يا ملائكة الرحمن عذرا

يا ملائكة الرحمن عذرا
الخميس 9 غشت 2012 - 14:13

يقال عن شهر رمضان أشياء كثيرة صحيحة، فيوصف بأنه شهر القرآن والفرقان، وإنه شهر الصيام والقيام والتكافل الاجتماعي، وإنه شهر الصبر والنصر والتقوى، وكل هذا صحيح لا غبار عليه.

لكن قليلا ما ينتبه الناس إلى أمر بالغ يقع في هذا الشهر العظيم يتحول فيه البشر ليصيروا إلى الملائكة أقرب، وتتحول فيه الملائكة لتصير إلى البشر أقرب. فما هو هذا التحول وما سر هذا التقارب بين هذين النوعين من الكائنات.

لقد صار في حكم المتداول المشهور بين الناس أن الشياطين يتراجعون عن غيهم وغوايتهم في هذا الشهر بعد إغلاق أبواب النار وفتح أبواب الجنة وتكبيل الأبالسة بالسلاسل. ولم يشتهر بالقدر نفسه الاكتساح الكبير الذي تقوم به الملائكة لعالمنا الأرضي بنزولها من عليائها لتكون معنا وإلى جانبنا في حفل عظيم يضيع مباهجه كثير من الناس ولا يلتفتون إلى العرس وضيوفه الحاضرين بكثافة وسرور.

نعم في هذا الشهر، يتحول الإنسان فيعلو ويعلو حتى يقترب من الملائكة فيشبههم أو يتفوق عليهم. أليس يقطع بالنهار طعامه وشرابه وشهوته –وهي حلال تصير حراما خلال زمن مقدر- فيصير كالملائكة التي لا تأكل ولا تشرب ولا تشتهي، ثم يقضي يومه مع الله صائما ذاكرا بالحال والمقال فيصير مثل الملائكة المجبولين على الخشوع والتسبيح الليل والنهار لا يفترون.

وبعد تناول الإفطار يدخل المؤمنون إلى عالم التراويح فيزدادون علوا وقدرا، فتشاركهم الملائكة بكثافة منقطعة النظير وبزحام غير مسبوق، وبذلك يتفوق الإنسان على الملاك.
إذن هي الملائكة والروح تتنزل بإذن ربها لتشارك البشر تعبدهم وتسبيحهم ومعراجهم، وهم المؤمنون يعرجون بفضل ربهم بصلواتهم وتراويحهم وأحزابهم وختماتهم القرآنية تدبرا وترتيلا وتفسيرا وتأويلا.

هي حشود من عالم الغيب وعالم الشهادة تحتفي وتحتفل بطريقة روحية وبأعمال موحدة في أيام معدودات تبلغ ذروتها القصوى في العشر الأواخر من رمضان.
أتدرون ما سبب الاحتفاء والاحتفال؟ إنه نزول القرآن وما أدراك ما ليلة القدر، إذ في كل رمضان من كل عام يحتفي هؤلاء الحاضرون من الأرض والسماء بذكرى أول لقاء بين جبريل عليه السلام ومحمد عليه الصلاة والسلام في الغار المعلوم.

وجميعنا يتذكر أن لحظة اللقاء هاته محنة وبلاء ومعاناة، وكذلك يكون لقاء أحباب الله ورسله، إذ الشوق حارق والشعور صاعق. ألا تذكرون كيف خر موسى عليه السلام صعقا. ألا تذكرون كيف كان يتفصد جبين الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عرقا في الليلة البالغة البرودة كأنه في يوم من أيام الصهد الشديد.

وعندما استقر الوحي بقلب النبي تحول فقال (هل كنت إلا بشرا رسولا) وما أصعب أن تجتمع في الرسول البشرية والنبوة حتى أن كثيرا من الناس لم يصدقوا فقالوا (ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق).

في كل عام يتجدد هذا اللقاء بين الرسل والبشر، ألم يجعل الله (الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء). أليست الملائكة هي المرسلات عرفا والملقيات ذكرا عذرا أو نذرا؟

وإن أمر الإنسان لعجيب بنكرانه للجميل ونسيانه للفضل والتكريم، وهل رأيتهم أشد نكرانا من كائن تقدم له الملائكة كل الخدمات التي تخطر بالبال ولا تخطر، وهو يتجاهلها وينساها ولا يشكرها؟ أليست تلك الملائكة حافظة مصاحبة مؤيدة لصيقة غير مفارقة إلا عند الخلاء والجماع؟ فلماذا هذا النكران أيها الإنسان؟

هذه المخلوقات العجيبة الرائعة لها شعور غامر بالتعاطف مع الإنسان إذا آمن واعترف بمولاه، فيذكره بالخير حتى الذين يحملون العرش ومن حوله فلا يملون من الدعاء له وهم أقرب ما يكونون من العرش وصاحب العرش (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم…)

ولقد ألقيت كثيرا من الخطب والمواعظ طيلة ثلاثين عاما من الوعظ والإرشاد والتربية والتكوين، لكني لن أنسى حديثا عذبا شيقا عن الملائكة طالبني كل من سمعه أن أعيده وأكرره. وعقب ذات خطبة حول الموضوع انتابتني حالة من الشعور الغامر بالذنب والتقصير صوب هؤلاء الأصحاب المكرمين فرفعت رأسي كأني أنظر إليهم وقلت لهم “يا ملائكة الرحمن عذرا.. كم نحن مقصرون في الإيمان والتعريف بك.. وما أشد غباء الذين يقلبون المواقف فيخاصمونكم ويتجاهلونكم وأنتم في خدمتهم، ثم يصاحبون أعداءهم ويسلمون أنفسهم لهم وهم بهم يمكرون”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • youness
    الخميس 9 غشت 2012 - 15:27

    كما قال فولتير : "لا تستطيع تحرير الأغلال التي يبجلونها".
    مقالك مملوء بالخرفات و الأساطير و لا أساس له بأي شيء إسمه "المنطق"، تتحدث ن مشاعر الملائكة و عاطفتها و كأنها تتناول معك الإفطار الرمضاني، تقول : (( وما أشد غباء الذين يقلبون المواقف فيخاصمونكم ويتجاهلونكم وأنتم في خدمتهم، ثم يصاحبون أعداءهم … ))، أظن أنك أنت الغبي لأنك لم تحدد نوع الخدمة التي يقدمونها هل هي معنوية أم مادية أم ماذا ؟؟، لو كانت معنوية لماذا نشاهد كثرة التمرمضينة في هذا الشهر أين هي عاطفتها التي تهذب الأخلاق و الوجدان لماذا لا نراها أثناء المواقف الصعبة حينما يتخاصم فردان في الشارع فتذهب لحل النزاع أترى هو الشيطان الذي منعها أم إبليس?!!، و لو كانت خدمة مادية لماذا نشاهد فقراء ليس لديهم حتى ما يأكلونه في هذا الشهر الفضيل على الرغم من تسبيحها و تعظيمها لها ?، هذا هو الجهل المقدس و الذي يرتكز على الإحتجاج بالغيب و لن تستطيع أمة النهوض إلى القمة مادمتم تلقون هاته الخطابات السحرية الخرافية على الشعب لأنها سبب سبات كل العرب .

  • Bouchra
    الخميس 9 غشت 2012 - 18:38

    Merci infiniment pour cet article , vraiment on en a besoin.

  • سليمة
    الخميس 9 غشت 2012 - 18:53

    يا ملائكة الرحمن عذرا والله عذرا

  • Din-al-haqq
    الخميس 9 غشت 2012 - 19:16

    Tbarkallah 3lik si hassan magnifique article

  • يامن
    الخميس 9 غشت 2012 - 23:39

    الناس كالملائكه !!!
    ماذا اقول غير
    لاحول ولا قوه الا بالله.

  • شروق
    الخميس 9 غشت 2012 - 23:45

    يا اخي صحيح الانسان يصوم عن الاكل والشرب والشهوه
    لكنه لن يبلغ الى ان يكون مثل الملائكه فالملائكه لاتوقف عبادتها لله ولاتعصي الله ابدا ولم تعصيه قط
    والله خلق البشر يخطئون ويتوبون ويخطئون ويتوبون ويقصرون في عبادتهم لله
    فهذه خلق الله وله حكمته
    لذلك خلق الله الجنه جزاء للؤمنون للمجتهدون

  • هند المكربي"
    الجمعة 10 غشت 2012 - 00:21

    قرأت المقال بالكامل وفهمت ولكن ما كتبته لايصح لاسيما في الاول من الموضوع
    ففعلا الشياطين تصفد مصداقا لحديث النبي
    وهناك بعض الملاحظات فيما كتبته خاصه في الجزء الرابع من المقال
    ثم تكتب ان الملائكه تحتفل بالذكرى الاولى للقاء جبريل عليه السلام والنبي صلى الله عليه وسلم وهل كان الرسول يحتفل حتى يحتفل الناس او الملائكه
    بصراحه غريب ما كتبت
    يمكنا التعرف بالملائكه بشكل افضل

  • محمد
    الجمعة 10 غشت 2012 - 16:44

    جزاك الله خيرا أيها الحبيب اللبيب، فقد ذكرتنا بما غفلنا عنه في ظل طغيان المادية التي أعمت البصائر وجعلتنا رهائن المحسوس المنحوس. عذرا حقا يا ملائكة الرحمن، وعذرا يا صاحب المقال إن لم تتسع حويصلة بعض الناس عن تذكيرك هذا. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

  • adam
    الجمعة 10 غشت 2012 - 20:45

    جاء في الحديث القدسي: أيها الشاب التائب أنت عندي أفضل من بعض ملائكتي

صوت وصورة
العسري واتصال المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:02

العسري واتصال المنصوري

صوت وصورة
جلسة عمل | إدريس الكراوي
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 21:53

جلسة عمل | إدريس الكراوي

صوت وصورة
بنعبد الله بعد لقاء المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 21:26 8

بنعبد الله بعد لقاء المنصوري

صوت وصورة
لشكر في مقر ''البام''
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 20:15

لشكر في مقر ''البام''

صوت وصورة
المغرب والخليج في مواجهة التحديات
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 19:00

المغرب والخليج في مواجهة التحديات

صوت وصورة
إدريس لشكر يهنئ رئيسة الحكومة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 18:29 4

إدريس لشكر يهنئ رئيسة الحكومة