شحلان يراسل عمدة مراكش: مَعلمة جنان الحارثي تراث معنوي

شحلان يراسل عمدة مراكش: مَعلمة جنان الحارثي تراث معنوي
الإثنين 28 ماي 2018 - 04:00

رسالة مفتوحة إلى السيد عمدة مدينة مراكش: جنان الحارثي في كليته إرث معنوي

السَّيِّدُ عُمْدَةُ مَرَّاكِش، سَلَامُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ تَعَالَى وَبَعْدُ. بِلغَنِي، كَكُلٍّ المـُراكُشِيين، خَبَرُ القَرَارِ الَّذِي اتَّخَذَهُ الْمـَجْلِسُ الجَمَاعِيُّ لِمَدِينَة مَرَّاكِش فِي دَوْرَة أَبْرِيلَ المَاضِي، وَالقَاضِي بِتَحْوِيلِ جُزْءٍ مِنْ جَنَانِ الحارثي إِلَى خَوَاصّ، وَلَعَلَّكُمْ سَيِّدِي، لَا تَعْرِفُونَ تَارِيخَ هَذَا المكَانِ.

فَقَدْ أُقيَمَ مُنْذُ الْوُجودِ الفَرَنْسِيِّ لِيَكُونَ مُتَنَفَّسًا لِأَبْنَاء مَدِينَة مَرَّاكِش، وَمَكَانًا لِبَعْضِ دُورِ الثَّقَافَةِ فِيهَا، فَفِيه كَانَتْ قَاعَةٌ لِلمُحَاضَرَاتِ كُبْرَى تُعْرَفُ بِقَاعَةِ الزُّجَاجِ، وَفِي هَذِهِ القَاعَةِ أُلْقِيَتْ أَهَمُّ المــُحَاضَرَاتِ لِكِبَارِ عُلَمَاء وَأُدَبَاءِ المَغْرِبِ وَزُوَّارِ المَغْرِبِ، وَظَلَّتْ تَشْهَدُ نَشَاطًا معرفيًا حَتَّى السَّبْعِينَاتِ.

وَفِي هَذَا المكَانِ كَانَ الـَمعْهَدُ المُوسِيقِيُّ الَّذِي تَخَرَّجَ مِنْهُ كِبَار مُوسِيقِيِّي المَغْرِبِ، مِثْلَ عَبْد الله عِصَامِي والميسترو أَحْمَد عَوَاطِف. وَفِيهُ شَهِدَ المسْرَحُ فَتْرَةً مِنْ أَجْمَلِ فَتَرَاتِهِ. وَفِيه كَانَتْ حَدِيقَةُ حَيْوَانٍ أَمْتَعْتَ أَطْفَالَ مَرَّاكِش حَتَّى بُعَيْدَ عَهْدِ الاِسْتِقْلَالِ.

وَكَانَ جَنَانُ الحارثي قِبْلَةً لِتَلَامِيذِ مَرَّاكِش وَآسْفِي وَالصّوِيرَة وَمَا بَيْنَ هَذِهِ المـُدُن، مِمَّنْ كَانَ يَدْرُسُ فِي ثَانَوِيَّاتِ مَرَّاكِش، حَيْثُ كَانَ ملتقىَ مُرَاجِعَاتِهِمْ وَحِفْظِهمْ وَاِسْتِرَاحَة مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي دَاخِلِيَّاتِ الثَّانَوِيَّاتِ، أيَّامَ عُطَلِهِم، كَثَانَوِيَّةِ الحَسَنِ الثَّانِي (ليسِي تكْنيك)، وَاِبْن عبَّاد (ليسِي مُنْجانْ) وَمُحَمَّد الخَامِس (ليسِي سَيِّدَي مُحَمَّدٍ). بَلْ كَانَ الحارثي مُتْعَةً لِكُلٍّ المراكشيين فِي أَيَّامِ الجُمَعِ، عِنْدَمَا كَانَ جَوْقُ الحَرَس المَلَكِيّ يَمْلَأُ فَضاءاتِ عَشِيَّات هَذِهِ الجُمَعِ يُمْتِعُ أَبْنَاء المَدِينَةِ. وَكَانَ الحارثي بِصِفَةٍ عَامَّة، مَكَانَ المعْرِضِ السَّنَوِيّ الَّذِي يَشْهَدُ حَرَكَةً تِجَارِيَّةً مُرَوِّجَةً. وَكَانَ هَذَا جُزْءًا مِنْ نَشَاطِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ الوَجْهَ السَّيِّئ فِيه فِي اعتِقَادي.

مِنْ المـَعْرُوفِ السَّيِّدُ العُمْدَةُ، أَنَّ الدُّوَلَ الرَّاقِيَةَ تُحَوِّلُ الأَسْوَاقَ إِلَى فَضَاءاتِ فِكْرٍ لَا فضاءات فِكْرٍ إِلَى أَسْوَاقٍ، وَأَنْتُمْ رَجُلُ التَّعْلِيمِ تَعْرِفُونَ هَذَا، أَوْ كَانَ يَجِبُ أَنْ تَعْرِفُوهُ.. بِنَاءً عَلَيْهِ، وَهُنَا أَتَحَدَّثُ بِاسْمِي الخَاصّ، فَــ”الحارثي” كَانَ مدرَسَتي الكُبْرَى، فَفِيه قَرَأْتُ كُلَّ مَا قَرَأْتُ، وَبِهَذِهِ الصِّفَةِ أُخَاطِبُكُمْ وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِذَا حَوَّلْتُمْ جُزْءًا مِنْ هَذِهِ المـَعْلَمَةِ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْ أَصْلِهِ، فَإِنَّكُمْ سَتَسْلُبُونَنِي حَقًّا كُنْتُ قَدْ استَرْدَدْتُهُ بِأَمْرِ يَدٍ تُمَثِّلُ السُّلْطَةَ وَفَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِاِسْمِ الحَقِّ وَالقَانُونِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ وَرَاءَ هَذَا الحَقِّ كَاتِبٌ.

وما أثْبَتَتْهُ سُلْطَةٌ بالقَانون لا يُمْكِنُ أنْ يـُزيلَهُ اجْتِماعٌ النَّاظِرون فيه يَجْهَلونَ تاريخَ الحارثي وما يَـعْنِيه مَـفْهُومُ “التُّراث المـَعْنـَوِي”. لَعَلَّكُمْ سَيِّدِي تُرِيدُونَ أَنْ تَفْهَمُوا مَا أَقُولُ، وَأَلْحَقُّ فِي ذَلِكَ لكُمْ، فَأَعِيرُونِي سَمْعَكُمْ:

بَعْدَ مَا كَانَ عَلَيْهِ جَنَانُ الحارثي مِمَّا وَصْفَتُ، تَعَرَّضَ فِي العُقُودِ السَّابِع وَالثَّامِن وَحَتَّى التَّاسِعِ مِنْ القِرْنِ السَّابِق، إِلَى إِهْمَالٍ بَلِيغ، فَخُرِّبَ كُلُّ مَا كَانَ فِيه جَمِيلًا، وَأَصْبَحَتْ قَاعَةُ الزُّجَاجِ وَالمـَعْهَدُ المُوسِيقِيُّ وَحَدِيقَةُ الحَيَوَانِ خَرَابًا يبابًا، وَأصْبـَح الحارثي مَجْمعًا لِلقمَامَةِ، وَمُلْتَقى الشَّوَاذ، وَاقْتَسَمَ أَطْرَافَهُ لَاعِبُو الوَرَقِ وَ”الضّاما” وَمنْ لَا حَاجَة لَهُ..

هَذَا مَا وَجَدْتُ عَلَيْهِ حَالَ الحارثي عِنْدَمَا أَخَذْتُ اِبْنِي إِلَيْه، أُرِيدُ أَنْ أُطْلِعَهُ عَلَى المــَعاهِدِ الَّتِي ترَبَّى فِيهَا أَبُوهُ وجِيلُ أَبِيهِ. أَقُولُ لَكُم الحَقَّ، لَقَدْ بَكَيْتُ، وَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي وَكَتَبْتُ المـَقَالَةَ الَّتِي أَضَعُهَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ. تَقُولُونَ: وَبَعْدُ؟

وَبَعْدُ، كَتَبْتُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ أَبْكِي الحارثيَ بِـ “دَمْعَةِ الكَاتِبِ” وَنُشِرَتْ المــَـقَالَةُ وَلَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ. صَدرَ كِتَابِي “اِبْن رُشْد وَالفِكْرُ العِبْرِيُّ الوَسِيطُ” سَنَة 1999 – وَلَعَلَّ اِبْنَ رُشْد مَرَّ مِنْ هَذَا الَمكَانِ لَمَّا كَانَتْ مَرَّاكِش زينَةَ الدُّنْيَا وَكَان القَائِمُونَ عَلَيْهَا منْ سَادَة الفِكْرِ، هَذَا مَوْضُوعٌ آخَرُ – أَقُولُ: صَدرَ كِتَابِي، وَاتَّصلَ بِي أَحَدُ أَصْدِقَائي كَانَ مِنْ مَعَارِف السيِّد وَاليّ مَرَّاكِش إِذْ ذَاكَ: السَّيِّد أَحْمَد أَمْجَاد، وَطَلَبَ مِنِّي نُسْخَةً مِنْ الكِتَابِ لِلسَّيِّدِ الوَالِي، قَلَتْ لِصَاحِبِي: خَذهَا لَهُ، قَالَ لِي: إِنَّ السَّيِّدَ الوَالِي يُرِيدُ رُؤْيَتكَ، قُلْتُ لَهُ: لَيْسَ مِنْ عَادَتِي أَنْ أَزُورَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ النَّاس وَهُم فِي مَهَامِّهِمْ. قَالَ لِي: إِنَّ الرَّجُلَ مُثَقَّفٌ قَارِئٌ جَيِّدٌ، وَقَرَأَ بَعْضًا مِمَّا كَتَبْتَ، وَيُرِيدُ الحَدِيثَ مَعَكَ فِيه.

أَلَحَّ صَاحِبِي، وَعِنْدَهَا بَرَقْتْ فِي ذِهْني فِكْرَةٌ. إِنَّ السَّيِّدَ الوَالِي صَاحَبُ الأَمْرِ فِي مَرَّاكِش، وَكَتَبْتُ مَقَالًا أَبْكِي فِيه “الحارثي” لَمْ يَجِدْ أُذْنًا صَاغِيَةً، فَلِمَاذَا لَا أُحَاوِرُ السَّيِّدَ الوَالِي الذِي أُهْدِيه كتابَ ابن رُشْدٍ، فِي شَأْنِ مَدِينَة أَكْبَر مَشَارِيعِ اِبْن رُشْدٍ الفِكْرِيَّة الفَلْسَفِيَّة: “شروح أرسطو”.

وَقَدْ كَانَ الفَيْلَسُوفُ رَحِمَهُ الله، لَا يَتْرُكُ مِثْلَ هَذِهِ المُنَاسَبَات لِقَضَاءِ مَصَالِحِ أَهْلِ بَلَدِهِ، قَالَ فِيهُ عَبْدُ الوَاحِدِ المراكشي: “تَأَثَّلْتْ لَهُ [ اِبْنُ رُشْدٍ ] عِنْدَ المُلُوكِ وَجَاهَةٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يَصْرِفْهَا فِي تَرْقِيعٍ حَالٍ وَلَا جَمْعِ مَالٍ، إِنَّمَا قَصَرهَا عَلَى مَصَالِحِ أَهْلِ بَلَدِهِ خَاصَّةً وَمَنَافِع النَّاسِ عَامَّةً”. سَيْراً على نَهْجِ مَنْ تَتَلْمَذْتُ عَلَيْه، قَبِلَتُ زِيَارَةَ الوَالِي وَأَنَا “لَا أُرِيدُ تَرْقِيعَ حَالٍ وَلَا جَمْعِ مَالٍ”، بَلْ أَرَدْتُ مَصْلَحَةَ بَلَدِي، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ اِبْنُ رُشْدٍ، وَحَمَلَتُ نُسْخَة مِنْ مَقَالِي “جِنَانُ الحارثي دَمْعَة فِي عَيْنِ الكَاتِبِ” وَزُرْتُ الواليَّ.

الحَقُّ يُقَالُ، إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ عَلَى مَعْرِفَةٍ جَيِّدَة بِحَضَارَةِ الأَنْدَلُسِ وَتَارِيخ فِكْرِها. وَأَخَذَ بِنَا الحَدِيثُ شِعَابَهُ ووِهادَهُ، حَتَّى مَـرَّ مِنْ الوَقْتِ وَقَّتٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّ أَصْحَابَ المَسْئُولِيَّاتِ يَجُودُونَ بِمِثْلِهِ. اِنْتَهَى الحَدِيثُ، وَوَقَفْتُ لِأُودِعَ، وَقَبْلَ أَنْ أَضَعَ نُسْخَةً مِن الَـمقَالَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَبْعَدَنِي السَّيِّدُ الوَالِي عَنْ مُرَافِقِي وَسَأَلَ: “ألسِّي أَحْمَد أَشْ خَصّ الخَاطَرْ”، فَاجَأَنِي السُّؤَالُ، وَبِسُرْعَةٍ اِمْتَدَّتْ يَدِي وَكَأَنَهَا تَرْتَعِدُ إِلَى نُسْخَةِ مَقَالِي وَقُلْتَ لَهُ: “أَرْجُو أَنْ تَقْرَأَ هَذَا المَقَالَ السَّيِّد الوالي، هَذَا هُوَّ اِللِّي تَيْخصْني جَزاكَ اللهُ خَيْراً”.

أرْجـَعـَنِي إِلَى المَكْتَبِ، وَألْقَى نَظْرَةً عَلَى المـَقَالِ، وَرَفع الهَاتِفَ يُرِيدُ أَنْ يُكَلِّمَ شَخْصًا ثُمَّ وَضَعَهُ. قَالَ لِي: “سَأَنْظُرُ فِي الأَمْرِ”. لَمْ يَمُرَّ مِنْ الوَقْتِ إِلَّا قَلِيلٌ، حَتَّى أَخْبرنِي صَاحِبِي بِأَنَّ السَّيِّد الوَالِي “حَرَّرَ” الحارثي مِنْ” مُسْتَعْمِرِيهِ” وَأَنَّ إِصْلَاحَاتهُ سَتَبْدَأُ… عَادَ للحارثي رواؤُه وَجَمَالُه، وَلَعَلَّهُ كَانَ مِنْ بَرْنَامَجِ السَّيِّدِ الوَالِي أَنْ يُعِيدَ لِقَاعَةِ الزُّجَاجِ وَالمَعْهَدِ المُوسِيقِي سَالِفَ عَهْدِهِما لَوْلَا اِنْقِضَاء مَأْمُورِيَّتِهِ فِي مَرَّاكِش..

مَا كُنْتُ فِي يَوْمٍ مِنْ الأَيَّامِ، سَيِّدِي العُمْدَةُ، أُفَكِّرُ فِي أَن أَرْوي هَذَا الأَمْرَ لِلنَّاسِ كَافَّة، فَقَدْ كَانَ مِنْ خَاصَّتِي، غَيْرَ أَنْ مَا عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ فِي شَأْنِ الحارثي، جَعَلَنِي أَتَخَلَّى عَنْ خُصُوصِيَّاتِي لِأُدَافِعَ عَنْ حَقٍّ، وَهَذِهِ هِيَ آلِيَّاتُ دِفَاعِي عَنْ مَا اسْتَرْجَعْتُهُ بِوَصْفِي كَاتِبًا حَيْثُ وَقَّعَتْ المَقَالَة بِقَولِي “مَا ضَاعَ حَقٌّ وَرَاءَهُ كَاتِبٌ”.

أَيَحِقُّ لِأُسْتَاذٍ وَهُوَ صَاحِبُ عَقِيدَةٍ، أَنْ يَنْزِعَ منْ شَخْصٍ ملْكًا عَامًا دَافَعَ عَنْهُ بِقَلَمِهِ الخَاصِّ لِيـُرْجِعَهُ إِلَى أَجْيَالٍ مِنْ أَبْنَاءِ مَرَّاكِش، أَنَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَالجُلُّ مِنْهُمْ كَانَ بِفَضْل مَا قَرَأَ فِي الحارثي، يَشْغَلُ مَنَاصِبَ كُبْرَى فِي الدَّوْلَةِ أَوْ لَا يَزَالُ؟ سَيَكُونُ عَارًا عَلَى صَاحِبِ عَقِيدَةٍ أُسْتَاذٍ أَنْ “يَبِيعَ” جُزْءًا مِنْ هَذَا الصَّرْحِ الجَمِيل إِلَى خَوَاصّ، يُتاجِرُونَ فِيه بِمُقْتَضى مَا تَجْرِي عَلَيه قَوَاعِدُ التِّجَارَةِ، سَيَكُونُ مِنْ العَارِ، أَنْ يُكَدِّرَ صَفْوَ هَذَا الفَضَاءِ الّذِي يَحْمِلُ إِلَيْهُ طِفْلٌ أَوْ شَابٌّ، كَمَا فَعْلَتُ وَفَعَلَتْ أَجْيَالٌ مِثْلِي، كِتَابًا لِيَقْرَأْهُ فِي هُدُوءٍ، فَيَجِد نَفْسَهُ بِين رَفْس القُدُومِ وغَمْغَماتِ الـْهَوامِّ وَفَرِّ وَكَرٍّ الشَّاحِنَاتِ مُحَمِّلَاتٍ بِالشَّايِ والإبْزارٍ شَىأْنَ “لَبِّسْرِياتْ”.

سَيَكُونُ عَارًا عَلَى صَاحِبِ عَقِيدَةٍ أُسْتَاذٍ، أَنْ يُحَوِّلَ فَضَاء هُوَ أَوْلَى بِالفِكْرِ والتَّدَبُّرِ لِيُصْبِحَ سُوقًا. لَا نُرِيدُ أَيُّهَا السَّيِّد، أَنْ يُصْبِحَ الأُسْتَاذُ الَّذِي يَبْنِي النُّفُوسَ وَالعُقُولَ، مُقَاوِلًا يُلَوِّثُ لِبَاسَهُ الأَنِيقَ بِسَقَطِ “السِّيمَا” وَبُرادَةِ الحَدِيدِ. نُرِيدُ مِنْ الأُسْتَاذِ أَنْ يُتَمِّمَ مَا فَعله رَجُلُ قَانُونٍ عِنْدَمَا أَعَادَ رُوَاءَ الحارثي إِلَيْه، فَيُتمِّمَ المبْدوءَ، بِأَنْ يُعِيدَ بِنَاء قَاعَةِ الزُّجَاجِ، وَقَدْ شَهِدْت أَيَّامَ فَرَنْسَا وَبُعَيْدَ الاِسْتِقْلَالِ مِنْ أَعْرَاسِ الثَّقَافَةِ مَا شَهِدتْ، وَهِيَ بِهَذَا اِرْثٌ لَنا لَا حَقّ لِأَحَدٍ فِي تَكدير صَفْوِه، فَيَكُونُ لكُمْ الفَضْلُ فِي إحْيَاء مَوَاتـِها.

نُرِيدُ مِنْ الأُسْتَاذِ صَاحِب العَقِيدَةِ، أَنْ يُعِيدَ بِنَاء مَعْهَدِ المُوسِيقَى، لِتُرَبَّى الأَنْفُسُ عَلَى التَّقْوَى وَالعَدْلِ وَرِفْعَةِ الهِمَّةِ، فَيَكُون لكُمْ الفَضْلُ فِي تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، لَا أَنْ يُهَدِّمَ هَذَا الْمــَعْلَمَ لِيُصْبِحَ “مَقْهًى” تُحْتَسىَي فِيهُ كُؤُوسُ الشَّايِ واللهُ أعلم ماذَا.

نُرِيدُ للحارثي أَنْ يَعُودَ لمــا كَانَ عَلَيْهِ، حَيْثُ تَفَّيَأه تَلَامِذَةُ ثَانَوِيَّاتٍ مِنْ أَرْباضِ مَرَّاكِش وَنَوَاحِيهَا، بَعْد عَيَاءٍ مِنْ طُقُوسِ دَاخِلِيَّات الثَّانَوِيَّاتِ، وَالأَوْلَى أَنْ تَشْعُروا أَنْتُم بِالضَبْطِ بِهَذَا الأَمْرِ.. السَّيِّدُ العُمْدَةُ، لَا يَحِقُّ لكُمْ أَنْ تَنْزِعُوا مِنِّي وَمِنْ أَبْنَاءِ مَرَّاكِش، مِنْ جيليَ وَمِمَّنْ هُم قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ، حَقَّنا هَذَا، فَقَدْ اِسْتَرْجَعْتُهُ بِقَلَمِي وَبِحَقِّ أَبْنَاءِ مَرَّاكِش مِنْ جِيلِي. وَبَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ شَرَفُ الأسْتاذِيَّة وَحَقُّ القَلَمِ وَوَاجِبُ اِحْتِرَامٍ مَا اسْتَرَّدهُ مَنْ هَمَّهُمْ أَمْرُ مرَّاكِش.

سَيِّدِي لَا تَقُولُوا هَذَا شَأْنٌ ثَقَافِيٌّ فَهُوَ “مَتْحَفٌ”. فَبِمُجَرَّدٍ مَا يُصْبِحُ فِي الأَمْرِ بَيْعٌ وَشِرَاءٌ للشَّايِ والتوَابِلِ فَإِنَّهُ “سُيبير مَا رَشِّي super marché” لَا عَلَاقَة لَهُ بِالثَّقَافَةِ. فَلتَفْتَحُوا هَذَا “المـَتْحَفَ” فِي مَكَان آخَرَ بَعِيدًا عَنْ جَنَانِ الحارثي، وَلَا أَحَدَ مِنْ أَمْثَالِي يَتَدَخَّلُ فِي شَأْنِكُمْ، إِذَا اِبْتَعَدْتُمْ عَنْ صِفَتِكُمْ أُسْتَاذًا يُرَبِّي النُّفُوسَ وَصِرْتُمْ إِنْسَانًا يَهْتَمُّ بِتَنْمِيَةِ الفُلُوسِ.

إِنَّ أَصْحَابَ المَشْرُوعِ حَرَّفُوا “مَفْهُومَ التُّرَاثِ المَعْنَوِيّ” عَنْ مَوَاضِعِهِ، إِذْ أَرَادُوا زَوَالَ رَمَزِيَّةِ المَعْهَدِ المُوسِيقِي الْعَتِيد والحارثي العَرِيقِ، وهو تُرَاثٌ مَعْنَوِيٌّ، بِبِنَاءِ إسْمـَنْتـِيٍّ حَدِيدِيٍ يُصْبِحُ مَقْهًى لِلشَّايِ أَوْ لِمَا شَاءَ اللهُ. أَيُّ تُرَاثٍ مَعْنَوِيٍّ هَذَا؟ إِنْ مَا يُفْهَمُ مِنْ تَصَوُّرِ أَصْحَابِ المَشْرُوعِ، هُوَ مَتْجَرٌ كَبِيرٌ لِلبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَمَا يُفْهَم مِنْ مُوَافَقَة المُوَافِقِينَ علَى المـَشْروع، وَقَدْ وَضَعْنَا فِيهِمْ ثِقَثَنَا، هُوَ كَيْفَ تُقَسَّمُ المَدَاخِلُ؟ ثُمَّ وَالعَجَبُ هُنَا، مَنْ نَحْنُ فِي صُنَّاعِ الشَّايِ حَتَّى تَلْـَبسنَا الْحـَمَيَّةُ فَنَبْنِي لَهُ مَتْحَفًا؟

أَلَيْسَتْ الصِّينُ أُولَى مِنَّا بذَلِكَ وفي أرْضِها لا أَرضِ الحارثي؟ أوْ عَلَيْنَا أَنْ نَتْرُكَ الصِّينَ تُقِيمُ المَعَاهِدَ المُوسِيقِيَّةَ فَلَا رِبْحَ فِيهَا كَما تَرَى ذلكِ خِبْرَةُ القَائِمِين على المشْروعِ الطَّويلَةُ في مَجَالِ تَسْويقِ الشَّاي” وَنَبْنِي نَحْنُ الأَسْمَنْتَ وَالحَدِيدَ بِاسْمِ التُّراثِ المَعْنَوِيّ؟ يا أصْحابَ المَشْروع، إذا أَرَدْتُم الحِفَاظَ عَلَى التُّراثِ المَعْنَوي، فَجَدِّدوا الـَمعْهَدَ المُوسِيقِيّ وَخَصِّصوا جناحاً منه للشَّاي بالمجان. لاَ حَقَّ لــِمَنْ لا يـَمْلِكُ، أنْ يـُعْطِيَّ لــِمَنْ لا يـَسْتَحِقُّ.

*مؤرخ وجامعي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

15
  • أبو هيام
    الإثنين 28 ماي 2018 - 04:05

    يجب علينا أن نحافظ على تراثنا وثقافتنا في جميع أرجاء المملكة من طنجة إلى الكويرة،لأن تراثنا هو رمز هويتنا والسلام.

