذاعاتنا المغربية أيضا.

والهدف طبعا هو تحقيق نسب كبيرة من المشاهدة والمتابعة، ولا يهم التفكير في كل “الإعاقات” على مستويات عدة التي يحدثها هذا الكم الهائل من برامج “الشطيح والرديح والضحك”، التي تطلع علينا بمسميات مختلفة وهي كلها برامج تروج للرداءة والاستغباء والإلهاء والتخدير، في الوقت الذي تُغيَّب فيها برامج جادة تساهم، إلى جانب المدرسة والأسرة، بقسط أوفر في توعية شباب وأطفال هذا الوطن الذين سيكونون من رجالات الغد المفروض فيهم أن يتشبعوا بالعلم والمعرفة وأيضا بـ”يقينيات” من قبيل: العلم أساس تطور وتقدم المجتمع وتحضره، الجد والمثابرة والاجتهاد والعمل المتواصل هي مقومات المواطن الذي سيحتاج إليه هذا الوطن.

ولعل هذا يدخل في صميم عمل “الهاكا”، ولكن يبدو أن هذه الهيئة المحترمة آلمها كثيرا أن يحمل مشارك لقب “كحلوش” ولم ولن تحرك فيها ساكنا كثرة البرامج التي تعطي الانطباع بأن المغرب في حاجة ماسة إلى كوميديين ورواد العيطة ومغنين من شاكلة الستاتي والداودي والداودية وسعد المجرد والبيغ الخاسر وآخرين لا يسمح المقام والمقال بذكرهم ليعرف سبيله نحو التقدم والازدهار، أكثر من حاجته إلى رجالات من طينة المهدي المنجرة وعابد الجابري وعبد الله إبراهيم وعبد الرحمان اليوسفي وغيرهم… ممن تركوا إرثا ماديا أو معنويا تنتفع به الاجيال الحالية واللاحقة.

إن المسؤولين عن إعلامنا المغربي اليوم بكل أصنافه وتوجهاته وتلاوينه، وفي مقدمتهم “الهاكا” طبعا، مطالبون، أكثر من أي وقت مضى، بوقفة مع الذات قصد التصالح مع الثقافة البانية والقطع مع ثقافة الهدم والتمييع والانحطاط الفكري والأخلاقي، وما ذلك عليهم بعزيز إذا توفرت النيات الحسنة والمواطنة والسياسات الحقيقية التي ترسم مساراتها وتضع استراتيجياتها وفق ما يتطلب العصر من اهتمام كبير بتكوين وتعليم أجيال اليوم قصد إعدادهم للمستقبل القريب، دون هذا فإننا نكون بسياساتنا الحالية ندمر من هو مدمر أصلا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • أستاذ الاجتماعيات
    السبت 9 مارس 2019 - 22:24

    أتفق معك، لكن :
    طلب ما يجب أن يكون، في بلد كالمغرب، يدخل في باب المبالغة!!!
    في بلد كالمغرب، إذا كنت شابا مثقفا و تحمل من الوعي ما يثقلك كاهلك بإنشغالات ثقافية و سياسية و بيئية و غيرها، ستشعر بالغربة و الضياع في دولة فاسدة و مجتمع ميؤوس منه.
    و لست أدافع عن الميوعة والرداءة وإفساد الأخلاق وهدم القيم.
    بالعودة لبرنامج Stand Up، أنت تطلب من شباب بتعليم متواضع و من خلفيات إجتماعية شعبية، أكثر مما يمكنهم التحمل.فمعظهم دخل المنافسة من أجل مبلغ زهيد، يعتقدون أنه ثروة!!
    تابعت نصف النهاية و النهاية، بالفعل شباب موهوبون، لكنهم لا يمكنهم أن يكونوا أصحاب رسالة، فهم في النهاية ضحايا بلد متخلف و تعليم معطوب
    و بيئة إجتماعية شعبية لا تؤمن سوى بالمال و المظاهر، و الثقافة و الفن الراقي في نظرهم رفاهية لا تتحقق سوى لأبناء الميسورين.
    كما أنني من أتباع المدرسة التي تقول أن الفنان ليس ملزما أن يكون مثقفا
    أو صاحب قضية و رسالة، يكفي أن يكون قادرا على إنتاج الجمال.
    كما أنه لا عيب في بث برامج الترفيه و الضحك، أم تريدنا أن نفكر في القضايا المصيرية 24 ساعة على 24 ؟!!!!!!!!!!

  • حفيظة من إيطاليا
    الأحد 10 مارس 2019 - 06:24

    مقال جيد في الشكل وفي المضمون، إنه يعالج قضية سيطرة الرداءة والتفاهة والسخافة في إعلامنا المرئي الذي هجره الجمهور وراح يشاهد الفضائيات الخارجية بحثا عن الأخبار والثقافة والمعطيات المتصلة أحيانا بوطنه وتاريخ بلده، وكنت أتصور أن المقال سيحظى بتجاوب الجمهور وبتعليقاته، لكن للأسف هذا لم يحدث..

    لو أن الأستاذ زغلول كتب مقالا كله سب وشتم وقدح في العربية والإسلام، أنا متأكد أن عدد اللايكات التي كانت ستتساقط على مقاله تفوق المئات، وكان عدد التعليقات سيتجاوز العشرات، فالرداءة والتسطيح والتنميط الذي ساد في الإعلام المرئي طغى ووصل حتى إلى الإعلام المكتوب..

  • hamid
    الإثنين 11 مارس 2019 - 00:55

    والله لو تم ربط المسؤولية بالمحاسبة لتم إعفاء كل أعضاء الهاكا ، وإيقاف البرنامج المذكور . والذي يؤلم أكثر هو أن يسخر شاب من نفسه رغبة في الحصول على المال ؟ هل من مثل هذا يستفيد المشاهد ؟ أقول صراحة لهذا الشاب : لا مستقبل لك في مجال الفن .

  • عابر سبيل
    الإثنين 11 مارس 2019 - 06:11

    رقم 1

    أين قرأت أن الكاتب يدعو إلى عدم تقديم برامج الترفيه في القنوات العمومية؟ كاتب المقال ينتقد حرص القنوات التفزيونية المغربية على الترويج الدائم والمستمر لبرامج التفاهة والرداءة والتسطيح، وهذا هو ما يركز عليه المقال، فحتى (( المفكر)) عصيد أنشأوا له برنامج في القناة الثامنة الأمازيغية وكان برنامجا حواريا، وأغلب ضيوف حلقاته كانوا من رموز الفساد والاستبداد، وهم معروفون بالأسماء..

    نسبة مشاهدي القناة الأولى تتجاوز بالكاد الستة في المائة من مجموع النسبة التي تشاهد التلفزيون في المغرب، فهل يعقل أن تخصص الدولة عشرات المليارات تنفقها على قناة لا يشاهدها إلا هذا العدد الهزيل من المغاربة؟ أليس هذا هدرا وتبديدا للمال العام؟؟؟ الوعي مسألة معقدة، فالعديد من الذين يعتبرون أنفسهم مثقفين تجد وعيهم هزيلا، ويدافعون عن التفاهة وعن الخرافة وعن نهب المال العام، ويتهيأ لهم أنهم مفكرون يكتبون في الصميم..

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 1

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''