"موجة رابعة للعولمة" تضع النظام الاقتصادي العالمي على المحك

"موجة رابعة للعولمة" تضع النظام الاقتصادي العالمي على المحك
الخميس 2 ماي 2019 - 05:00

Globalization 4.0 .. هل تكون بداية النهاية للعولمة الاقتصادية؟

يشهد العالم منذ فترة تحولًا في هيكل العلاقات الاقتصادية للدول، بما في ذلك حركة السلع والبضائع، وحركة الأيدي العاملة، وحركة رؤوس الأموال عبر الحدود الدولية، وما إلى ذلك من أبعاد. وقد تناول منتدى دافوس الأخير هذا الأمر، حيث ذكر إن التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي الآن ليست إلا موجة جديدة من العولمة، وأطلق عليها اسم “الموجة الرابعة من العولمة” Globalization 4.0.

ولا ريب في أن ما يشهده العالم الآن من اختفاء ظواهر اقتصادية وولادة ظواهر جديدة، يؤذن بانتهاء مرحلة في تاريخ تطور النظام الاقتصادي العالمي، وبداية مرحلة جديدة، ذات خصائص وميزات جديدة.

لكن التساؤل الأكثر إلحاحًا الآن هو: هل من الممكن اعتبار ما يطلق عليه “الموجة الرابعة من العولمة” Globalization 4.0 بمثابة تمهيد لمرحلة جديدة من العولمة الاقتصادية بالفعل، كما قال منتدى دافوس؟ أم إنها تُعد بداية النهاية بالنسبة للعولمة برمتها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإلى أين تقودنا هذه التحولات، وما هي طبيعة العالم الاقتصادي الجديد الذي ينتظرنا أو الذي ننتظره؟

العصر الذهبي للعولمة:

ذكرت مجلة “الإيكونوميست” في عدد حديث لها، أن العصر الذهبي للعولمة الاقتصادية كان خلال الفترة 1990-2010، حيث شهد العالم توسعًا كبيرًا ومتسارعًا في النشاط الاقتصادي، وازدهارًا غير مسبوق في الحركة الدولية للبضائع والسلع ورؤوس الأموال.

وكان ذلك نتاج تراجع تكاليف نقل البضائع والسلع، وتكاليف المواصلات والاتصالات، والتخفيضات الكبيرة في الرسوم الجمركية حول العالم، هذا بجانب أن التعاملات المالية الدولية كانت أكثر تحررًا، وقامت الولايات المتحدة بلعب دورٍ بارزٍ في تأمين طرق التجارة وقنوات نقل رؤوس الأموال.

وأدت تلك الظروف إلى ارتفاع الصادرات إلى ما يقرب من خُمس الناتج المحلي الإجمالي العالمي، كما أنها وفرت فرصًا كبيرةً للاقتصادات المتقدمة في غرب أوروبا واليابان لتحقيق نمو غير مسبوق، ومكنت الاقتصادات الصاعدة، ولا سيما دول البريكس (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب إفريقيا)، من دفع التجارة العالمية إلى مستويات غير مسبوقة.

لكن تغير هذا المشهد الإيجابي كثيرًا خلال العقد الأخير، ولا سيما لدى اندلاع الأزمة المالية العالمية عام 2008. حيث واكب الاقتصاد العالمي حالة من التردي لم يشهد لها مثيلًا منذ عقود، فتراجعت وتيرة نموه، وتراجع زخم حركة السلع والبضائع عبر الحدود، وانخفضت وتيرة تدفق رؤوس الأموال بين الدول.

وقد حاولت مجلة “الإيكونوميست” تفسير هذه الظاهرة، فساقت لذلك عدة أسباب، أهمها: توقف تكاليف النقل والمواصلات والاتصالات عن الانخفاض، وتحول النشاط الاقتصادي الدولي إلى التركيز على الخدمات بدلًا من الصناعة، مع العلم بأن الخدمات ليست سهلة الحركة عبر الحدود كالسلع، بجانب اكتشاف الشركات الكبرى أن التمدد الزائد عن الحد في الدول الأخرى يحتاج الكثير من الأموال في وقت يمكن فيه للمنافسين المحليين تحقيق الأرباح بتكاليف أقل.

