تحية تـقـديـر لحُـمَـاة الـتـربية والتعليم

تحية تـقـديـر لحُـمَـاة الـتـربية والتعليم
الثلاثاء 24 مارس 2020 - 20:05

نعيش هذه الأيام في وطننا العزيز ظروفا عـصيبة وعصية على جميع المستويات، ظروفا لم تكن متوقعة ذات يوم لما حمـلـتـه في ثـناياها من تغييرات جوهـرية في نـمط العيش المعتاد، بفـعـل جرثومة حـقـيرة خـبيثـة تسلطت على العباد وأرعبتـنا قيادة وقاعدة ومختلف طبقات الشعب لخطرها الجاثم والقاتـل بلا استئذان ولا جواز مرور، إنها جائحة كرونا.

كانت أول إشارة إلى خطر هذا الفيروس تنبيه جلالة الملك محمد السادس إلى وجوب اتخاذ الحيطة والحذر من لهيبه، وتنبيه المسؤولين في الحكومة المغربية بمختلف مكوناتها إلى التوعية بشِرَاكِـه وحباله قبل أن تسري سمومه في أبناء الشعب في مختـلـف المدن والقرى.

كانت سياسة حكيمة واستباقـية واحترازية للحد من سريان هذا الفيروس وانتشاره بإغلاق المدارس والجامعات والمرافق التجارية وما يدور في فلكها إلا ما يتعلق بالصيدليات والأسواق المخول لها ببيع المواد الغذائية وغيرها من المرافق المرخص لها من طرف وزارة الداخلية، لكن الوضع الصحي استـلزم خطوة أخرى حفاظا على الأرواح تمثـلت في تعميم الحجر الصحي وإلزام الناس بالبقاء في بيوتهم، إذ اقتضت المصلحة العامة للبلاد أن يمتـد هذا الحجر الصحي إلى غاية 20 أبريل.

نـثمّـن الجهود المبذولة من جميع الأطراف على المستوى الحكومي والشعبي، إنها جهود تحرص على الحفاظ على صحة المواطنين وأمنهم وتغـذيتهم بوطنية تـثـلج الصدر وتبعث على الافتخار بالمسؤولين في وزارة الصحة :أطباء وممرضين وتقنيين ومديري المصالح المركزية، ووزارة التربية الوطنية؛ إداريين وأساتذة ومفتشين ومديري أكاديميات وغيرهم، كما نحيي وزارة الداخلية التي يحافظ مسؤولوها الإداريون ورجال الأمن من شرطة ودرك وقوات مساعدة ووقاية مدنية وكذلك القوات الملكية المسلحة على استتباب الأمن بنظام وانضباط، وأن ننـوِّه كذلك برجال المصالح الاجتماعية الذين يشرفـون على الحفاظ على البيئة وفي مقدمتهم رجال النظافة الذين يحرصون على تعـقيم الطرقات والأسواق، الجميع جنود مجندة لخدمة الشعب وتثمين صحته والحفاظ على الوطن، نـرفع للجميع القبعة ونحييهم على خدماتهم وعلى روح المسؤولية التي يتحلون بها ليلا ونهارا بدون كـلل ولا ملـل، كما نحيّي الإعلام المغربي الذي يسهر على توعية المواطنين في كل وقت والـتحـسيس بمخاطر هذا الوباء، ويلـح باستمرار على اليقظة والمكـوث في البيوت أي الانضباط للحجر الصحي في هذا الظرف العصيب مع التقيد بشروط النظافة في كل وقت.

ما دعاني إلى هذه المقدمة والمدارس معـطلة، تنـبيه مسؤولي الوزارة الوصية إلى أن التلاميذ ليسوا في عطلة، وعليهم أن يتأكـدوا بأن متابعة دروسهم ـــ فقط أشير إلى المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية ـــ تـنطلق من بيوتهم، عبر دروس متـلـفـزة عـبر التـلـفـزة المغربية / القناة الرابعة على الخصوص، أومن خلال موقع إلكتروني أحدثته الوزارة، وأن يحرصوا على الانضباط في متابعة دروسهم بحزم ويقظة للخروج من الأزمة بروح عالية وبنتائج جيدة، أي التعليم عن بعـد، تجربة جديدة على الجميع، هل ستـنجح التجربة دون سابق تحضير ؟ أو أنها ستنجح بفضل العزيمة الصلبة والإرادة القوية للجميع لاجتياز الأزمة والنجاح في المهمة التعليمية.

كنت وأنا أتابع بعض حلقات هذه الدروس، أشعـر بمخاوف كثيرة نظرا لهذه التجربة التي لم يسبق لوزارة التربية الوطنية أن أقبلت عليها،( التعليم عن بعد) وكذلك بالنسبة للتلاميذ والأساتذة، لم يكن التفكير فيها واردا، فكيف وقد أصبح حقيقة لا مجال للشك فيها، أشفـقت على نفسي وعلى أبنائنا التلاميذ وعلى الوزارة الوصية من هذه التجربة .لقد أقدمت وزارة التربية الوطنية على السهر على بث المقررات الدراسية بالنسبة لجميع المستويات كما سبقت الإشارة إلى ذلك وبالنسبة للمواد المختلفة، الأدبية والعلمية وغيرها، إنه عمل جبار يقتضي وسائل مادية و بشـرية، وفوق كل ذلك وطنية صادقة هي دون شك مصدر نجاح المشروع وإشعاعـه.( لابد أن أشير إلى ما كان يعرف بالتلـفزة المدرسية في الثمانينات، وكانت حلقاتها ناجحة، لكن لا أعرف اليوم واقعها ).

الحفاظ على حياة التلاميذ حفاظ على النفس البشرية، والعمل على تعليمهم وتزويدهم بالمعارف المختلفة واجب على الأوصياء على التربية والتعليم، لكن بؤرة العملية التربوية التعليمية الآن هو الأستاذ المربي، فهل سينجح الأستاذ في دوره الجديد أمام شاشة تلـفـزية لم يتعود على الوقوف أمامها وأمام تلميذ مفترض ؟

ألزمت نفسي بالجلوس أمام التلفاز في أوقات مختلفة لمتابعة بعض الدروس في اللغة العربية والإنجليزية والفرنسية وغيرها، وكأنني تلميذة عليَّ أن أستفيد وأن أستوعب ما يقدمه الأستاذ أو الأستاذة بشجاعة ومعرفة وتقـنية، يقدم الأستاذ درسه وكأنه فعلا أمام تلاميذه، يشرح النظرية أو الدرس، يطرح السؤال ثم يجيب عنه بوضوح وبساطة بلغة راقية عربية أو فرنسية أو إنجليزية، كان تجاوب الأستاذ مع السبورة أو اللوح الإلكتروني رائعا يغريك بالمتابعة والاعتزاز بهذه الأطر التربوية التعليمية ( الأساتذة بمختلف تخصصاتهم )،عـلما بأن نجاح الأستاذ دائما مقترن بتفاعله مع تلاميذه، بنقاشهم وحوارهم المباشر، يعنى حـيـويّة الدرس في عالم حقيقي، لكن الوضع الآن أنَّ العالم افتراضي، إنها الثقة بالنفس والقيام بالواجب، لكن كل صعب يهون أمام الرغبة في تحقيق النجاح في هذه المهمة الصعبة، كما أن تسجيل هذه الدروس لم يكن هينا ولا مُيَسَّـراً على الجميع، على الأساتذة والمسؤولين والإداريين والتـقـنـيـين ( مصورين ومنتجين) وغيرهم ممن سهروا على البرمجة وغيرها.

وعلى الرغم من أن الأساتذة لم يسبق لهم أن استـفادوا من تكوين مستمر على طرق التدريس عن بعد قبل وقوع المحظور، فإن نجاح هذه التجربة، أي التدريس عن بعد، آتى ثماره ـــ ( وأنا أتحدث من منطلق تجربة تربوية تعليمية ) ـــ وأكـله يعود إلى الإيمان بالقيام بالواجب وإلى الإرادة الصلبة لتحقيق النجاح المرتقب ــ وإن بنسب متـفـاوتـة ــ في إطار التضامن والتآزر والتسامح والتضحية، نحن اليوم لسنا في وضع محاسبة أو مزايدة على الـفعل أو عـدمه، نحن في وضع اجتياز الأزمة وتجاوزها قدر الإمكان، إنه تــحـدٍّ مسؤول للأستاذ والتلميذ في نفس الوقت، فقد فرضت الطوارئ الصحية اليوم على الجميع أن يواجه هذا الفيروس الشرس باليقظة والاعتزال في البيت أي الحجر الصحي والنظافة الإلزامية لتكسير شوكـته وحربه والقضاء عليه، إنها مسؤولية مشتركة، تـقـتـضي روحا جماعية وعـملا متواصلا في إطار التلاحم والـتآزر بعيدا عن الانتقادات والمزايدات.

علينا جميعا أن نعـتـز بأطـرنا التربـوية الـتعلـيمية وأن نـفخـر بمردوديتها، فـقـد أبانت عن نضج معرفي وعن سمّـو خلـقي ونبل اجتماعي، وحَـرَصَتْ على أن تكون الوجه المشرق للتعليم في بلادنا، وأن نعمل نحن المواطنين والمواطنات على التعاون مع هذه الأطر وأن نـضخ دماء جديدة في تعـليمنا، وأن ننسى كل الاضطرابات والاختلالات السابقة، فالظروف الصعبة هي التي تكشف عن عراقـة المواطن وعن عراقـة المربي المعلم، وأن نـفـتح صفحات جديدة مع واقع التربية والتعليم خاصة في المراحل الأولى لأنها هي اللبنات الأساس للتعليم الجامعي، وأن يعمل المسؤولون عن هذا القطاع الحيويّ على الإنصات إلى همسات هؤلاء الجنود وهم يدافعـون عن حقوقهم ويقومون بواجبهم، وإلى الاعتزاز بهم، فهم حماة التربية والتعليم في بلادنا، وقـد أبانـوا في هذا الظرف الصـعـب عن وطنيتهم وعن حبهم لمهنـتهم وتفـانيهم في أداء رسالتهم، وليكن المستـقبل إن شاء الله ــ بعد اجتياز هذه الأزمة ــ كـفيلا بـبعـث الدفء في شريان هذا القطاع الحـيوي الهام، فهـو المبتدأ والخبر للارتـقـاء بوطـننا والافـتخار بشعـبنا.

الرباط، الإثنين 28 رجب الخير 1441هـ 23 مارس 2020 م

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • KITAB
    الثلاثاء 24 مارس 2020 - 20:29

    فعلا هي تجربة جديدة ومفاجئة سواء للتلاميذ أو الأساتذة باعتبار أن هؤلاء لم يسبق لهم أن تلقوا تداريب بهذا الخصوص، ولو أن الطفرة الرقمية في مجال الديداكتيك باتت تفرضها بوجود الفايروس أو بعدمه اعتبارا أيضا للموبايلات الذكية التي أصبحت معتادة لدى التلاميذ ولو في أعمار صغيرة بدلا من الأقلام والكراسات، بيد أن تجربة التعليم عن بعد تستوجب حرصا شديدا ويقظة تامة من طرف الآباء والأمهات لإنجاح هذه التجربة واستغلال الحجر الصحي من طرف الجميع وإيلاء بعض الاهتمام لتعليم وتعلم أبنائنا، وسلمات

  • Abdellatif
    الثلاثاء 24 مارس 2020 - 20:47

    تحية لكل معترف بالفضل لأهله، وتحية لكل من يقف على ثغر من الثغور في هذا الظرف العصيب

  • Le fatalisme italien
    الأربعاء 25 مارس 2020 - 00:38

    تحرير .التجارة الحرة العالمية ،تلك دعوة للسلام افلاطونية ،ولكن تبادل الخيرات بدون حدود و عوائق ،قد ينرتب عنه تبادل الشرور ، منه المخدرات بل تجارة البشر ايضا ، وكيف لا المكروبات ،و هده كائن حي مجهري،اما الفروسات فهي فقط جزيئيات ضارة مثل الاشعاعات النووية ،وخطورتها انها معدية ، هل اسنطاعت المنافسة الدولية ان تنهي اغة الاحتكار ،في المغرب ،ابدا ،لانه مشكل بنيوي ،غير مرتبط بفلان او علان ،انه اخوك و اخي و ابي كلنا احتكاريون ، الانتاج من اجل الانتاج، الاحتكار ،اداتها الاسواق الممتازة ،على المستوى الشعبي ،الانتاج بدون اخلاقيات, سيكون غداء با لوطاويط ،مثلا ،و شخصيا اعرف شابا يرتزق في القمامة ،و بعد تزمة كورونا ، مر بجانبي بوما ما يضحك ، للانه قد مات مند زمان ،واخيرا ايطاليا القدرية تدفع الثمن ،ولا اتمنى لجنوب المتوسط تبعات اخطاء الثقتفة الاشعرية ،

  • bouatlaoui usa
    الأربعاء 25 مارس 2020 - 03:22

    في الوقت الذي انهمكت فيه الشغيلة التعليمية بتهيئ هذه الدروس الافتراضية لانقاذ مايمكن انقاذه من السنة الدراسية و ذلك بكل تفاني ونكران ذات…تعرضت أجرتهم لاقتطاعات من المصدر للمساهمة بشكل اجباري في حساب مكافحة كورونا…ما معني هذا؟؟؟

  • عبدالله علاكي
    الأربعاء 25 مارس 2020 - 15:25

    شكرا الاستاذة نجاة لمريني على الروح الوطنية كما عهدناك في كلية عين الشق، تحياتي …احد طلابك.

  • حسن التادلي
    الأربعاء 25 مارس 2020 - 19:05

    الدراسة منقطعة …… الدروس عن بعد مجرد كلام اريد به ابقاء التلاميذ واسرهم في مواقعهم …. الهدف الا يسافر الناس كما في العطل … اما الدراسة فلا شيء هناك لا في التلفزة ولا في المواقع …. الناس تحبس انفاسها لمعرفة كم تم تسجيل
    من ضحايا كورونا ….. والخطورة تزداد يوما بعد يوم …… الاولوية لمحاربة الوباء و حماية الارواح … اما الدراسة فيمكنها ان تنتظر الى اجل مسمى او غير مسمى.

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟

صوت وصورة
أوزين والضائقة المالية
السبت 3 أكتوبر 2026 - 19:34 2

أوزين والضائقة المالية

صوت وصورة
حزب الاستقلال والحكومة المقبلة
السبت 3 أكتوبر 2026 - 16:30 1

حزب الاستقلال والحكومة المقبلة

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12 3

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49 11

شوكي: مصلحة الوطن أولا

صوت وصورة
المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:29 5

المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء