ترجمة معاني القرآن الكريم في ضوء اللسانيات الحديثة

ترجمة معاني القرآن الكريم في ضوء اللسانيات الحديثة
السبت 30 أبريل 2022 - 00:01

توطئة

لا يخفى على أي باحث في الدراسات اللغوية الحديثة الدور الريادي الذي تقوم به اللسانيات في سبيل خدمة اللغة، بمستوياتها المختلفة. كما لا يخفى على أي باحث في الترجمة المكانة التي أولاها العديد من الباحثين في الترجمة للسانيات، إلى درجة أن ظهرت العديد من النظريات تجعل من هذا العِلم (اللسانيات) عنصرا إيجابيا في دراسة عمومية الترجمة؛ حتى استُغل في العديد من الترجمات، أهمها ترجمة النص الديني.

لقد خلقت مسألة ترجمة معاني القرآن الكريم الكثير من الجدال، خاصة بين المجالس العلمية في الوطن العربي وبين المترجمين أنفسهم، سواء العرب أو المستشرقين.

إن تطبيق المناهج الغربية في دراسة القرآن الكريم يجعل هذا النص ينفتح على عوالم أخرى تزيد من شرحه ووصفه وتسهم بما لا يدع مجالا للشك في كشف معاني القرآن الكريم وتجاوز تلك الدراسات التي تدرس بعضها ولا تزيد شيئا عما قاله الأقدمون. وسيدور حديثنا في هذه الدراسة حول مدى إسهام أو إمكانية استخدام الترجمة اللسانية بوصفها علما تطبيقيا في ترجمة معاني القرآن الكريم، بمعنى آخر كيف نستغل ونوظف النظرية اللسانية وتطبيقاتها في قضايا الترجمة من أجل الكشف عن معاني القرآن الكريم في اللغة الهدف؟ وهذا ما سيقودنا إلى مقاربة فريدة من نوعها تتعلق بتطبيق منهج لساني غربي على الدراسات القرآنية، في محاولة منا لأجل إثبات هذا الزعم.

القرآن الكريم نص لغوي قابل للتحليل والترجمة

يعد النص القرآني نصا ربانيا، يختلف عن باقي النصوص بالمصدر الإلهي؛ ذلك أنه كلام الله تعالى الذي نُزِّل على محمد ﷺ بواسطة جبريل ملاك الوحي والمنقول إلينا بالتواتر. وهذه الخاصية تجعله ينفرد عن غيره من النصوص ذات الصنع البشري التي تنفتح على العديد من المعاني والتأويلات، وتحتمل الخطأ والصدق والكذب. وقد نزل هذا الكتاب على منطق العرب ولغتهم؛ إلا أنه يفوق، في سبكه ونظمه وألفاظه ومعانيه، لغة العرب. يقول تعالى: ﴿وَلَقَد نَعلَمُ أَنَّهُم يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر لِّسَانُ الَّذِي يُلحِدُونَ إِلَيهِ أَعجَمِيّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيّ مُّبِينٌ﴾، (النحل الآية: 103)، إلى درجة أن تحدى الله العرب الإتيان بمثله يقول تعالى في محكم تنزيله: ﴿وإِن كُنتُم فِي رَيب مِّمَّا نَزَّلنَا على عَبدِنَا فَأتُواْ بِسُورَة مِّن مِّثلِهِ﴾. (البقرة، الآية: 22). ولا يمكن لهذا التحدي أن يأتي من فراغ؛ بل يحمل في مضانه قوة روحانية بعيدا عن كل المعاني المتضمنة. وهذا ما يجعله يتفرد بخصائص فريدة عن غيره، وأعطى العرب في ظل الإسلام القرآن الكثير من الأهمية، من خلال تحليل وتفسير ودراسة متنه، فظهرت دراسات جادة تبحث في إثبات إعجازه العلمي واللغوي والبلاغي، والإعجاز الترجمي الذي قال به زاهيد… وهلم جرا.

وتعد اللسانيات مادة علمية تحمل الكثير من الأدوات التحليلية والوصفية والتفسيرية تسهم في الكشف عن عظمة النص القرآني وبيانه ونظمه الفريد. واقتحمت اللسانيات المجال العلمي للعديد من العلوم الإنسانية والحقة؛ حتى أصبحنا الآن نتحدث عن لسانيات العلوم الطبيعية والتجريبية والإحيائية، نظرا لما تقدمه من جرد لغوي لمصطلحات العلوم وتراكيبها ومعاني مفرداتها الأصلية منها والمترجمة والدخيلة.

والقرآن كتاب رباني مبني على نسق لغة العرب، بكل ما تحمله من بُنى نحوية وأسلوبية ومعانٍ معجمية وصرفية، تجعل القرآن قابلا للدراسة والتحليل وفق منهج لا يضُرّ به وبمعانيه وبرسالته. لقد بنيت العديد من العلوم العربية خدمة للقرآن ورسالته، من قبيل علم البلاغة وعلم النحو وعلم الصرف…وغيرها، وكانت هذه العلوم تحترم الصيغة القرآنية لدرجة كبيرة، وفي مواقف كثيرة نرى القواعد النحوية تتغير فقط لظاهرة استثنائية في القرآن، من قبيل التقديم والتأخير أو حذف، نظرا للمعيارية التي يتميز بها النحو.

لقد قُدِّمت العديد من الدراسات خلال العصر الحديث تحاول أن تقارب النص القرآني من منظور الاتجاهات الحديثة في تحليل النصوص، من قبيل نظرية التلقي الأدبية أو السيميائيات بمختلف فروعها أو الاتجاهات شبه لسانية كالتي قام بها محمد أركون. وحاولت هذه الدراسات أن ترفع لواء القداسة عن النص الرباني المعجز، من خلال تفسيره وإعطائه تأويلات غربية وبعيدة في بعض الأحيان عن المعاني الواردة فيه.

إن اللسانيات بما هي علم دراسة اللغة في كينونتها، وإن لم تحظ إلى حد الآن بدراسة للقرآن الكريم تكون شافية ومرجعا مهما، تظل أقرب إلى دراسة متن النص القرآني؛ وذلك لطبيعتها الوصفية التحليلية التي لا تمس القداسة الربانية في المتن أو المعاني أو التراكيب. ولا يعطي منهج الوصف والتحليل والتفسير الذي تتميز به اللسانيات معيارية ولا يقدم دراسة لما هو موجود إلا وفق الإمكانيات التي تُتِيحُها الممارسة اللغوية.

لقد تميزت اللغة العربية، وخاصة في الدراسات النحوية التركيبية، بنوع من المعيارية؛ وهي بهذا تكون أقسى من غيرها على النص القرآني في الضبط التركيبي. يقول تمام حسان: “والمعيارية إذ تصل إلى القاعدة تقف عندها وتلزمها وتبطل بها كل بحث لاحق لها يؤدي إلى التعديل أو التحويل؛ فالقاعدة لدى المعيارية غاية في نفسها وقانون ذو سلطة توجب وتجيز وتمنع، والناس أمام هذه السلطة رعايا يطيعون”. (حسان، تمام، (2007م) اجتهادات لغوية، عالم الكتب، ط1، ص: 13-14). إن أي علم للغة العربية كيفما كان، عربيا أو أجنبيا، يجعل من المعيارية خاصية له لا يصلح أن يكون منهج تحليل وبحث في القرآن الكريم، نظرا للخصوصية الفريدة التي يتميز بها في متنه ولفظه وتركيبه.

النص القرآني وقضايا الترجمة

الترجمة من منظور لساني علم يعمل على نقل النصوص بكل تجلياتها اللغوية وغير اللغوية، من اللغة الأصل إلى اللغة الهدف في محاولة لإيجاد مكافئات، وفرضت الترجمة وضعها العلمي على جميع العلوم في مختلف المجالات، إنها تلك الحاجة التي نستطيع من خلالها تبليغ أفكارنا ومعتقداتنا ودياناتنا إلى الشعوب الأخرى التي تختلف عن منطقنا اللغوي.

لقد أثبتت الظروف اللغوية في ظل التعدد اللغوي والثقافي الحاجة إلى إيجاد المقابلات اللغوية بين لغات العالم، على الرغم من التباعد الحاصل في التعبيرات اللغوية بين الأمم والحضارات، يقول ياكوبسون: “إن لفظ “جبن” لا يمكن أن يطابق بصورة تامة مقابله الروسي، وهو “syr”، ذلك أن الجبن الأبيض جبن، غير أنه ليس “syr” يقول الروسي: “prinesi syru I tvorogu «هاتوا الجبن وكذا الجبن الأبيض»، ففي اللغة الروسية اليومية لا تسمى المادة الغذائية الناتجة عن تختر الحليب “syr” إلا إذ استعمل في ذلك خمير خاص”. (ياكوبسون، رومان (1959م) المظاهر اللغوية للترجمة، ترجمة: عبد المجيد جحفة، مقال ضمن كتاب دراسات في اللسانيات العامة، ص: 78-86).

وحسب ياكوبسون يظهر الفرق بين اللغات والتعدد الحاصل في المعاني والاختلاف في المحيط الاجتماعي والبيئي وتظهر حنكة المترجم في قدرته على إيجاد المكافئ إما بالإضافة أو الاقتراض أو الحذف… والأمثلة على المفردات في هذا الطرح كثيرة.

لقد أسهمت الترجمة في تطور الحضارات وازدهارها ونموها فكريا وعلمياُ، وفي نشر ثقافة الآخر، هذا ما حمل المُشرِّع إلى جعل ترجمة القرآن الكريم مجالا مفتوحا لكل الإسهامات الترجمية؛ لكن وفق شروط ومعايير ثابتة لا تمس بقداسة هذا النص الفريد في لغته. واقتحم المستشرقون ترجمة القرآن الكريم منذ زمن بعيد تحدوهم في ذلك رغبات وأهداف منها الصريحة ومنها الباطنية. ومن ثم، وجدنا العديد من المستشرقين يخفون ما لا يبدون من السموم والتحريفات الترجمية.

وقد عمل على كشف هذا التدليس الكثير من الباحثين العرب؛ من أبرزهم زينب عبد العزيز، الأستاذة الباحثة في الحضارة، في مقالات وكتب تضع من خلالها ترجمة جاك بيرك المستشرق الفرنسي في المحك من خلال كتاب لها بعنوان: “ترجمة القرآن إلى أين؟ وجهان لجاك بيرك”، تبين من خلاله بعض الأخطاء التي ارتكبها بيرك ليس ضعفا منه في فهم اللغتين ولكن رغبة في التضليل وخدمة الهدف من الترجمة والذي وإن كان ظاهره كما قلنا إبلاغ القرآن إلا أنه يبعد باطنا. في هذا الصدد، يقول طه عبد الرحمن: “ولا يقال: إن هدف المترجم هو أن يوفي بمقاصد كلام المؤلف؛ لأن هذا الهدف مبتذل، على فرض أن المترجم لا يخطئ هذه المقاصد. أما الهدف المخصوص الذي يجدر بالمترجم أن يتوخاه من ترجمته، فينبغي أن يضاهي الهدف الذي يتوخاه المؤلف من تأليفه ويناظره”. (طه، عبد الرحمان(2006م)، روح الحداثة المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، ط1، ص:161). لقد كان طه صريحا في هذا القول، إذ إن الترجمة كيفما كانت لن توفي الأصل، وتبقى نوايا المترجم فوق كل شيء أثناء الترجمة.

وقد أحصت الباحثة سالفة الذكر العديد من الأخطاء المتعمدة من لدن بيرك، تقول: “مثل سورة الإسراء فلم يكتف بترجمة معناها الذي حرفه إلى «Le Trajet Nocturne»أي المسيرة الليلية وإنما أضاف بعده عنوانا آخر هو أبناء إسرائيل وهو غير وارد في المصاحف المتداولة”. (عبد العزيز، زينب (1425هـ/2005م) ترجمة القرآن إلى أين؟ وجهان لجاك بيرك. مكتبة وهبة، ط1، ص:21) إضافة إلى هذا فقد نجد المترجم للقرآن الكريم ذا الأهداف التدميرية الخفية يتهرب على استعمال ألفاظ مترجمة تكون واضحة الاستعمال في اللغتين. تقول الباحثة: “وكلنا نعلم أن كلمة ‘’النصر ’’معناها بالفرنسية ‘’Victoire’’ وبالإنجليزية ‘’Victory’’، إلا أن بيرك أصر على عدم استخدام هذا المعنى، فكلمة النصر التي ترد في القرآن إحدى عشرة مرة وتصل تصريفاتها اللغوية إلى قرابة المائة مرة، لم يترجمها مرة واحدة لمعناها الحقيقي، ففي سورة البقرة مثلا نرى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولُ الرّسُولُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصرُ اللّهِ ﴾ (البقرة، الآية: 21) ترجمها إلى: ‘’L’envoyé De Dieu Et Ses Compagnons Dans La Foi S’écrièrent: Quand Le Secours De Dieu ‘’ ومعنى ترجمته رسول الله ورفاقه في الإيمان صاحوا متى نجدة الله، ونرى قوله تعالى: “إن نصر الله قريب” ترجمه ‘’ le secours de dieu est toujours proche ’’، ومعناه: أن نجدة الله دائما قريبة”. (المرجع نفسه، ص: 21).

إذن، هذه بعض المحاولات التغليطية التي يسعى لأجلها المترجم، التي وجب التّنبُيهُ إليها من لدن كل الباحثين في الترجمة القرآنية؛ فالهدف هنا لم يعد إيجاد المكافئات أو المقابل ولكن الترجمة بنية التحريف والتضليل.

القضايا اللسانية في ترجمة القرآن الكريم

أثبتنا في المحور السالف على أن النص القرآني ذو طابع لغوي محض، يحمل في متنه كل المقومات التي تجعل منه نصا لغويا بامتياز: من قبيل الأساليب المستعملة أو من التراكيب النحوية والدلالية التي يحوي بداخله، وسعينا هنا سيكون لأجل الكشف عن بعض الإشكالات التي تطرحها اللسانيات على ترجمة القرآن الكريم.. بصيغة أخرى، كيف يمكن للمستويات اللسانية أن تحدد هفوات الترجمة وخطورتها على النص القرآني.

تلعب المستويات اللسانية على تنوعها دورا أساسيا في بناء اللغات الطبيعية ودراستها، حيث إنه لا يمكن الاستغناء بأي حال من الأحوال على ما تُرتب بِهِ أنظِمة اللغات الطبيعية النحوية والتركيبية، أو المعاني التي تنسج على أساسها هذه التراكيب، أي المستوى الدلالي الخاص بالعبارات والألفاظ إما بشكل منفرد أو على شاكلة التراكيب المنسجمة في جمل، إضافة إلى البعد التداولي والاستعمالي في النص القرآني الذي يكثر استعماله.. إذن، كيف يمكن للسانيات، بمستوياتها التحليلية والوصفية، أن تقوِّم عملية الترجمة القرآنية، ونحن هنا لن نتطرق إلى المستويات الستة بل على الأهم منها والأكثر عملا على العملية الترجمية.

على المستوى التركيبي

للقرآن الكريم تركيب يفرُقُ عن باقي التراكيب النصية الأخرى. لذلك، وجب على من يفكر في التعامل معه أن يحذر الحذر الشديد حتى لا يُقَولَ النص ما لم يقُل، من خلال المحافظة على الرتب وتنوعها بين لغات الترجمة، مع الحفاظ على الدلالة في التركيب، “إلا أن التركيب القرآني في حد ذاته ليس تركيبا عاديا بل يحوي خصائص ومميزات خاصة جدا… وهذا من شأنه أن يدعونا إلى الحذر الشديد عند ترجمة معاني القرآن الكريم ويكرس من خصوصيته اللسانية بعامة”. (البايبي، أحمد(2014م) قضايا لسانية في ترجمات معاني القرآن الكريم، المجلة المغربية لدراسات الترجمة، العدد 2و3، ص: 220).

وسننطلق من وصف بعض هذه التراكيب، وكيف لعملية الترجمة أن تستفيد من الجانب التركيبي والمترجم كذلك في الكلام العزيز.

ـ ترجمة التقديم والتأخير(التبئير) نماذج من الترجمات الفرنسية

تعد ظاهرة التقديم والتأخير من الظواهر اللغوية (التركيبية) التي تتميز بها اللغة العربية عامة والعربية القرآنية خاصة. ويتم استعمال هذا الأسلوب في مواضع كثيرة في القرآن الكريم لأغراض وأهداف تتجلى في العناية أو الاهتمام التخصيص وغيرها. وتطرح ترجمة هذا الأسلوب العديد من الإشكالات الترجمية في اللغة الهدف التي يختلف نسقها اللغوي عن العربية بشكل كبير، خصوصا إذا كنا نتحدث عن الفرنسية أو الإنجليزية.

يقول تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحَمدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرضِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ (الجاثية، الآية: 36.) يقول الفتح الرازي: أي فاحمدوا الله الذي هو خالق السماوات والأرض، بل خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه الربوبية توجب الحمد والثناء على كل أحد من المخلوقين والمربوبين”. (تفسير الفتح الرازي، من موقع http://www.al-eman.com) ففي هذه الآية: تم تقديم مقولة تركيبية (الخبر) (لله) على المقولة التركيبية (المبتدأ) (الحمد).. لنرى كيف تعاملت الترجمات الفرنسية مع هذه الآية:

« Louange à Allah, Seigneur des cieux et Seigneur de la terre : Seigneur de l’univers » (Hamidullah, Mohammed, Le Saint Coran, p: 365)

« Désirance d’Allah, le Rabb des ciels, le Rabb de la terre, le Rabb des univers » (Chouraqui, André, LE CORAN – L’Appel, p : 742-743)

يلاحظ، من خلال الترجمات، أنها لم تستوعب مسألة التقديم والتأخير. وقد جاءت معظم الترجمات التي قدمت لهذه الآية بإرجاع الجملة إلى بنيتها السطحية الأولى، وغاب بهذا الغرض المعبر عنه في الآية الكريمة وهو تخصيص الله تعالى بالخلق، وهذا ما يُوجب البحث عن مكافئات أكثر تعبيرا على مراد الله تعالى، سواء من حيث تكييف المعنى أو من خلال البحث الدقيق عن المعادل.

في قوله تعالى:﴿ إِنَّمَا يَخشَى اللَّهَ مِن عِبَادِهِ العُلَماء﴾ (فاطر، الآية 28)، أي أن العلماء بما وصلوا إليه من درجات في العلم أحق بخشية الله لأنهم مهما وصلوا من العلم لن يجابهوا قدرة الله تعالى. لقد حدث في الجانب التركيبي من هذه الآية أن حصل تقديم وتأخير واضح من جانب الدلالة والمعنى والتركيب أيضا، “في هذه الآية القرآنية خضع تبادل للمواقع بين المفعول (اسم الجلالة الله) والفاعل (العلماء) لعملية تركيبية تتمثل في التقديم والتأخير”. (الغريسي، محمد(2014) ترجمة النص القرآني مشاكل في المعجم والتركيب والدلالة، المجلة المغربية لدراسات والترجمة، العدد 2و3، ص: 231). وترجمت هذه الآية إلى الفرنسية بصيغ مختلفة.

« Parmi Ses serviteurs, seuls les savants craignent Allah. Allah est, certes, Puissant et Pardonneur » (Hamidullah، Mohammed, Le Saint Coran, p: 315)

« Parmi les serviteurs de dieu, les savants sont seuls à le redouter, dieu est puissant et il est celui qui Pardonneur. »( D, Masson, le coran, p : 537)

من خلال هذه يظهر أن قول حميد الله أقرب شيئا ما إلى معنى قوله تعالى؛ لكنه بعيد عن النسق القرآني وعن هذه الظاهرة اللغوية. وكما يظهر، فإن الله تعالى قد قدم نفسه على العلماء؛ لكن الترجمات على عكس ذلك، لأن الفرنسية لم تستوعب النسق القرآني، وماسون كانت بعيدة شيئا ما.
ظاهرة الحذف في القرآن وترجمتها نماذج من الفرنسية

الحذف من الظواهر اللغوية التي تشترك فيها جل اللغات الإنسانية، إلا أن العربية أعطت هذا الباب أهمية كبيرة لما يلعبه من دور في التخفيف على المتلقي والناطق في العملية التواصلية، يقول الجرجاني: “هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذ لم تنطق وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن”. (الجرجاني، الإمام أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمان، دلائل الإعجاز، تعليق محمد محمود شاكر، ج1، ص: 146) ويُؤتى بهذه الظاهرة لأغراض من بينها التخفيف الإيجاز التعظيم…وغيرها، ولما تنماز به هذه الظاهرة في العربية القرآنية، فهي تطرح عددا من الإشكالات في الترجمة إلى الفرنسية. يقول تعالى: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأوِيلِهِ فَأرسِلُونِ 45 يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ (يوسف الآية، 45-46) ففي ظاهر الآية هناك حذف لجملة تقديرها (فأرسلوه وذهب إليه وقال)، وهنا تتمة الآية. وتترجم إلى:

« Je vous exposerai leur interprétation : envoyez l’affaire ! » « Yûsuf, ohé le juste, éclaire-nous sur les sept vaches grasses ,( Chouraqui, André, LE CORAN – L’Appel, p : 322)

“Je vous en donnerai l’interprétation. Envoyez-moi donc” “ô toi, Joseph, le véridique »( Hamidullah, Mohammed, Le Saint Coran, p : 167-168)

يظهر من خلال الترجمتين أن حميد الله كان أكثر حيادية في التعامل مع الظاهرة اللغوية؛ لذلك، وجدناه يقدر المحذوف بين عارضتين في أثناء الترجمة، فيما معناه (أنا أعرف هذا التأويل أو التفسير فأرسلوني إلى)، على غرار المعنى الذي قدمه شوراكي الذي عبر عن المحذوف بعزله بنقطتي تفسير وعلامة تعجب من قول الرجل: (وقال أرسلني إلى مهمة متعجبا). إذن، ترجمة حميد الله كانت أقرب إلى المعنى القرآني، وإن لم تكن بذلك القدر من التعبير.

وعلى الجملة، تمكن اللسانيات، بمختلف مستوياتها الستة، المترجم أو الباحث في ترجمة معاني القرآن الكريم من الوقوف على العديد من المشاكل والأخطاء. كما تساعد المترجم أيضا، بفضل ترسانتها المعرفية، على وجود المعادلات والمكافئات الديناميكية في اللغة الهدف. هذا بفضل علم الدلالة الذي يفتح العديد من المخارج الترجمية لاهتمامه بنظرية المعنى التي تقوم عليها ترجمات القرآن. ولقد اكتفينا، من خلال هذه الدراسة، إعطاء نماذج تمثيلية مختلفة لأهم المستويات اللسانية رغبة في التوضيح لا الحصر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

18
  • احمد
    السبت 30 أبريل 2022 - 01:21

    وإني أورد مثالا صغيراً قوامه ثلاثة احرف خالية من النّقط والشّكل وهو لفظ ( ىـىـىــ ) ، وأن أحاول معرفة القدر الذي تحويه صورة هذا اللفظ من مقوّمات الكتابة وعناصرها .

    هذا اللفظ إذا حددتُ له صيغة معيّنة في ذهني ، ثم طلبتُ إلى أي دارس للغة العربية أن يقرأه وفق الصيغة المعيّنة التي حددتها ، كانت إجابته : هذا رجم بالغيب ، وهذه صورة هُلامية ، لم يتم تشكيلها بعد ، فحدّد صورة الكلمة على الورق وفق الصيغة المعيّنة التي تقصدها ثم اطلب مني بعد ذلك قراءتها . وللدارس كل الحق حين يتوقف عن محاولة قراءة اللفظ ، بله قراءته .

    مجلة الفيصل
    العدد (٣٨)
    ص ٦٩

  • Hassan
    السبت 30 أبريل 2022 - 03:45

    القرآن الكريم معجزة ، الترجمة لا تفي المعنى و لا تمنح الخشوع . ربما يمكن أن نترجم المعنى الإجمالي للآيات . فالقرآن فيه ترقي لغوي كقوله تعالى “أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس ” و المفردات القرآنية ليست لها مرادفات ” العقل ، القلب ، الحجى ، اللب “

  • Amaghrabi
    السبت 30 أبريل 2022 - 20:15

    on repend l imbecile par le cilence العرب يقولون “اذا نطق السفيه فخير اجابته السكوت”هي الترجمة بالمعنى وليس الترجمة الحرفية وقس على هذا في جميع الميادين اللغوية الشعرية والنثرية والنصوص الدينية وووو وبالتالي لا يمكن ان نترجم لغة بمبانيها او بلباسها وزخرفتها ومعانيها التي هي خيال وتجوال وسبح في سماء راقية وجميلة كلما درجت ورقيت الى المعنى المثالي الانساني الذي يحب الجمال ويحب السمو.لا يمكن ان نترجم ااقرءان حرفيا ما دمنا نحن كمسلمين غير متفقين على تحديد معاني القرءان الكريم وبالتالي يحتاج الى تفسير وتاويل باستمرار وحتى المفسرين القدامى والمعاصرين كل يغوص ويستخرج كنوزا جديدة ومعاني لم يفهمها الاولون وخاصة اليوم ظهر مفسرون بما يسمى بالاعجاز القرءاني وبالتالي سيدي المحترم الترجمة سواء كانت غير موفقة فتبقى في الاخير هي تقريب المعنى الى الشعوب التي تتكلم بلغات مختلفة.وكيف نقول للذين فسروا “الضالين والمغضوب عليهم”بالنصارى واليهود فهل نترجم ذلك الى اللغات الاخرى بالنصارى واليهود .اعتقد ان القرءان الكريم يحتاج الى اعادة التفسير والتاويل التي تساير العصر وبالتالي يجب ان نفهم نحن اولا قرءاننا وبعد

  • Lamya
    الأحد 1 ماي 2022 - 09:22

    انا في نظري ترجمة القران و هو كلام الله شيء مستحيل مهما حاولنا تقديم الترجمة الاقرب
    لعدة سباب روحية عموما و لغوية بلاغية خصوصا روحية مثلا نؤمن بن حروف القران الكريم هي ايضا مباركة و لها مفعول روحاني قوي مثلا اذا قرات المعذتين لطرد الشيطان و العين و السحر و الحسد لدها مفعول اكثر من اذا قراتها مترجمة بالفرنسية و هناك ايضا معاني الايات متجددة فالقران ليس له حد في انتاج التفاسير فيمكنك اكتشاف معنى كان غائبا عنك في تفسير سابق لذلك توجد تفاسير متعددة بعد المفسرين هذا باستعمال اللعة العربيةنفسها فما بالك في الترجمة
    و يقال ان كل ترجمة تحريف او تفسير خاص بالمطرجم يعني يضع القران في خانته الضيقة
    بالاضافة الى ان اللغة العربية القرانية غنية بالمصطلحات التي لا توجد عند لغات اخرى و لذلك يجب البحث في المرادفات اللغوية الدينية عند اهل الكتاب
    مثلا النصارى الالمان عندهم مصطلحات ف لانجيل تتماشى مع بعض المصطلحات الاسلامية مثلا الشفاعة تعني Fürsprache و المعراج Himmelfahrt
    ما جعل الله علينا في من حرج ملة ابينا ابراهيم و لذلك توجد مصطلحات دينية جاهزة من الانبياء و المرسلين الذين سبقونا التي تتماشى مع ال

  • Lamya
    الأحد 1 ماي 2022 - 14:38

    مسالة اخرى مهمة, و هي يجب ترجمة القران ايضا باسلوب فيه نوع من الجمالية, و ليس بشكل جاف, و هذا صعب جدا, لان عليك ان لا تكون متمكن من اللغتين فحسب, و انما يجب ان يكون لديك تكوين ادبي ديني في اللغتين و عليك ان تكون متمكن من الدين الاسلامي و دين اللغة الاخرى و ثقافتها و ادبها…
    ثانيا يجب ترجمة ايضا التفاسير و السيرة النبوية, لانه معروف انه لا يمكنك قراءة القران دون ان تقرا سيرة النبي. و هناك من يقول, حتى هذا كله لا يكفي و انما يجب ايضا ان تكون تربية مباشرة, لان الاسلام ليس نظري فحسب, و انما عملي ايضا, و لذلك تلزمك الجماعة اي تكون في مجتمع لل تعبد و التعلم و التربية…

  • عبدالاله حمداوي
    الإثنين 2 ماي 2022 - 03:15

    مقال رائع للاستاذ يوسف ، لقد كررت قراءته مرات عديدة ، لاستطيع استعابه ولو قليلا ، لكن ما يثير تساؤلاته ، هو هل ترجمة قادرة على ابلاغ المعاني و دلالات التي يحملها النص القرآن ، خاصة وكما ذكرتم انه اعجاز لغوي وبلاغي في الاصل ؟ ، عندما ذكرت طه عبدالرحمان جاء الى ذهني ترجمته لكوجيطو الديكارتي من ” انا افكر اذن فأنا موجود ” ” الى انظر تجد ” ، خاصة انا طه عبدالرحمان كما نعلم قسم الترجمة الى ثلاثة انواع التوصيلية والتحصيلية والتأصيلية . يعني ان الترجمة التي تقوم على التوصيلية والتحصيلية في نظره تشوه ترجمة النص ، بل ان على المترجم ان يقوم بترجمة تأصيلية ،
    انني أعتقد ان تعامل مع النص القرآني باعتباره نص رباني بالاساسي ليس كنص عاد ويحتمل دلالات ومعاني مختلفة تمنع ترجمته للغات الاخرى ، خاصة ان المعاني يمكن ان تختلف مع التاريخ ، وايضا تعرف تجدد وتصحيح ، لان المعاني القرآن ليس معان مدركة كليا وهذا هو التحدي الذي تحد الله الكافرين باين يأتو بمثله ، ليس في اللفظة فقط بل المعنى الاعجاز للنص ،
    تحياتي

  • المعنى والخشوع بالعربية فقط
    الإثنين 2 ماي 2022 - 12:05

    إلى 2
    “القرآن الكريم معجزة ، الترجمة لا تفي المعنى و لا تمنح الخشوع …” إذا كان الأمر كذلك فكيف للمسلمين غير العرب أن يدركوا معاني القرآن ويخشعوا لذكرها؟

  • Lamya
    الإثنين 2 ماي 2022 - 12:14

    هناك فلسفات متعددة فيما يخص النظر للقران الكريم كنص الاهي يختلف حسب المعتقد حول الله و اسماءه و صفاته
    فهناك من يعتقد انه كلام جامد في الزمان و المكان مثلا, و لذلك يترجمونه حرفيا تقريبا و حسب تفسيرهم هم
    و هنا ك نظرية و التي اتبناها انا شخصيا, و هو ايات القران ايات حية و متجددة, لان علمنا محدود و علم الله لا نهاية له في الزمان و المكان و ربما يفهمها الانسان بالتفصيل في المستقبل, لان الانسان يتطور فكريا مع الوقت و يراكم علوم و تجارب و لم يحيط بكل معانيه من قبل, رغم ان التفاسير ما قبل ايضا صحيحة و لذلك في كل الاحوال, تعلم اللغة العربية هو نعمة بالنسبة للمؤمنين لانهم سيسمعون كلام الله باذانهم و يقرؤونه بافواههم و السنتهم فيتحملون مسؤوليتهم في الفهم و العقل

  • خالد-FSW101
    الأربعاء 4 ماي 2022 - 09:42

    الأخطاء في ترجمة القرءان إلى اللغات الأجنبية من طرف غير المسلمين يجب التنبيه إليها والتصدي لها سواءً كانت نوايا المترجمين سيئة أم لأن فاقد الشيء لا يعطيه أصلا. لكن اعتمادها من طرف المهتمين بها لا يمكن لأي إنسان منعه لعامل الفتنة وامتحان القلوب من العليم بذات الصدور. فهؤلا لو طرحنا خبث نواياهم جانبًا لا يتوفرون على الخلفية الإيمانية بكتاب الله التي تجعلهم يسلمون بربانية الكتاب كما في قوله تعالى: وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ – الأنعام 25 وكذلك الآية 46 من سورة الإسراء أو الآية 57 من سورة الكهف والتي يمكن أن تشمل حتى بعض المسلمين الذين يتبعون أهوائهم ويشركون بالله مالم ينزل به سلطانا إلا قليلًا منهم وهذا فضلا عن تفرد النص القرءاني بنسق تعبيري ولفظي ونحوي يختلف في معظمه عن لغة سبيويه وغيره من أعلام اللغة العربية – يتبع …

  • خالد-FSW101
    الأربعاء 4 ماي 2022 - 10:05

    هذا بالإضافة إلى أن أكثرية المترجمين حتى المسلمين منهم يحكمون عربية الفصحى على عربية القرءان. أو بعبارة أصح يجعلون لغة البشر قاضية على كلام الله الذي نزل بلسان عربي مبين . وهذا علاوة على أن غالبية المترجمين حسب علمي ينطلقون من الفصحى محاولة منهم لإعطاء دلالة تكون أكثر دقة في المعنى المقصود. هذا كله طبعًا بغض النظر ولو هنيهة عن العوامل العقدية و الخلفيات المذهبية والأحكام المسبقة التي تحول دون النفوذ إلى مراد الله في كلامه وأكثرية المترجمين حتى المسلمين منهم يحكمون عربية اللغة الفصحى على عربية القرءان. أو بعبارة أصح يجعلون لغة البشر قاضية على عربية الكتاب. لأن أكثرية المترجمين ينطلقون من الفصحى محاولة منهم لإعطاء دلالة تكون أكثر دقة في المعنى المقصود. هذا كله بغض النظر ولو هنيهة عن العوامل العقدية والمذهبية والأحكام المسبقة التي تحول دون النفوذ إلى مراد الله في كلامه لامتناع التدبر كما في قوله تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا – محمد 24

  • خالد-FSW101
    الأربعاء 4 ماي 2022 - 10:27

    لكن الأصل أن الترجمة يجب أن تصدر عن المؤمنين بالكتاب وأهله الذين أنزل عليهم والذين يمسكون به ويتدبرون آياته ويتعلمون منه دلالة ورسما وسياقا وحكمة وهذا متعذر الآن في أكثريته عند المسلمين كما أشار إلى ذلك الأخ المغرَبي مشكورا.
    وهنا سأعطي بعض الأمثلة القليلة حتى لا أطيل عن الأخطاء الفادحة بل التي وقع فيها المفسرون عمومًا حينما حكموا لغة الفصحى على عربية القرءان وذلك لامتناع التدبر كما أمر الله من جهة ومن جهةٍ أخرى لسيطرة عقلية المذهبية والإحتكام إلى مصادر خارج الكتاب يعدونها ربانية تبين حسب زعمهم مبهم القرءان وتفصل أحكامه بل تكون حتى قاضية عليه تنسخ أحكامه وتبدل أوامر الخالق تبارك وتعالى كما جاء مثلا عند الدارمي في سننه.

  • خالد-FSW101
    الأربعاء 4 ماي 2022 - 20:28

    وقوله جل جلاله: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا – النساء 82
    ولنأخذ مثلا كلمتي التلاوة والقراءة في القرءان فالأكثرية من المفسرين يخلطون بين المفردتين على أنهما ترديد لكلام الله بنسق معين. أما في كتاب الله فالكلمتان تأتيان حسب سياقهما في القرءان لتعلمنا الدقة في الوصف والمعنى. فالتلاوة تأتي بمعنى السرد عموما لما يتلى سواءً عقل الذي يتلو أم لم يعقل ذلك رغم أهمية موضوع التلاوة كما في قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ – البقرة 44. فهؤلاء لم تنفعهم تلاوتهم لكتاب الله لأنهم لم يعقلوا مافي الكتاب من حق ودليل ذلك أنهم رغم أمرهم الناس بالبر أحجموا على العمل بذات البر لأنفسهم فينتفي برهم ويظهر نفاقهم الديني.وهذا المفهوم يعضده قول الحق: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ – البقرة 121…

  • خالد-FSW101
    الأربعاء 4 ماي 2022 - 20:32

    فهنا أضيفت لفظة “حق” للتلاوة لتعطينا معنى إضافيا وهو أن التلاوة يمكن ألا تكون حقًا في التعامل مع موضوعها ودافعها القلبي وبذلك لا يتحقق الإنتفاع بها وهذا ما وصف سبحانه به الذي يتلون الكتاب حق تلاوته أنهم هم المؤمنون حقًا.
    أما القرءاة فهي التلاوة مع الفهم تحقيقًا للمنفعة المنشودة كما في قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ – الأعلى 6. أو قوله تقدست أسماؤه: … فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. فالقرءاة هنا بما أنها وعي بأمر الله فإنها تفضي كذلك إلى الثبات على الحق وتقوية العزيمة كما تمكن من الإمتثال لأمر الله طاعة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وقرض الله قرضا حسنا والإستغفار حقا وتواضعا رغم صفة الإيمان …

  • خالد-FSW101
    الأربعاء 4 ماي 2022 - 20:35

    رغبة في مغفرة الرحيم وثوابه العظيم وليس كما هو الشائع التبرك بالتلاوة وختم الحزب هرولة دون تدبر أو محاولة في تزيين مخارج الحروف من غنة وقلقلة وغيرها مما ابتدع القوم شغلتهم عن الصلة بالله مباشرة عبر فهم كلامه والإيمان به جملة وتفصيلا والعمل به كما أمر سبحانه.
    فلا ترادف إذا بين التلاوة والقراءة في كتاب الله حيث إن التلاوة تفتقر عمومًا إلى كونها حق التلاوة ليتم نفعها ايمانا يمكن من التعقل والفهم بخلاف القراءة التي تكون بالفهم حصرًا ونفس الشيء للعديد من المفردات القرءانية.
    وهنا تأتي أهمية رسم كلمة كتاب الله بالقرءان وليس القرآن كما يكتب الأكثرية خطئًا. لأن لفظة القرءان تتكون من عنصرين مهمين نجدهما من داخل كتاب الله وهي المكونات اللفظية : القرء + ان.
    والقرء هو إستخراج المكنون بعد أن كان مخفيًا غير معلوم كما في قوله سبحانه: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ … – البقرة 228

  • خالد-FSW101
    الأربعاء 4 ماي 2022 - 20:39

    فالتربص ثلاثة قروء أي انتظار ثلاث حيضات يبين المخبوء في رحم المطلقات إن كن ذات حمل أم لا حتى ينتفي ادعاء المولود لغير أبيه ولكي لا يتنصل الأب من مسؤولية الأبوة الحقة وكذا النفقة اللازمة. وأما “ان” فجاءت على وزن فعلان كما في قوله تعالى: وَمَا هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ – العنكبوت 64. أي الحياة الدائمة في دار الخلد وذلك لتضفي ال(ان) على “القرءان ” طابع العطاء المتجدد والدوام إلى يوم القيامة والذي لا ينقطع مدده من معارف وحكم وبراهين إلاهية ليعلمه الناس ويرجعوا إلى ربهم كما في قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَٰلَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعْدَ حِينٍۭ – ص
    أو قوله: سَنُرِيهِمْ ءَايَٰتِنَا فِى ٱلْءَافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ – فصلت 53

  • خالد-FSW101
    الأربعاء 4 ماي 2022 - 20:40

    أما موضوع الرسم القرءاني فيكفينا لضيق المجال أن نمعن النظر في الفرق بين شكل كلمة الصاحب التي وردت في قوله تعالى: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ – التوبة 40
    وقوله سبحانه: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ – النجم 2
    ففي سورة التوبة جاءت كلمة الصاحب يرتبط فيها حرف الصاد بحرف الحاء مع إبقاء شرط عمودي صغير للنصب الطويل وذلك للدلالة الخطية على آصرة الإيمان التي كانت تجمع النبي عليه السلام بصاحبه الوفي في الغار. .

  • خالد-FSW101
    الأربعاء 4 ماي 2022 - 20:44

    أما ورود نفس الكلمة نطقا في سورة النجم فقد جاءت متقاطعة بين نفس الحرفين السالفي الذكر ودون اتصال بينهما للدلالة عن تقاطع العلاقة القلبية لتنافي عاملي الكفر والإيمان بين رسول الله المؤمن وأهل قريش المشركين. ولذا كانت تسمية المؤمنين الحقيقيين من أتباع رسول الله بالصحابة تسمية غير موفقة لتشارك كل معاصري النبي في الصحبة بغض النظر عن فساد عقيدتهم أم لا وهذا ما يؤكده رضا الله عن الصادقين في ايمانهم منهم فلم يقل صحابته بل قال: لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَٰبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا – الفتح 18بل قال المؤمنين…

  • خالد-FSW101
    الأربعاء 4 ماي 2022 - 20:45

    وأمر من يأتي بعد عصر الرسالة أن يقولوا: وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ – الحشر 10فلم يذكر سبحانه لفظة الصحابة، بل الذين آمنوا حصرا.
    الموضوع متشعب جدا لكن ختاما لزم القول إنه إذا تعذر فهم القرءان من أتباعه فترجمتهم له تكون أكثر بعدا عن حقيقته فما بالك إذا بترجمة غير المسلم الذي لن تكفيه موضوعيته لو كان من العقلاء لعدم قدرته على الغوص في معاني الإيمان كما جاءت في الكتاب دون إضافات بشرية أو مصادر خارجة عنه.

    أسعد الله أيامكم ودمتم في خير ونعمة

صوت وصورة
مباشر | ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 21:43

مباشر | ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون

صوت وصورة
بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 20:19 5

بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"

صوت وصورة
نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 17:54 7

نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة

صوت وصورة
البطالة تُهجّر شباب تيفلت
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 14:42 4

البطالة تُهجّر شباب تيفلت

صوت وصورة
أسعار اللحوم تواصل الارتفاع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 10:48 11

أسعار اللحوم تواصل الارتفاع

صوت وصورة
خصاص الكتب يرهق الأسر
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:48

خصاص الكتب يرهق الأسر