وآخر الأسباب التي ساقتها المجلة هو أن “المصانع الصينية أصبحت أكثر قدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي، ما تسبب في انخفاض حاجتها لاستيراد مدخلات الإنتاج”.

لكن ليست هذه كل الأسباب من دون شك، بل هناك سبب آخر، كان له الدور الأكبر في إفقاد الاقتصاد العالمي زخمه، وهو التحول الكبير في نهج تعامل الدول مع الأزمات الاقتصادية والتجارية. فعلى مدار العقد الأخير، أصبحت الدول أكثر ميلًا إلى التنازع التجاري فيما بينها، وعملت على إغلاق أسواقها كأداة لحماية مصالحها الاقتصادية المباشرة.

وهذا ما توضحه تقارير “مراجعة سياسات التجارة العالمية” التي تُصدرها منظمة التجارة العالمية، التي تؤكد أن الرصيد العالمي من السياسات المُقيِّدة للتجارة يشهد تزايدًا مستمرًّا منذ عام 2008.

ويأتي ذلك على النقيض من القناعة بأن فتح الأسواق يُعزز فرص نمو الاقتصاد العالمي، وكجزء منه تتعزز فرص النمو والتوسع للاقتصادات الوطنية، وهي القناعة التي ظلت المنظمات الاقتصادية الدولية تعمل على ترويجها طوال سبعة عقود سابقة.

العولمة 4.0 !

وقد تزايدت مظاهر التحول في القناعات الاقتصادية الدولية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة على وجه التحديد، في صورة صعود ما يمكن تسميته بـ”تيار القومية الاقتصادية”، الذي تَجسَّد بصورة واضحة في وصول الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” إلى الحكم في بلاده في عام 2016، رافعًا شعار “أمريكا أولًا”، ومقتنعًا بأن “الحماية ستؤدي إلى قوة وازدهار كبيرين”.

وهي القناعة التي دفعته إلى إجراء تغييرات كبيرة في سياسة التجارة الأمريكية، ففرض رسومًا جمركية على واردات بلاده من الصين والمكسيك والاتحاد الأوروبي وكندا والبرازيل والعديد من الدول، وقرر إخراج بلاده من العديد من الاتفاقيات التجارية الثنائية ومتعددة الأطراف، كـ”اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ”، بل إنه هدد بالخروج من منظمة التجارة العالمية.

كما سعى “ترامب” إلى تقييد حركة الأفراد عبر تغيير سياسة الهجرة الأمريكية، وشرع في بناء جدار على طول الحدود الأمريكية مع المكسيك، لمنع هجرة المكسيكيين إلى بلاده. وبجانب ذلك لوح “ترامب” باستخدام إجراءات تمنع خروج رؤوس الأموال والشركات الأمريكية إلى الأسواق العالمية، وهدد بفرض ضريبة خاصة على الشركات التي تنقل مصانعها إلى الخارج، في إطار ما أسماه بمنع “تصدير الوظائف”.

ولم تقتصر مثل هذه الإجراءات على الولايات المتحدة فقط، بل إن دولًا أخرى انساقت في الاتجاه نفسه، وسارت على الدرب نفسه، فقامت الصين بفرض رسوم جمركية انتقامية عديدة على السلع الأمريكية. وكذلك فعلت دول من الاتحاد الأوروبي وكندا وتركيا، ردًّا على السلوك الأمريكي الذي بدا وكأنه عدوى انتشرت حول العالم.

بل إن هذه العدوى لم تعد مقصورة على قادة الدول ومتخذي القرار، بل إنها وجدت صدى قويًّا لها لدى الجماهير، فأصبحت الشعوب راغبة بشكل أكبر في إغلاق حدود بلادها أمام المهاجرين، وأكثر تفضيلًا للانعزالية. وتجلى ذلك في تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في عام 2016، ولا يمكن وصف هذا القرار إلا بأنه “قرار غير رشيد من الناحية الاقتصادية”.

