تغريم المحكمة التجارية "السكك الحديدية" .. الحالة الفجائية والقوة القاهرة

تغريم المحكمة التجارية "السكك الحديدية" .. الحالة الفجائية والقوة القاهرة
صورة: أرشيف
الإثنين 18 يناير 2021 - 04:00

تفاعلا مع حكم المحكمة التجارية القاضي بإدانة المكتب الوطني للسكك الحديدية، وأدائه تعويضا لمسافر جراء الضرر الذي لحقه بسبب تأخر القطار الذي كان سينقله إلى وجهته، أكّد القاضي السابق بالمحكمة الدستورية محمد أمين بنعبدالله وميشيل روسي أن “أشغال صيانة السكك الحديدية هي بالتأكيد مسألة مهمة، لكنها لا تشكل عناصر الحالة الفجائية، كون أن المكتب الوطني للسكك الحديدية هو الذي يتوقعها وينجزها، كما لا تشكل عناصر القوة القاهرة لكون المكتب هو الذي يقرر إنجازها”.

وورد في مقال محمد أمين بنعبدالله وميشيل روسي بعنوان “مسؤولية المكتب الوطني للسكك الحديدية عن تأخير نقل المسافرين”، ترجمه الكاتب عبد السلام التواتي، أن “المسؤولين عن تدبير مرفق النقل لا يمكنهم تجاهل أن الخلل الممكن حدوثه في عمل واشتغال هذا المرفق الذي يشرفون عليه، أو عدم احترام مبدأ واجب بلوغ الهدف المتعاقد بشأنه تجاه المرتفقين، أمر سيؤدي حتما إلى إثارة مسؤولية هذا المرفق وإدانته”.

وهذا نص المقال:

أدانت المحكمة التجارية بالدار البيضاء، من جديد، المكتب الوطني للسكك الحديدية عبر تغريمه بأداء تعويض لمسافر جراء الضرر الذي لحقه بسبب تأخر القطار الذي كان سينقله إلى وجهته.

في هذه القضية الجديدة، فإن المسافر الذي كان متوجها إلى مطار محمد الخامس من أجل رحلة إلى كندا بهدف حضور ملتقى بصفته ممثلا للمجتمع المدني، تأخر عن موعد رحلته، الشيء الذي جعله مرغما على تأخير رحلته إلى اليوم الموالي بعد استبدال تذكرته، وهو الأمر الذي تعذر معه حضور المسافر المذكور لليوم الافتتاحي للملتقى المذكور ولجلسته الافتتاحية.

علاقة بهذا، واستنادا إلى مقتضيات المادة 479 من مدونة التجارة، التي تنص على أنه “إذا تأخر السفر فللمسافر الحق في التعويض عن الضرر”، استنتجت المحكمة أن هذا المقتضى من مدونة التجارة يحتم على الشركة المكلفة بالنقل من بلوغ الهدف المتعاقد بشأنه، وأن هذه المسؤولية لا يمكن التبرؤ منها إلا عند ظهور قوة قاهرة أو حالة مفاجئة، حسب مقتضيات المادة نفسها من مدونة التجارة.

في المقابل، يتبين أن المكتب الوطني للسكك الحديدية، ومن أجل استبعاد مسؤوليته في هذا الصدد، دفع بأن التأخر المذكور نتج عن المسؤولية الملقاة على عاتقه، والمتعلقة بأشغال صيانة السكك، مما يجعل هذا التأخر في ظل هذه الظروف أمرا طبيعيا.

ارتباطا بهذا، فإن المحكمة، في هذه النازلة، استبعدت الدفع المذكور، معللة ذلك بكون أنه بالرغم من أهمية أشغال الصيانة غير القابلة للنقاش، فإن هذه الأشغال لا تشكل عناصر القوة القاهرة غير المتوقعة التي لا يمكن تفاديها، ولا عناصر الحالة الفجائية، وهي الأسباب الوحيدة التي يمكن اعتمادها من أجل الإعفاء من المسؤولية الملقاة على عاتق شركة النقل، إضافة إلى خطأ الضحية، وهي الأسباب الحصرية المحددة من طرف المشرع في نازلة الحال.

****

إن الحكم سالف الذكر يمكن تقريبه من حكم سابق للمحكمة التجارية بالرباط مؤرخ في 14 يناير 2019، ففي هذه القضية المشابهة التي ألحق فيها التأخير ضررا بأحد المرتفقين، قررت المحكمة إدانة المكتب الوطني للسكك الحديدية وتغريمه تعويضا عن الضرر الذي لحق الضحية جراء تأخيره اليومي عن العمل.

وفي هذه النازلة، فإن المرتفق، الذي يقطن بمدينة مكناس، لحقه ضرر كبير جراء تأخيره المتكرر على الخط الرابط بين مكناس والدار البيضاء، وهو الخط الذي كان يستعمله من أجل متابعة دراسته الجامعية بالدار البيضاء.

فأشغال صيانة السكك الحديدية هي بالتأكيد مسألة مهمة، لكنها لا تشكل عناصر الحالة الفجائية، كون أن المكتب الوطني للسكك الحديدية هو الذي يتوقعها وينجزها، كما لا تشكل عناصر القوة القاهرة لكون المكتب هو الذي يقرر إنجازها، وبالتالي فإن هذه الأشغال لا يمكن أن تكون سببا خارجا عن إرادة المكتب ولا حدثا غير متوقع وغير قابل للتفادي.

إن مثل هذه القرارات تكتسي أهمية بالغة لكونها تتعلق بسير المرفق العمومي وبأحد المبادئ الرئيسية التي يرتكز عليها هذا المرفق، وهو مبدأ الاستمرارية، الذي لا يعني فقط العمل بدون انقطاع، وإنما يعني أساسا العمل بانتظام واطراد. وفيما يخص نقل المسافرين، فإن اشتغاله يجب أن يتسق وفق ما هو مبرمج سابقا، حيث يجب على الشركة المكلفة بالنقل احترام توقيت الوصول، وبالتالي ليس من حقها التحجج بوسائل ضرورية من أجل التملص من مسؤوليتها، حيث الخضوع لحتمية بلوغ الهدف، وهي المسؤولية التي لا يمكن الإعفاء منها إلا ضمن ما هو مقرر في المادة 479

من مدونة التجارة، ذلك أن التعويض عن الضرر لا يمكن تفاديه إلا إذا نتج التأخير عن حالة مفاجئة أو عن قوة قاهرة.

وبالاحتكام إلى بعض القرارات الحديثة للقضاء الفرنسي، يتضح أن هذه القاعدة سارية المفعول حتى خارج تراب المملكة.

******

في فرنسا كما في المغرب، فإن هذه الدعاوى تدخل ضمن اختصاص القضاء العادي بالنظر إلى الطابع الصناعي والتجاري للشركة الوطنية للسكك الحديدية.

وعلاقة بهذا أصدرت محكمة الاستئناف بباريس قرارا بتاريخ 4 أكتوبر 1996 يقضي بفرض تعويض عن الضرر في مواجهة الشركة الوطنية للسكك الحديدية، بعض إثبات مسؤولية الشركة جراء التأخيرات المتكررة.

وفي الاتجاه نفسه، وفي قرار آخر مؤرخ في 22 سبتمبر 2010، أثبتت المحكمة ذاتها هذه المسؤولية بمناسبة تأخير بسيط.

فالمشتكي الذي كان محاميا في هذه الواقعة، كان يريد التنقل عبر الشركة الوطنية للسكك الحديدية من أجل الترافع أمام المحكمة الإدارية، من خلال التنقل أولا من منزله إلى محطة القطار LYON بباريس، ثم بعدها إلى مدينة NIMES عبر قطار آخر، حيث يتوفر هذا المحامي على 19 دقيقة حسب التوقيت المعتمد من طرف الشركة قصد تغيير القطار في المحطة نفسها، غير أن هذا التغيير لم يحصل جراء تأخر القطار الأول بسبب خلل في آلية تغيير السكة، وهو الخلل الواجب تحمل نتائجه من طرف الشركة الملزمة باحترام الوقت كنتيجة لازمة طبقا للمادة 1147 من القانون المدني، حيث تتحمل الشركة المسؤولية التقصيرية كاملة لأن سبب التأخر الناتج عن خلل في منظومة التغيير لا يشكل قوة قاهرة ولا عنصرا مفاجئا ولا حتى خطأ ناتجا عن المرتفق، هذا السبب الأخير الذي دفعت به الشركة لكون المسافر لم يتحرّ الدقة في اختيار القطارات التي لها هامش 19 دقيقة كفارق بين محطة الوصول وإقلاع القطار الموالي.

إن هذا الموقف المعبر عنه من طرف الاجتهاد القضائي الفرنسي تم تأييده بواسطة قرار للغرفة المدنية الأولى بمحكمة النقض بتاريخ 14 يناير 2016، حيث تتجلى أهمية هذا القرار الحديث في كونه يكرس واجب الأمن واحترام الوقت من طرف شبكة النقل.

فالمحكمة العليا في هذه النازلة لم تأخذ بالدفع المقدم من طرف الشركة، والمتعلق بالإصلاح التقني لتأمين سلامة المسافرين كسبب موضوعي في التأخر، حيث خضوع الشركة لواجب إيصال المسافرين لوجهاتهم حسب التوقيت المبرمج كنتيجة لازمة، وهذه المسؤولية الملقاة على عاتق الشركة لا يمكن إعفاؤها منها إلا إذا ظهرت ظروف غير متوقعة لا يمكن تفاديها.

والحقيقة في هذه القضية أنه بالرغم من أهمية أشغال الصيانة التي تقوم بها الشركة الوطنية للسكك الحديدية من أجل تأمين سلامة المسافرين، فإن الشركة، حسب قرار المحكمة العليا الفرنسية، لم تثبت الصفة غير المتوقعة لهذه الأشغال، التي لا يمكن تفاديها، وبالتالي فإن دفع الشركة المتعلق بواجبها المتمثل في تأمين سلامة المسافرين لا يمكن اعتماده كأساس لتبرير تأخيرات هذه الشركة، والذي يشكل تقصيرا في مسؤوليتها التعاقدية تجاه المسافرين.

وفيما يخص المرتفق، فمن واجبه طبعا في نازلة الحال، أن يبين أهمية وواقعية الضرر الذي لحقه، وهو الأمر الذي يتحقق في كل هذه القضايا المدروسة.

*****

إن الخلاصة التي يمكن استقاؤها في مختلف هذه القضايا، سواء في المغرب أو في فرنسا، كونها ستساهم لا محالة في ترسيخ حكامة المرفق العام، فالمسؤولون عن تدبير مرفق النقل لا يمكنهم تجاهل أن الخلل الممكن حدوثه في عمل واشتغال هذا المرفق الذي يشرفون عليه، أو عدم احترام مبدأ واجب بلوغ الهدف المتعاقد بشأنه تجاه المرتفقين، أمر سيؤدي حتما إلى إثارة مسؤولية هذا المرفق وإدانته، وبالتالي فإن هذا الأمر سيساهم طبعا في إعطاء الأهمية اللازمة لهذا المرفق ولظروف اشتغاله من أجل المصلحة الكبرى للمرتفقين.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

12
  • سلام عليكم
    الإثنين 18 يناير 2021 - 04:51

    دابة كون وقع لية انا هاد مشكل مثلا من مدينة مدينة او مشيت دعيتهم زعما نصور شي حاجة هه والله ماكاين لي يعقل على مسكين في هاد بلاد بقا طلع او تهبط حتى تشبع او تسمح في حقك هذا مسكين غير وظيفة تاعو لي وقفت معاه

  • Mre
    الإثنين 18 يناير 2021 - 05:23

    الحمد لله أن الاحتجاج أخذ أبعادا قانونية و ليس فقط التشكي في المقصورات و الصراخ في المحطات.

  • o z
    الإثنين 18 يناير 2021 - 07:10

    إذا كنت ممن يستعمل القطار يوميا فيجب عليك الاستعداد لمرض السكر و ضغط الدم و توتر الأعصاب و ….

  • المذغري
    الإثنين 18 يناير 2021 - 07:33

    هذا الحكم يجب تعميمه على جميع المرافق العمومية بالمغرب،ففي اروبا عامة كل المرافق والاءدارات العمومية تاخد جميع الاحتياطات الضرورية حتى لا تكون ضحية حكم قضاءي نتيجة تضرر مواطن ما،فالبلديات تقوم بتسييج اي حفرة قد تقع بسبب الاءشغال او بدونه مخافة سقوط شخص ما فيها،وتكون بذلك علاقة سببية بين الضرر الذي لاحق بالشخص وبين الحفرة التي احدثت بسبب الاءشغال،اوبسبب إهمال المسؤولين المشرفين على المرفق.
    ليس كالمغرب البلد الاسلامي ياحصرتاه،وشوارعه كلها حفر،نتيجة الاءشغال،والاءهمال،زد على ذلك ضعف الثقافة القانونية للمواطنين،فحتى لو سقط مواطن في حفرة او حصل له ضرر ما نتيجة لذلك،فاءنه يذهب ءالى منزله ليبدا مسلسله في البحث عن العلاج،ويلوم نفسه هو لماذا وقع في الحفرة،ويتساءل اين كانت عيناه، واين كان عقله؟؟؟؟؟!!!!!.

  • قيمة الغرامة
    الإثنين 18 يناير 2021 - 08:10

    بغينا نعرفو شحال قيمة هاد الغرامة ياك ماشي 10دراهم رمزية ؟

  • مواطن مغربي
    الإثنين 18 يناير 2021 - 08:18

    هذا جيد لكن ما لا أستسيغه لماذا يتم دائما إعطاء الأمثلة بفرنسا (ففي فرنسا مثلا)

  • فقير
    الإثنين 18 يناير 2021 - 08:44

    الضعيف في بلد المغرب،لا يطبق فيه القانون ولو يتأخر بنصف نهار القطار،شكون يعطيك حقك،واش معطوك حتا حقك من خيرات بلادك بقا غير تأخذ حقك من هاد التاخيرات،مزال مسؤولين عنصريين إلا من رحم ربي،

  • أحكام ميتة
    الإثنين 18 يناير 2021 - 10:55

    أولا الأحكام تكون بتعويضات هزيلة لا تتناسب مع الضرر، ثانيا يبقى التنفيذ غير ممكن لأن مؤسسات الدولة معروفة بعدم تنفيذ أحكام القضاء ضدها لأن وسيلة الإجبار غير متوفرة قانونا فهي تعتبر مرافق عامة لا يمكن إيقافها أو الحجز على ممتلكاتها نظرا لتعطل المنفعة العامة المسبقة على المنفعة الخاصة، و الأمثلة كثيرة في هذا الباب، يعني بالعربية مشات على عينيك ضبابة.

  • عادل بوموجة
    الإثنين 18 يناير 2021 - 11:44

    مع احترامي للقضاء والله أني أحس بيوم القيامة ، مواطن أرغم السكك الحديدية على تعويضه ،اليوم نقدر نقول أن هناك عجائب الدنيا الثمان وليس السبع

  • visiteur
    الإثنين 18 يناير 2021 - 12:50

    بعدما استعصى على المكتب الوطني للسكك الحديدية وجود حل لهذا التعطيل المتكرر والكبيرة .لماذا لا نطلب المساعدة من اليابانيين ليزودوه بإدارة فعالة وذات ديناميكية ونظرة بعيدة تعيد قطارنا على سكته

  • zouichi.m
    الإثنين 18 يناير 2021 - 12:55

    نكتب و نعلق و غرامات و احكام و الحال سوف يبقى كما هوا عليه لانه لا توجد يد من حديد للضرب على رؤوس المسؤولين .خصوصا القطار المتوجه الى المطار بعد السادسة مساءا يشتغل على مزاجه من دون سابق اعلان مرة موجود و مرة فقط الحراس بدرج المطار من يخبر الناس انه سوف يبدء صباحا بعد السابعة و خصوصا القطار الذي حطم الرقم القياسي في التأخر هو القطار الخارج من طنجة كذلك يشتغل على مزاجه مثل حافلات الغزاوي يتأخر بالساعات اكثر من 5سنوات الى يومنا هذا لا حسيب و لا رقيب اما موضوع المراحيض عيب ان اتحدث عنها كانك في مزبلة و ليس مرحاض قطار
    متى المسؤولون يعتبرون المغاربة انهم بشر ؟!
    لقد تعبنا من الاهمال نعرف انكم ليس كفؤ وليس لكم أي خبرة في اي مجال لاكن يجب عليكم الاجتهاد و منافسة الدول النامية و التعلم منهم يكفيكم فساد ايها المسؤولون

  • molahidh
    الإثنين 18 يناير 2021 - 15:24

    طيب خبر مهم ومفيد. ولكن كم هو مبلغ التعويض؟ فعدم ذكر ذللك يجعل الخبر موضع شك وريبة. ومن باب التوضيح فالمحكمة التجارية لا تدين وإنما تحكم بما هو مستحق.

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 3

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 3

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 5

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان