الأدب والدين

الأدب والدين
الأربعاء 9 ماي 2018 - 18:00

الأدب أدب، خيط مشع يخرج كشواظ من أعطاف الرؤية والرؤيا. شعاع بنفسجي، بل شعاع بكل ألوان الطيف، ينبثق – فجأة – في مثل الحالة الإشراقية، أو الحالة الأليمة المشبعة بالمكابدة، وإطالة النظر في الذات وهي تنوس بين الماضي والحاضر والآتي. وينبجس من عين الشعور، ومسام الأحاسيس، وغلالات الحلم، ليبني بيتا، حجارته الخيال، وزواياه الجمال، وسقفه الجلال، ومحيطه الحق والإبدال. إبدال بموازاة واقع آسن، طاحن، ينسحق فيه المرء انسحاقا، ويتسلع فيه تسليعا.

لا نسب للأدب إلا اللغة، وتواثب الخيال، وبرية الحرية والانطلاق، كمثل مُهْر ناداه المضمار، وحقول النوار، وأفق لاَزَوَرْدي.. يومض بلا قرار، ويغمز بالأزرق والاخضرار.

لم يعرف تاريخ الأدب العربي، تسمية “الأدب الإسلامي” كدمغة واصفة في كل أطواره وأحقابه الذهبية، وتحولاته المتفردة والتجديدية، إلا في وَجازَة زمنية انطفأت قبل أن تشتعل. فقد ظل الأدب معنيا –بالدرجة الأولى- باللغة والصورة والإيقاع، والتعبير عن روح المرحلة، وغناء المدونة، وتلاقح السياق والمساق. هكذا يعلن الشعر الجاهلي عن نفسه، والشعر الأموي، والشعر العباسي، والشعر الأندلسي والشعر الإحيائي، والشعر الحديث والمعاصر. أما صفاته تلك : (الأموي- العباسي- الأندلسي- الخ)، فَلِداعٍ تحقيبي، وعلة “إبستمية” ليس غير. وأما الأغراض، والموضوعات والتيمات، فحدث ولا حرج: فمن المدح، إلى الهجاء، إلى الغزل، إلى الوصف إلى “التهتك” أحيانا، لما ارتبط بعض الشعر –حينا من الدهر- بالموجدة والشغف بالغلمان. ومع إنكار واستهجان “المغالاة” الشعرية، والإغراق في اللهو والتلهية، من لدن علماء دين وفقهاء، وهي المغالاة و”البدع” التي رَحَّلَتْ الشعر إلى أنأى الأقاصي، فلقد استمر الشعر سؤالا غنائيا وجوديا منبثقا من الذات، منبجسا، من الخيال، يؤثت بالحرية، واقعا مكلسا، ويزركش بالصورة ما يراه قتامة، وحندسا ومهاوي.

فإضافة الأدب إلى “الإسلامي”، معناه تديينه، وإلباسه جبة الداعية، ووضع سبحة “النظم” والوعظ في يده، وقسره على أن يكون “بوقا” زاعقا للدين، ومشروطا – حتما- بالمناسباتية، ومنسلكا –بإجمال- في العرض والطلب. من هنا، تفطن الأصمعي بنباهة الناقد الحصيف، إلى معاني هذه الحقائق، لما اعتبر أن “الشعر شر بابه النكد إذا دخل باب الخير لاَنَ”. ما يعني بتعبير معاصر: تفطن إلى الإيديولوجية والأدلوجة، من خلال قصائد حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ومن خلال ما يسمى بشعراء الدعوة الإسلامية. فهو رأى –ونحن معه- أن شعر ابن ثابت الدعوي، ضعف وارتبك ونزل وهزل قياسا بشعره أيام الجاهلية. وما يعني ثانية، أن الأصمعي، ومن لف لفه من النقاد واللغويين، انتصر للخيال، للحرية، للغة وهي تحلق عاليا بأجنحة من ضوء وماء، واخضلال، وغضارة.

تنبغي الإشارة إلى أن “فرية” الأدب الإسلامي، نادى بها السيد قطب، ومصطفى صادق الرافعي في ما كتبوا ونظموا، ودبجوا. وتبعهم نجيب الكيلاني وغيره كثير، إلى أن طرحت الفكرة على بساط الجد والدعوة، والإيديولوجية العارية في منتصف القرن العشرين، فالتأم جمع الدعاة إلى هكذا “أدب”، فيما سموه بـ “رابطة الأدب الإسلامي العالمية” إذا رأوا أن الأدب –شعرا ورواية وقصة ومسرحا. الخ، يجب أن يجسد عواطف الأمة، ومشاعرها وأحاسيسها وتصوراتها للذات الإسلامية، للكون والإنسان والحياة.

ورأوا أنه أدب رباني يقوم على تصور عقدي ثابت هو : التصور الإسلامي السليم. أَلاَ نقول بعد هذا : إن “الأدب الإسلامي” توصيفٌ إيديولوجي، وقيد حديدي في أقدام الأدب، الذي خلق حافيا ليتحسس رهافة الورد تحت قدميه، أو يتلظى بالجمر وهو يشوي مشط رجليه، ويتألم من كِسَرِ الزجاج وهي تُدْميه.

الأديب المبدع حر.. وحر، وحر.. مطالب بالجميل والممتع والجيد، وليس مطالبا بالدعوة إلى العمل الصالح، وإرشاد القوم إلى الطريق الأقوم. فهذه أشياء مكانها الدين، والمقالات الدعوية والخطابات الوعظية، والضمير الخلقي العام.

لم يظهر حتى الآن –في تقديري- أديب إسلامي كبير، جليل الخطر – إلا ما كان من الشاعر محمد إقبال، غير أن الرؤية الفنية، والخيال المديد، والنفس العلوي، هو ما رفع أدبه وشعره لا تَبَطُّنَهُ الدعوى بحال.

لا يوجد أدب إسلامي ولا أدب مسيحي ولا أدب يهودي، ولا بوذي، ولا زَرادُشْتي.

إنما هناك أدب جيد، وأدب رديء.

لا أخلاق في الفن والأدب، كما لا تهتك فيه ولا خلاعة، إذ هو حرية، بَيْدَ أنها حرية مسؤولة.

كدت أقول : بدأ الأدب وثنيا وسيظل، أيْ “لا َدينيا”، وتلك ميزته وتفرده.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • حسين أفرا
    الأربعاء 9 ماي 2018 - 20:46

    طوبى لك. أمتعت وأقنعت. ذكرتني في هذا المقال بأيام جامعة ابن زهر الجميلة سنة 2002 لما كان الدكتور محمد زاهي يروج هذه الفكرة بين الطلبة في إطار مادة " ظواهر أدبية: أدب الإسلامي أموي " لكن كثيرا منهم لم يفهموه، كما أن كثيرا منهم نشأ في بيئة محافظة، لذلك تأثروا بأوساطهم التي شبوا فيها وترعرعوا فكانوا يسخرون من الأستاذ في أثناء مناقشاتهم خارج الحصة ويرونه على ضلالة. كان الطلبة يصرون على فكرة البهبيتي على ما أتذكر وهي ما كان الأستاذ يرفضه.آه يا زمن، لو أتيحت مثل هذه الظروف الحالية لما كنت طالبا هل كنت سأكتفي بإجازة في الآداب تخول العمل في التعليم؟

  • msoud
    الأربعاء 9 ماي 2018 - 21:27

    كثر الله أمثااك في زمن قل فيه أمثااك

  • مسلم مغربي
    الأربعاء 9 ماي 2018 - 23:47

    الأديب المبدع حر، والأديب الداعية عبد،والعبد العابد صاحب قضية يتلذذ بعبوديته ويتنعم بطاعة مولاه لعله يدرك بذلك مرتبة: " نعم العبد لنعم المولى"،قال عز من قائل : "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا "،وقال جل علاه :" سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " ،وللأديب العبد يا أخي الشاعر والأديب الناقد بودويك رسالة شاعرية ربانية المنحى قوامها التعلم بالقراءة مع العطاء والموهبة من المولى الجميل لأجل فتوحات قلبية ملؤها المحبة وشعارها اعمار الأرض بسعادة وعدل ورخاء وصفاء: "إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ "،إذن جمالية النص الأدبي الإسلامي ميزتها الروحانية والربانية من وحي الوهاب واجتهاد المبدع الأديب المسلم الروحاني الذي يحب الجمالية التي هي من صنع الخالق البديع،فالأديب العبد يحظى بحرية مطلقة عند التذلل الكلي الخالص للمولى السيد الأوحد الأحد،فيدعو إلى الله بأدب،فيؤدب به الرب .

  • أديب مسلم
    السبت 12 ماي 2018 - 21:44

    مقال يستحق إمعان النظر بما أن فيه تأمل فلسفي للشأن الأدبي الديني من شاعر ملهم، ذلك أن الأدب والدين حاجة من حاجات المجتمع حتى يأتينا اليقين،فالأدب الديني يتميز عموما بمعناه الأخلاقي والوعظي والإرشادي،كما يقول بعض الأدباء، ثم انه ليس خاصا بالحضارة الإسلامية فقط بل هو أساسا أدب يرجع بأصوله إلى مظاهر التعبد الإغريقي وأيضا الكنيسة المسيحية،كما يرى آخرون،فما أحوجنا لنصوص أدبية دينية لأن دالة الحضارة حاليا،يقول أحد الأدباء الإسلاميين،يتجه تقدمها نحو مرحلة الغريزة،فخاصية الأدب الديني وخاصة الإسلامية منه فيها تجاوز الروح للجسد الفاني لتنعتق من أسر الطين منطلقة بذلك إلى عالم الملكوت الأعلى بأعلى عليين فتشاهد الحضرة القدسية وترتوي بالمعارف السبحانية،وهكذا ينظم الشاعر الزجال بمعرفة حقيقية وليس بمحتوى بئيس بتركيب مبدع على منوال نهج علي كرم الله وجهه ببلاغته وأبو العتاهية بزهدياته والبصيري بشعر المديح في بردته،وأخيرا يبقى الأدب الديني عبارة عن تجارب شخصية تفضي مع مرور الوقت إلى نظرة ربانية قوامها الاستقامة على الطريقة.

صوت وصورة
عامل تنغير ونسبة المشاركة
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 22:41 1

عامل تنغير ونسبة المشاركة

صوت وصورة
هلالي: نرفض أي خرق انتخابي
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 21:42 1

هلالي: نرفض أي خرق انتخابي

صوت وصورة
"البيجيدي" والفرز الأولي
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 21:21 13

"البيجيدي" والفرز الأولي

صوت وصورة
مباشر | انتخابات المغرب 2026 | انطلاق الفرز
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 19:54 1

مباشر | انتخابات المغرب 2026 | انطلاق الفرز

صوت وصورة
أجواء الانتخابات بفاس
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 18:36 1

أجواء الانتخابات بفاس

صوت وصورة
أول قراءة لصناديق الاقتراع
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 15:08 1

أول قراءة لصناديق الاقتراع