تسابق مجالس الجماعات المحلية الزمن من أجل وضع اللمسات الأخيرة على برامجها التنموية، خاصة وأنه لم يتبق من الوقت إلا بضعة أسابيع لعرض برامجها قصد المصادقة في دورة استثنائية قبل عرضه على المصادقة الإدارية.
يتساءل المنتخبون عن علاقة التنمية ببرامج عمل للجماعات المحلية. وهل يمكن الاشتغال دون برنامج عمل. كما تتساءل الساكنة عن الانتظارات المرتقبة من هذه البرامج. كمستشار جماعي، تشرفت بالمساهمة في إعداد برنامج عمل الجماعة التي أنتمي إليها رفقة زملاء آخرين، يحذوني في ذلك تجربتي الخاصة في تدريس مجزوءات “مشاريع المؤسسة” هدفي التخفيف عن جماعتي من أعباء والتكاليف المرتبطة بالإعداد والرفع بها الى مصاف الجماعات التي تعرف دينامية تنموية.
منذ الولاية السابقة 2015 – 2021 فإن مجالس الجماعات ملزمة بالتوفر على برنامج عمل من ست سنوات، يتضمن سياسة كل مجلس في ما يتعلق بالتنمية المحلية وقد صدرت نصوص قانونية تحدد الخطوات والإجراءات الواجب اتباعها قصد بناء كل برنامج حسب خصوصية كل جماعة حضرية كانت أم قروية غنية الموارد أم تعاني ضعف الإمكانات.
خصص المشرع مدة زمنية كافية تستغرق سنة كاملة من أجل قيام المجالس بإعداد برامجها التنموية، لكن بناء برنامج العمل لا يقتضي فقط احترام الخطوات التي رسمتها القوانين بل اتباع قواعد المنهج العلمي لإعداد المخططات واحترام الخصوصيات المحلية، هذا الوضع القانوني والعلمي شكل ضغطا على بعض رؤساء المجالس. فهناك من اختار اللجوء إلى مكاتب الدراسات من أجل الإعداد مقابل مبالغ مالية سمينة وهناك من اختار عقد شراكات مع بعض الجامعات قصد المواكبة أثناء الإعداد، لكن الجماعات ذات الموارد المالية المحدودة اختارت الاعتماد على مواردها البشرية الخاصة من موظفين ومنتخبين.
لماذا العمل ببرنامج متعدد السنوات
تعد إشكالية التنمية المحلية من أهم انشغالات مجالس الجماعات المحلية وذلك في إطار الوظيفة التنموية للجماعة، بعدما كانت في السابق تكتفي بوظيفتها الكلاسيكية المتمثلة في تقديم الخدمات الإدارية والإجابة على المراسلات.
وقد بينت التجربة أن الجماعة في حاجة إلى الانخراط في التنمية المحلية كجزء من التنمية الشاملة وبالتالي عليها القيام بعمليات التخطيط والتصميم في إطار برنامج عمل مهيكل ومنظم وفق أهداف ونتائج ومؤشرات.
تأسيسا على هذه المنطلقات يعتبر برنامج عمل الجماعة إطارا اقتصاديا لتدبير التدخلات التنموية للجماعة ووثيقة مساعدة على إنجاز البرامج والمشاريع، وهي كذلك أداة للتنسيق وتأطير تدخلات الجماعة في ميادين متعددة خصوصا في الميادين المرتبطة بالاختصاصات الذاتية للجماعة.
إن البرنامج التنموي باعتباره وثيقة ترسم السياسة المحلية في مجال التنمية على المدى القريب والمتوسط والبعيد، تخضع في إعدادها لمجموعة من القواعد التي تدخل ضمن الإجراءات الشكلية والجوهرية يتعين على الجماعات احترامها والتقيد بها ضمانا لمصداقيتها ومشروعتها ضمانا للمصادقة الإدارية عليها منها التشخيص الموضوعاتي التشاركي، تحديد وترتيب الأولويات، الميزنة، البرمجة، بلورة وثيقة برنامج العمل وفي الأخير المصادقة على برنامج العمل واعتماده.
أزمة مصدر إعداد البرنامج
برنامج عمل المجالس ليس بضاعة أو منتوج أو وثيقة ورقية تصنع في مختبرات خاصة، حتى يمكن الاعتماد على جهات من خارج المجلس لإعداده بل إنه عمل سياسي مؤسس يحتاج إلى نشاط تواصلي وتفاعلي داخل فرقاء المجالس أغلبية ومعارضة قصد التوصل إلى برنامج متوافق عليه يستجيب لطموحات الساكنة آخذا بعين الاعتبار قدرات الجماعة. إن الجماعات المحلية يجب أن تعتمد على نفسها (منتخبين وموظفين) في عملية إعداد برامج عملها، غير أن المقاربة المعتمدة من طرف بعض المجالس باعتمادها على جهات من خارج المجلس لإعداد البرنامج ستكون لها تداعيات وخيمة على موارد المجلس (نفقات الإعداد ترهق الميزانية) أضف إلى ذلك وجود هامش الخطأ والإشاعة والتضارب بين مكونات المجلس سيكون كبيرا وقد يكون مكلفا على الثقة في جدوى البرنامج خاصة أن المجالس تتلقى وثيقة البرنامج من الجهة المعدة وتتركها تتحمل مسؤولية الأجرأة والتتبع والتقييم.
من أجل وضع برنامج تنموي طموح تحتاج الجماعات المحلية إلى عقد شراكات سواء مع القطاع الخاص أو مع مؤسسات عمومية مهتمة بالتنمية المحلية ومن أجل بناء شراكات لا بد من البحث والتحقق والتفاوض وإقناع الشركاء بالمؤهلات التي ترغب في تطورها من تقريب الخدمات للساكنة.
تقييم موارد الجماعة ونفقاتها التقديرية الخاصة بالثلاث سنوات الأولى من البرنامج:
للجماعات المحلية أدوار تنموية تقوم بمقتضاها بتسطير برامجها ولهذه البرامج علاقة وطيدة بالوضعية المالية للجماعة ومن هذا المنطلق تبرز أهمية تحليل وضعية الميزانية خلال الثلاث سنوات الأولى من تفعيل البرنامج، وهي الأساس الذي ترتكز عليه ترجمة مشاريع البرامج إلى أرض الواقع. لذا تحاط عملية البرمجة بمجموعة من الإجراءات لاستخلاص ما تتيحه الميزانية من إمكانات أو إكراهات: فالمجالس ملزمة برسم سياسة مالية متعددة السنوات قادرة على تفعيل البرامج والمشاريع التنموية والاستجابة لقواعد الحكامة في التدبير، الأمر الذي يحتم التعامل مع عملية البرمجة بنوع من الحذر تفاديا لما يمكن أن يؤثر على تصرفاتها المالية وتعطيل تدخلاتها في مشاريع لا تستطيع تنفيذها لإكراهات مرتبطة بالميزانية.
الديمقراطية التشاركية:
يتيح دستور المملكة والقوانين التنظيمية لجمعيات المجتمع المدني في إطار الديمقراطية التشاركية المساهمة في اعداد قرارات ومشاريع الى جانب المؤسسات المنتخبة والسلطات المحلية وكذا في تفعيلها وتقييمها. اعداد البرامج يندرج في إطار إعطاء الحكومة الأولوية للفاعلين المحليين من أجل كسب رهان التنمية الشاملة انطلاقا من التنمية المحلية، كل برنامج لا يجب ان يركز على الموافقة الإدارية فقط بل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار رضى الساكنة لان هم المستفيدون في النهاية من البرنامج التنموي خصوصا الساكنة الذين لهم رأي فيما إذا كان البرنامج يلبي حاجاتهم أم لا. لا يمكن اغفال أهمية المقاربة التشاركية في دعم أهداف التنمية المحلية اذ أثبتت العديد من البرامج التنموية المقترحة من الأعلى عدم جدواها نظرا لتغييب السكان في اقتراحها وتنفيذها. وتبرز أهمية المقاربة التشاركية من خلال تحديد حاجيات الساكنة وما ينبغي الاهتمام به. سيكون واجبا ومثاليا إذا كان معدوا البرامج قد أشركوا الساكنة والمجتمع المدني منذ البداية الى النهاية.
التقييم وتحديد مؤشرات الإنجاز:
بعد تحديد النتائج التي تسعى الجماعة الى تحقيقها خلال الست سنوات القادمة، من الأهمية القصوى، بناء منظومة من التتبع والتقييم وجعلها كجزء من البرنامج. وأفضل ركيزة تعتمد عليها اية خطة جادة لتتبع نتائج البرنامج التنموي هي بلورة مجموعة من المؤشرات الناجعة لتقويم الإنجاز. على واضعي البرنامج القيام بإعداد مؤشرات صحيحة ومفيدة وقابلة للاستعمال من أجل تتبع وتقويم الانجاز في إطار مجهود أكثر دقة قصد رصد مدى التقدم الحاصل في تحقيق النتائج المتوخاة. ومن المعايير الممكن اعتمادها: التأكد من تنفيذ المشاريع كما تم التخطيط لها، الانضباط للتصورات الأولية للأهداف والنتائج المتوقعة من المشروع، التكيف الدائم مع المتغيرات الميدانية.
العوامل السلبية الغير المتحكم فيها:
بالإضافة الى النتائج التي تعمل الجماعات المحلية وشركاؤها على تحقيقها لفائدة الساكنة من خلال برامجها التنموية هناك عوامل سلبية حاسمة لا أحد يتحكم. فيها ففي حلة الجماعات القروية التي تعتمد بالأساس على الفلاحة ومن المعروف أن جل البرامج الفلاحية تعتمد على التساقطات المطرية فالتساقطات تختلف من سنة الى أخرى. ما يقارب نصف ساكنة المغرب، تقطن البوادي حيث مجال اشتغال الجماعات القروية ولمواجهة أثار ندرة التساقطات يمكن للجماعات القروية ان تتبني برامجها على المعطى المتمثل عدم انتظام التساقطات من سنة الى أخرى بل يمكن أن يحصل جفاف على الأقل مرة كل سنة واحدة من عمر برنامجها التنموي. لا ينسينا أثر الجفاف في التداعيات العميقة التي خلفتها جائحة كوفيد 19 على الساكنة سواء على مستوى الاقتصادي او الاجتماع وهي جائحه غير متوقعة، أضف الى ذلك ارتفاع الأسعار مما يحتم علينا نهج سياسة المرونة في كل عملية اعداد برنامج التنمية المحلية تحسبا لكل طارئ مستجد.
من كان عدوا لله و ملئكته و رسله و جبريل و ميكىٰل فان الله عدو للكـــٰفرين
أفكار نبرة في غاية الأهمية ادامك الله عنوانا لصالح العام تحياتي استادي