فعلى الرغم من أن البريطانيين يرون هذا القرار ضامنًا لاستقلالية سياساتهم الاقتصادية عن الاتحاد، ومقلصًا لانكشاف بلادهم على أزمات دول الاتحاد؛ إلا أن كل هذه المبررات خادعة، فعلى العكس من ذلك فإن خروج بريطانيا من الاتحاد سيُلحق أضرارًا جسيمةً باقتصادها الذي سينكمش بنسبة تفوق 8%، وسيُلحق ضررًا شديدًا بالحياة اليومية للبريطانيين الذين سيخسرون نسبًا كبيرة من دخولهم الحقيقية، بتراجع الجنيه الإسترليني 25% من قيمته، كما سيفقد الكثيرون منهم وظائفهم، مع ارتفاع معدل البطالة إلى 7.5% بعد الخروج، وفق تقديرات بنك إنجلترا المركزي.

ولا يمكن في ظل هذه الأجواء إلا القول بأن مصير العولمة الاقتصادية أصبح على المحك، في ظل كل هذه الأجواء الملبدة بالحمائية التجارية من قبل الحكومات، وفي ظل انجراف الشعوب في هذه الانعزالية. فهذه المعطيات تزيل من الجذور ما يمكن تسميته بـ”الحريات الثلاث” التي اجتهد العالم من أجل تحقيقها على مدى سبعة عقود. فهي تقيد حرية حركة البضائع، وتفقد عنصر العمل حرية تنقله بين الدول، كما تقيد حرية حركة رؤوس الأموال.

ولأن هذه الحريات الثلاث هي الأسس التي بُني عليها النظام الاقتصادي المُعولَم؛ فإن انحسارها يضرب في جذور هذا النظام، كما أن انهيارها يؤدي إلى انهياره. ولذا، يصبح من نافلة القول إن الترويج لهذه التطورات بأنها موجة رابعة من العولمة Globalization 4.0، هو أمر مشكوك في صحته، بل إن ما يشهده العالم الآن إذا استمر على حاله، فإن من شأنه أن يعيد النظام الاقتصادي العالمي إلى ما كان عليه في العصور الأولى.

*مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • Tai
    الخميس 2 ماي 2019 - 05:14

    أنتصر حراك الريف.. والحراك الأكبر قادم..

  • انسان
    الخميس 2 ماي 2019 - 07:42

    في الحقيقة فكل الامور الدنيوية من اقتصاد ونمو دمغرافي واستحالت التقريب فيما بينهما ليكونا في خدمة البشرية انما هو من اخطاء الانسان نفسه فلو كانت هناك ارادة حقيقية لاصلاح الوضع لتغيرت الامور رغم ان التنيئء باي شيء لايفيد لان الامور كلها بيد الله .

  • هماندوزي
    الخميس 2 ماي 2019 - 08:08

    هذه التحولات تقودنا الى انهيار اقتصاد اكبر دولة في العالم والتي كانت تقوده في مرحلة من المراحل الا وهي امريكا . لولا دعم المال الخليجي لهذه الدولة لانهارت اقتصادها منذ زمان واذا قلنا ستنهار امريكا امام اقتصاديات بعض دول العالم كالصين والهند بطبيعة الحال ستسقط دول اخرى التي تدور في فلك سياستها واعني هنا الدول الغربية .

  • زوال ترامب يعافي اقتصاد العالم
    الخميس 2 ماي 2019 - 08:17

    كارثة الاقتصاد العالمي بدأت منذ جورج بوش الابن وكرسها الكارثة ترامب ، لن يتعافى الاقتصاد العالمي إلا بذهاب ترامب الى غير رجعة .

  • اردغان
    الخميس 2 ماي 2019 - 09:27

    الحضارة القادمة هي الحضارة الإسلامية. .صدق رسول الله تكون فيكم النبوة ماشاء الله أن تكون تم يرفعها الله ادا شاء أن يرفعها تم تكون خلافة ماشاء الله أن تكون تم يرفعها الله ادا شاء أن يرفعها تم تكون ملكا عاضا ماشاء الله أن تكون تم يرفعها الله ادا شاء أن يرفعها تم تكون حكما جبريا ماشاء الله أن يكون تم يرفعه الله ادا شاء أن يرفعه تم تكون خلافة على منهاج النبوة …ابشري يا أمة الإسلام فالنصر قادم ..إننا في هده الأيام نعيش الفصول الأخيرة للحكم الجبري ..بعد أن بدأت فتنة الدهيفاء. مع بداية الربيع العربي.وان غدا لناظره لقريب

  • Sbaai
    الخميس 2 ماي 2019 - 10:06

    الموجة الرابعة التي ينقضي على حضارة فسدت وعتت واستعبدت البشر بشتى الطرق واوهمته السعادة بالمهرجانات والموسيقى والمرأة واوراق مالية ورقية لا تكفيه لتجفيف عرق جبينه،

  • Adam
    الخميس 2 ماي 2019 - 10:26

    مالا يعرفه المغاربة عن العولمة. العولمة فكرة خلقتها أكبر الشركات العالمية لتنهب الشركات الغنية التي كانت في ملكية الدول الأفريقية والأسيوية و أمريكا الجنوبية كشركات استخراج المعادن و غيرها لتضعفها اقتصاديا وتتحكم في اقتصادها كيف ما تشاء و معمل لسامير في المحمدية (اختلاسات و افلاس) و اتصالات المغرب( من اغلى اسعار الهاتف عالميا) و ليديك بالبيضاء ( إغراق البيضاويين بالفواتير الباهضة) وغيرهم من مخلفات الخصوصة في المغرب

  • محمد
    الخميس 2 ماي 2019 - 10:48

    بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي سيرتفع الجنيه الاسترليني الى مستوى غير مسبوق وذلك سيحصل سنتين بعد المغادرة
    الاتحاد الاوروبي مشروع يطمح الى اكثر من طاقاته الاستيعابية اقتصاديا وثقافيا ولهذه السبب لن تتفاجأ عندما تطلب بعض الدول مغادرة مشروع الاتحاد الاوروبي

  • DR Najib
    الخميس 2 ماي 2019 - 11:40

    Trump est un homme d'affaires, il a bâti son pouvoir et sa force de l'arnaque financière et immobilière en concertation avec les Israéliens et les juifs du Monde entier, Trump c'est USA est USA actuellement c'est l'Économie Mondiale, Mais !! attention les citoyens américains ne sont pas dupes, ils sont entrain de voir que Trump est en cours de Détruire tout ce que les USA ont construit depuis 200 ans, oui! certes il y a les Lobbies qui sont avec lui selon le principe tu manges je Manges ! mais attention au Peuple c'est comme le tonnerre quant il décide de Frapper Personne ne l'arrêtera, et c'est ce qui va se passer , Égypte, soudan, Lybie, tunisie, Algerie, Mauritanie, Italie, France, Venezuela, , UK, Emirates, Saoudie, Bahrain, Iran,, etc : donc laissons le Temps faire sont Travail et INCHAALLAH toute les choses reviendront à leurs Origines, et Finalement ce que tu dois Faire Mon Frère Ma sœur, c'est de Te préparer
    et Spirituellement à ce Grand Mois Sacré de Ramadan,et Prier DIEU

  • amahrouch
    الخميس 2 ماي 2019 - 17:04

    Lorsque Trump est arrivé au pouvoir je vous ai dit qu il était en train de démondialiser le monde avec son isolationnisme et son protectionnisme.Qui dit protectionnisme dit démondialisme !L interdépendance économique mondiale va en pâtir et ça va être la dislocation qui va entraîner une anarchie et une crise économique mondiale.Nous sombrerons dans le chaos comme au moyen âge.Les forts dévoreront les faibles.Trump en arrivant au pouvoir a accentué lecapitalisme sauvage lequel capitalisme va entrainer des révolutions qui vont s étendre en occident.Nous allons détruire tout pour recommencer à construire et créer la vie après la saturation.Les maîtres resteront les maitres et les faibles s enfonceront dans leur faiblesse

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة