متى تتخلص انتخاباتنا من الصورية والتحكمية؟!

متى تتخلص انتخاباتنا من الصورية والتحكمية؟!
الثلاثاء 30 مارس 2021 - 20:54

قراءة كرونولوجية

من خلال قراءة في كرونولوجيا (chronology) الانتخابات السياسية التي عرفها المغرب منذ عقود خلت، والخرائط الحزبية التي ترشح عنها، سواء على مستوى الجماعات المحلية أو المجالس الجهوية، أو على المستوى البرلماني والحكومي؛ سنلاحظ متغيرات عديدة ناظمة للمشهد السياسي العام، لعل من أبرزها دعم الحكومة المالي الذي تتلقاه هذه الأحزاب كأداة فاعلة في حملاتها الانتخابوية، فضلا عن استقطابها لناخبين من أوساط مالية واقتصادية، بغض النظر عن مؤهلاتهم الثقافية السياسية أو الحزبية.

كما نلاحظ، وفي حمأة البحث عن الأصوات الناخبة، حركية غير عادية تنشط داخل بنية الأحزاب؛ من خلال تكثيف اتصالاتها بأسماء نافذة في قطاعات المال والتجارة والصناعة، ناهيك عن الشركات الصغرى والكبرى التي لها وزن على المستوى الاستهلاكي العام. أما إذا حاولنا إجراء بحث قطاعي باعتبار المؤهلات العامة التي تفرزها النخب، فسنجد حتما أن مؤشر الثقافة السياسية منحط بقياسه مع مؤشر الحركية الاقتصادية، وفي رقعة جد محدودة لا تغطي كامل التراب الوطني. وفي هذا السياق وللتدليل على محدودية هذه الثقافة، نسوق مثال مادة الحليب التي تتقاسمها شركات منتجة وموزعة، فقد تجد لها اسما في الجنوب المغربي ولا تعثر له على أثر في شماله.

قراءة في دوافع المترشح للانتخابات

في زمن ولى، كانت هناك ترشيحات انتخابية حرة تتخلل المشهد السياسي العام، وإن كانت الحزبية تظل الورقة الفاصلة في التشكيلات السياسية ونفوذها. لذا، تكون هذه الترشيحات الحرة مجبرة على حسمها في اللون الحزبي الذي ستنضوي تحته، في إطار أولوية التقرير السياسي؛ بيد أن السؤال المؤرق يكمن في دوافع ولهث مترشحين، أحراراً ومنتمين، وراء هذه الانتخابات؟ أهو طموح لخدمة الصالح العام؟ أم هو سباق نحو نفوذ سياسي؟ ويصبح السؤال أكثر إلحاحا حينما نعلم بوجود أموال ضخمة ينزل بها مترشحون في ميادين حملاتهم، تصل أحيانا المليارات، وقد تمتد بنا قناعاتنا إلى العثور على أهداف من بينها على الأرجح بلوغ “الحصانة البرلمانية” التي كثيرا ما يحتمي من ورائها هؤلاء للسعي نحو اقتناص مزيد من الامتيازات والنفوذ الاقتصادي، أو الوصول إلى مواقع نافذة تمكنهم من عقد شراكات وتعاون مع رساميل أخرى موظفة في استدرار مزيد من المكاسب والأرباح والنفوذ؛ وهي مساع، وفي جميع الأحوال، لا تخرج عن نطاق “بزنس انتخابي” Electoral Business ، وليس بذات صلة قطعا بالمصلحة الوطنية العامة.

أحزاب أم مواقع لاقتناص الفرص؟

حري بنا الإشارة إلى أن ليس لدينا أحزاب بالمفهوم السياسي، كتنظيمات سياسية مساهمة في تأطير الرأي العام ومراقبة النشاط الحكومي، بقدر ما هي مواقع أو بالأحرى متاجر “سياسية” يخمد نشاطها مواسم سياسية كاملة ولا تنشط إلا عند اقتراب موعد الانتخابات. كما أن هياكلها وتنظيماتها الداخلية مخترقة من طرف جهات نافذة ومتحكمة في انتقاء هذا الأمين العام وتنحية ذاك، علاوة على أن أنشطتها لا تواكب المستجدات؛ فتظل مواقفها من القضايا المركزية والولائية مبهمة وغائبة في جل الحالات، لا سيما إن كانت طرفا في الحكومة. وإذا أجرينا مقطعا في استطلاع عام عن مؤهلاتها السياسية وجدناه بالكاد منعدمة؛ ذلك أن نسبة المؤهلات الجامعية ضئيلة بقياسها مع ذوي المال الذين لهم الأسبقية في اعتلاء كراسي أماناتها العامة، وهي ظاهرة حزبية مشتركة بينها؛ تقضي بإقصاء الكفاءات العلمية.. لذا وجدنا أن معظم هذه الأحزاب، وتقديرا منها لخطورة هذه الحالة، توصي أعضاءها بالإحجام عن الإدلاء بأي موقف أو رأي تجاه القضايا الآنية والمستقبلية، مخافة انزلاقات كثيرا ما تقع فيها ألسنتهم، لا سيما نحو قضايا تمس دول الجوار.

وأخيرا وبعد تشكيل الحكومة والمجالس؟

يلاحظ، وعلى امتداد عقود، أن الصورية (formalism) تظل الطابع الرئيسي في عمل أي حكومة. وبمنأى عن أي برنامج لها، فهناك “سياسة التعليمات” ما زالت المهيمنة على عملها وتدبيرها للشأن العام. لا تتحرك إلا بإيعاز من هذا الطرف أو ذاك من وراء الكواليس، حتى إن مبادراتها باتجاه القضايا الراهنة أو العالقة دوما تظل في انتظار الضوء الأخضر. وغني عن البيان، وفي السياق ذاته، أن هناك كوارث اجتماعية بضحايا عديدة، فقط تسترعي “حوقلة ” الحكومة وطمس الملف بعدها، دون وجود مساع ميدانية لتقييم حجم الحادث، أو البعث بلجان التقصي إلى عين الأمكنة، حتى إن استقبالاتها وزياراتها الدبلوماسية داخل الوطن وخارجه يُعين لها أشخاص خارج صلاحيات الحكومة.

وليس واردا إطلاقا في قاموس العمل الحكومي بند من قبيل: “جلسة طارئة”، “خلية عمل”، “جلسة استثنائية”.. مما يؤشر بوضوح أن الجهاز الحكومي برمته يندرج ضمن “العمل الصوري” الشكلي الخالي من كل فعالية وحيوية؛ أو لنقل إن أنشطة بعض وزاراتها تتحكم فيها “المناسباتية” occasionalism؛ كأن يخرج مثلا وزير في الفلاحة والصيد… مع اقتراب شهر رمضان أو عيد الأضحى، ليدلي بتصريح بأن “جميع المواد” متوفرة أو أن “رؤوس الأغنام” بالوفرة اللازمة لتغطية حاجيات المواطنين من الأضاحي؛ لكن إذا تعلق الأمر بعطل مستديم في شبكة الأنترنيت مثلا فلا تكترث الحكومة ولا الوزارة بهذا العطب. وبخصوص تعاطيها مع جائحة “كورونا”، فلا نلمس منها إلا الصمت المطبق تجاه سعير أسعار المواد، ولا الضائقة المالية التي أصابت شرائح اجتماعية عديدة.. فقط تترصد تحركات المواطنين لتعلن امتداد حجر التجوال، أو عودة الساعة الإضافية التي إذا نحن حاولنا انتزاع تصريح السيد سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، بخصوصها لقال بالحرف: “والله ما عندي فيها لا ناقة ولا جمل!”.

خلاصة القول إن موسم الانتخابات لا يعدو مناسبة لاستعادة بعض الوجوه لمقاعدها؛ في البرلمان والمجالس المحلية خاصة، وأن الدعم الحكومي للأحزاب إشارة إلى “كل واسكت”، وقد تندرج ضمن خانة تبذير المال العام. وفي هذا السياق، ما زال المغاربة يتذكرون تصريحا للسيد أحمد عصمان، رئيس التجمع الوطني للأحرار سابقا، حينما قال: “ما جدوى الانتخابات.. ما دامت الدولة هي التي تخطط وتنفذ”؛ وهي إشارة قديمة/ حديثة إلى وجود حكومة الكواليس “وراء الظل”، هي التي تمسك بخيوط اللعبة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • فريد
    الأربعاء 31 مارس 2021 - 05:29

    متى تتخلص انتخاباتنا من الصورية والتحكمية؟! سيتحقق هذا عندما سنُخرج الملكية إلى السيادة فقط بدل الحكم المطلق الحالي.

  • البوهالي بابا
    الأربعاء 31 مارس 2021 - 09:35

    القضية في رمتها الشعب الذي ما زالت الأمية تنخر مفاصيله وحتى الفقر له دوره في الوضع القائم، المخزن يستغل الجهل المطبق للمواطنين، ومن حين لآخر يمنيه بالخرافات و الأوهام، فلو كان هناك فعلاً وعي لأحجم الشعب عن صناديق الاقتراع ولكانت ضربة قاصمة للمخزن، الانتخابات ستمر كيفما أراد لها المخزن وستبقى دار لقمان على حالها، ما دام النظام أحاط بكل شيء الصحافة والنقابة ووو فلا أمل يلوح في الأفق، فقط علينا أن نذكر دائما أن أخطر ظاهرة يسمح لها المغرب هو وجود “بوشكارة” في موقع القرار يشرع لحملة الدكتورة الذين يتلقون يومياً حصتهم من الهرماكا على أيدي أناس لا يحملون حتى الابتدائية، ياسلام

  • KITAB
    الأربعاء 31 مارس 2021 - 13:01

    الصورية والتحكمية تطغى في كل القطاعات، وهي نتيجة حتمية لطغيان نسب الأمية والجهلة بين المغاربة ،فضلا عن وجود فقر مدقع يدفع صاحبه للتعاون حتى مع الشيطان، المفارقة الغريبة والعجيبة كما أشار إليها صاحب التعليق آنفا أن وجود أشخاص لا يميزون بين الألف والزرواطا داخل قبة البرلمان يشرعون لحملة الدكتورة خارج المبني يتلقون كل يوم حصتهم من العصا على أيدي أفراد من القوات المساعدة “المردا”! هذه الظاهرة لا وجود لها إلا في المغرب الذي لا نستغرب أي شيء داخله، تصرف المليارات لدعم الأحزاب والمؤسسات النقابية والإعلام فقط لتكميم الأفواه والعمل بمبدأ “كلْ واسْكت” ، ولا يلوح في الأفق تغيير مرتقب ما دام المخزن يتحكم في جميع خيوط اللعبة، سلمات

  • Amaghrabi
    الأربعاء 31 مارس 2021 - 17:31

    أعتقد أن المغرب في بداية المرحلة الانتقالية والمرحلة الانتقالية ليس لها اجل محدد بحيث لا يمكن للدولة ان تعد مثلا الشعب المغربي ب20سنة او اقل او اكثر ,لان المرحلة الانتقالية تتطلب النضوج الشعبي الذي ينمو بالوعي المكتسب عبر التجارب المستمرة بحيث كيف يعقل ان نطلب ملكية دستورية لشعب غير ناضج ويعيش الفقر والجهل والامية وما زال يصدق الاوهام ويكذب الحقائق الواضحة وضوح الشمس,فلي اليقين ان الملكية البرلمانية حاليا هي الدعوة الى الفوضى والمثال الواضح تونس اليوم التي ارادت ان تدخل الديموقراطية المتقدمة واعطت دور كبير للبرلمان وقلصت من صلاحيات الرئيس مما جعلهم اليوم يعيشون ازمة دستورية والبلوكاج السياسي بحيث لا احد له الشرعية ليقرر ويفرض رأيته وبالالي فتونس في مرحلة “حيص بيص”والشعب في الانتظار الصعب والحالة تسوء يوما بعد يوم واكثر من 10سنوات وتونس لم يتضح لها الطريق الصحيح والتراجع نحو الوراء بحيث الحالة كانت جيدة في عهد بني علي وبالتالي لو قامت الثورة السلمية وارغمت الرئيس ان يعطي الجرعات السياسية والحقوقية بالتقسيط لكانت تونس اليوم في احسن الاحوال

  • مُصَوِّت في 2021
    الأربعاء 31 مارس 2021 - 19:00

    نريد الديمقراطية دون أن نكون ديمقراطيين! هذا غير ممكن و هذه الديمقراطية المُتَبَاكَى عليها من طرف حزب الندالة و حزب الاستغلال و ماجاورهما هي غير الديمقراطية المطلوبة! بالأمس ضغط حزب الندالة من أجل عدم التنصيص على حرية الاعتقاد في الدستور و قبلهم ضغط حزب الاستغلال الوطني من أجل التنصيص على أننا دولة “إسلامية” عربية لدرجة أن المغاربة اليوم يحملون أسماءا مثل المستعصم بالله ، شرف الدين ،تسنيم وغيرها من الأسماء المشرقية! كيف نتحدث عن الديمقراطية و البعض منا مازال يُطَالِب بحقه في الأكل خلال رمضان كأبسط حق إنساني!!

  • إلى Amaghrabi
    الأربعاء 31 مارس 2021 - 19:14

    تحية قضية “الانتقال” هذه الكلمة كثيراً ما تتداول في قاموسنا السياسي “الانتقال الديمقراطي” ؛ “الانتقال” من اقتصاد الدولة إلى اقتصاد الشراكة.. وهي في مجموعها تيمات نلوكها صباح مساء ولا يشهد لها الواقع بوجود أو أثر، نعم الأمية الضاربة في الأعماق هي من التحديات التي تواجهنا في انتقالنا من مرحلة إلى مرحلة أفضل، بيد أن الميديا الشعبية اليوم هيمنت وزادت أن عمقت فينا ثقافة الخرافة والسماع والمشاهدة كما وضعت حواجز اسمنتية بين طبقات المجتمع، طبقة تعيش في السحاب بيما أخرى تعيش في الحضيض،، هذا طبعا يقلل من فرص الانسجام بين الأجيال المغربية، التي تفتقد الحلقات الواصلة بينها، وبالتالي فالانتخابات وفي ظل هذا الوضع علاوة على جائحة كورونا ، لا يمكن أن تبشر بالخير، فالنخب يلزمها إرادة القرار، وهذا لا يتأتى لها، فمؤسسات المغرب ما زالت تتوجس من من مشكل الثقة، لذا تترقب دوما القرارات أن تصدر لها من فوق، أو بعبارة جامعة هناك قوى خلف الكواليس تمسك بجميع خيوط اللعبة، وشكراً

  • Amaghrabi
    الأربعاء 31 مارس 2021 - 21:37

    الى الاخ الكريم المعلق رقم6,أنا كذلك اتمنى ان انام وافيق واجد وطني ينافس المانيا في التقدم واتمنى من قلبي ان ارى وطني بين عشية وضحاها مصذف مع الدول المتقدمة ولكن التمني شيئ والواقع شيئ اخر,وكما قال لينين “خطوة الى الوراء خطوتين الى الامام”بمعنى ان الانسان لا يتقدم بدون محطات التقييم والمراجعة وتغيير الخطط,فالمغرب والحمد لله تحت قيادة جلالة الملك في الطريق الصحيح والذي سيصل ان شاء الله الى النتائج الجيدة وبالتالي فكل مرحلة لها خصوصياتها مع العلم ان الاحزاب السياسية المغربية نفسها غير ناضجة لتحمل المسؤولية فمثلا هذا الاسلوب الانتخابي الجديد المقترح والذي يعرقل فوز العدالة والتنمية هو في نظري خطوة الى الوراء وتاتي من بعده خطوتين الى الامام لان هذا الحزب اصبح يعرقل واصبح حجرة عثراء واصبح يذهب بالمغاربة نحو المجهول ونحو الكارثة وبالتالي فالديموقراطية لا مفر منها ولكنها يجب ان تكون بالجرعات وتحت مراقبة الدولة الناضجة والتي تحافظ على المكاسب وتفتح ابوابا جديدة لتحقيق مكاسب جديدة وهكذا ان شاء الله سنصل الى الملكية البرلمانية او اكثر اما حرق المراحل فمن المستحيلات وشكرا

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