  • مصطفى الموساوي
    الإثنين 28 ماي 2018 - 04:30

    تحية خالصة من الوجدان، للأستاذ الدكتور أحمد شحلان
    وتحية لكل غيور على التراث
    فأي مكان من التراث، يحمل ذكريات وتاريخ شخصيات ووقائع وأحداث ، لايليق بنا أن نغير معالمه، ونطمس جماله، ونستبدل مهامه.
    ومن لم يع التاريخ في صدره …لم يذق ححلاوة العيش من مره
    ومن وعى أخبار من قد مضى… فقد أضاف أعمارا إلى عمره

  • بوجمعة سلامي
    الإثنين 28 ماي 2018 - 04:53

    سلام الله عليك أستاذي الحبيب العالم الغيور والوطني النزيه مولاي أحمد شحلان.
    مقالك وثيقة تاريخية ستحفظها الأجيال، لأنها تعكس واقع حال مرحلة من تاريخ الأمة المغربية.
    ما كتبته بِأن جنان الحارثي ينطبق على ضريح يوسف بن تاشفين، وضريح ابن بطوطة، وعلى باقي كنوز المغرب المعنوية.
    أرجو أن تجد صيحتك أذناً صاغية.
    حفظك الله ورعاك

  • طارق الرحالي
    الإثنين 28 ماي 2018 - 04:57

    شكر خاص لكم أستاذي الكريم، فمقالتكم هذه اتت جامعة مانعة كما يقال،والحمد لله الذي جعل فيكم خيرا لهذه الامة، انتم ضميرها الذي لايموت،مع متمنياتي الخالصة بأن تجد اذانا صاغية لدى مسؤولينا والله المستعان.

  • سلمى
    الإثنين 28 ماي 2018 - 05:20

    رسالة رائعة تجسد دورا من أدوار مثقف عضوي!

  • مستغربة مغتربة
    الإثنين 28 ماي 2018 - 05:30

    رسالة جميلة جدا من كاتب غيور على بلده ومعالمها الثقافية أتمنى ان تجد أذانا صاغية كما أتمنى من ساكنة المدينة ان يقوموا بوقفات والتركيز على هذا المكان الجميل في وسائل التواصل الإجتماعي حتى يتم تخليصه من أطماع مافيا العقار والإسمنت
    صحيح انني لم أزوره من قبل الى انني أحببته من خلال وصفك الجميل له وأيضا من الصور واعتقد انه أفضل بكثير من ساحة جامع البلاء (الفناء)

  • من الجنوب
    الإثنين 28 ماي 2018 - 05:42

    نشكر استاذنا الكريم على تنبيهه . و نخاف ان تكون صيحة في واد. فهولاء المنتخبون يريدون بيع كل شيء حتى التراث والتاريخ . هناك ماثر تاريخية نادرة التهمتها غابات الاسمنت والتي من ورائها نافذون ذووا راسمال متوحش لا يبقي ولايذر . لم يحترموا حتى المقابر التي تطالها و ياحسرة حماية الاوقاف . كوقبرة سيدي عباد طريق اسفي . و جميع المقابر المرابطية و الموحدية على ابواب المدينة القديمة ..
    ارجوا من الاستاذ الكريم توثيق ماتبقى في خراىط و تسجيله في منتديات حتى يتبقى لمراكش ما تعرف بها .

  • السوسي
    الإثنين 28 ماي 2018 - 07:07

    مقال جميل .نحس فيه بصدق حال الكاتب في كل الكلمات التي سردها.
    وهي نتاج حرقته على تحول جنان الحارثي الى مشروع مادي محض.وهي كدالك نفس الحرقة التي نتقاسمها معه في هجوم الاسمنت المسلح على كل بقعة خظراء في مدينة "العراسي".حتى ان الحدائق التي تخط في دفاتر التحملات تبقى رهينة تلك الاوراق .وكثير منها يصبح مدرسة خاصة.
    وبالتالي من يملك سيارة هو فقط من يحق له حمل اسرته الصغيرة خارج المدينة للبحث عن شجرة او جدول ماء يغير به "الجو".
    واتفق مع الكاتب في كل شي الا في قاعات الموسيقى .فقد سئمنا موسيقى و مللنا ضجيجا و أغاني وما زاد عن حده انقلب الى ضده.
    غداء الروح هو القران وكلام الله عموما اما الموسيقى فهي حرام .

  • جنان الحارثي
    الإثنين 28 ماي 2018 - 09:49

    "يسلم لسانك وفكرك وقلمك يا استاذ" لكن هل من اذن صاغية ليتم رجل التعليم ما بداه رجل القانون ؟! لا نملك الا مؤازرتك والمراكشييين في الحارثي فالحارثي حارثينا جميعا

  • أحمد
    الإثنين 28 ماي 2018 - 09:53

    شكرا أستاذ .. ندعو لحملة مذنية مسؤولة فسبوكية تجمع المراكشيين لحماية مجالاتهم الخضراء خاصة لانها تواجه ضغوطا كبيرة.
    أقولها وأنا أعرف الكثير عن ذلك.. فلنعلمهم كيف نرد قراراتهم المتسرعة …

  • محمد جوهري
    الإثنين 28 ماي 2018 - 11:51

    استاذنا الجليل تحية خاصة وخالصلة .شعرت باعتزاز وفخر لانكم كشفتم لغير العارفين ات للعالم سلاحا وان القلم لن يفقد صولته ابدا وخصوصا اذا اعطي القوس باريها.في الحارتي حفظت القصاءد الراءعة التي كان يتحفنا بها المرحوم الشاعر الاديب مولاي الطيب المريني ونحن طلبة في كلية ابن يوسف التي لم تذكروها .سهوا. كما كان يحلوا لنا ان نراجع جما عة دروس الفقة ونوزال الاندلسيين التي كان يلقيها العالم العلامة الحافظ الرحالي الفاروقي وغيرهم…مراكش مفخرة..ثراء..تاريخ..علم…سياسة…حكم..بطولات ..امجاد..ومستقبل زاهر كذلك..شكرا

  • عبدو
    الإثنين 28 ماي 2018 - 11:58

    لوبيات المال والعقار زحفت وطغت أتسائل أين ثانوية دار البارود أين مسبح الكتبية واليوم جاء الدور على جنان الحارثي وغذا ياتي الدور على حدائق المنارة والزحف لا يتوقف لقد أستندت الأمول لغير أهلها لذلك نرى الأماكن والتاريخ يتهاوى أمام إغراء وسطوة المال لذلك نطالب بكل من له الغيرة على المدينة وعلى تاريخها الذي هو تاريخ كل المغاربة لوقف هذا الزحف . لاحول ولا قوة إلا بالله

  • Abdeljalil
    الإثنين 28 ماي 2018 - 12:25

    لك الله يا مدينة البهجة تفويت ملك جماعي بمثابة ارث تاريخي لمن لا هم له سوى جمع المال و التكالب على ماثر و عمران شاهد على مدى فساد هده الامة

  • مغربي في الغربة
    الإثنين 28 ماي 2018 - 15:38

    لن نسمح كمراكشيين أن يذبح الحارتي و يوزع كما تذبح وتوزع الذبيحة …. أقترح على المسؤولين أن ينشئوا حديقة ألعاب شيبهة ب Disney land بفرنسا أو شبيهة ب Tivoli بالعاصمة الدنماركية كوبنهاغن …. إنها حدائق تجلب ملايين السياح و تساهم في الترفيه عن أطفال و سكان المدينة

  • واحد من الرعية
    الإثنين 28 ماي 2018 - 18:07

    مبادرة الأستاذ شحلان ما هي إلا تنبيه لما يدبر في الخفاء ، بالأمس وفي غفلة من الزمن سرق أحدهم و كان مسؤولا "حزبيا" مهما بمجلس المدينة البلدي ساعة "مانجان" التي كانت تزين شارع محمد الخامس و التي اختفت بدعوى إرسالها لسويسرا للتصليح و انقطعت أخبارها مع اننا عثرنا على إشارات تفيد أن صاحبنا يحتفظ بها في ضيعته . ثم في عهد فرسان التسيب و الاختلاس و الشذوذ بكل أنواعه ضاعت ثانوية ابن يوسف "دار البارود" و هي من أعظم صروح التعليم الأصيل بمراكش تخرج منها كبار الأساتذة و اللغويين فحولوها بعدما خربوها إلى موقف للسيارات و اليوم في عهد "اللحية و قلة الحيا" سيضيع جنان الحارثي . دافعوا يا أهل مراكش عن مدينتكم ، أوصلوا رسالة الأستاذ شحلان إلى كل الدنيا و من يهمهم الأمر ، قارنوا بين الدول المتقدمة و كيف تحمي تراثها و مآثرها و قصورها و حدائقها و مسارحها و بين ما يقوم به تجار "الدين و الوطنية" من تخريب باسم الاستثمار .

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية

صوت وصورة
احتفالات بالعيون
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:29 1

احتفالات بالعيون

صوت وصورة
هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 22:30 10

هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري

صوت وصورة
مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 21:41

مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم

صوت وصورة
فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 20:22 29

فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء