أبلغوا المتحاذقين أني ربما لن أعود، لكني لهم بالمرصاد

أبلغوا المتحاذقين أني ربما لن أعود، لكني لهم بالمرصاد
الأربعاء 6 يناير 2016 - 14:40

كان حريا بمن وصف وضعية حزب الأصالة والمعاصرة بالاختناق، الذي يحتل موقعا قياديا داخله، أن يعتبر التحاقه بالحزب مسارا لا يتوقف فيه عن السؤال، ولا عن الإلحاح بغرض المعرفة والمزيد من التعرف، عبر طريق سالك تتجدد فيه حياته السياسية، وتتجدد فيه معارفه وعلاقاته النضالية، بشكل يسمح أن يكون مساره مرتكزا على تَقَاسُم المفكَّر فيه مع باقي المناضلات والمناضلين داخل الهياكل التنظيمية المعدة لذلك، دون مزايدة ولا معاندة. أما أن يجزم بأن الحزب “عصي عن الفهم ومعقد”، فما نعتقد أن مَرَدَّ ذلك في الغالب على الترجيح سوى اعتناق صاحبنا عقيدة “تسريع وتيرة التموقع”، التي بوأته ما هو عليه من مواقع متقدمة داخل الحزب وعبر تمثيليته بالمؤسسة التشريعية.

يستعد الحزب اليوم لعقد مؤتمره الثالث، الذي يشكل فرصة سانحة للتداول الداخلي في كل القضايا المتعلقة بالمرجعية الفكرية والسياسية وموجهات الرؤية الخاصة بالسياسة العامة والسياسات العمومية والارتباطات التنسيقية مع مكونات المشهد السياسي وكذا الفلسفة التنظيمية للحزب، مع ما يقتضي ذلك من استعياب لكل الملاحظات والانتقادات، التي بإمكانها أن تشكل نوعا من التحصين السياسي للناظم الفكري والسياسي المتقاسم داخل الحزب، بعيدا عن أساليب التهرب من الانخراط في التداول الداخلي للقضايا والمسائل المطروحة، وتصدير النقاش إلى مجالات خارج فضاءات الحزب، بهدف إثارة الانتباه وفرض نوع من الاختيارات غير الملائمة لمنحى التقدم الذي يعرفه الحزب على مستوى تدبير تموقعه في الساحة السياسية. ومثل هذا السلوك الصادر عن أناس يتموقعون داخل أجهزة الحزب القيادية، لا ينم في اعتقادنا سوى عن نوع من فقدان حس المسؤولية تجاه إنجاح مهام الحزب في هذه المرحلة الدقيقة، مثله في ذلك مثل ذاك الذي ينظر بمنظار التكهن لـ”فرصة تجديد الدولة والمجتمع”.

إن الفضول عمل تأويلي متشعب، نلتقي فيه لا بسقراط وحده ـ كما ذهب إلى ذلك صاحب أطروحة الاختناق ـ بل بعديد من الفلاسفة والمفكرين الكبار في تاريخ البشرية الذين تميزوا بنوع من الفضول المعرفي قادهم إلى تأسيس معارف إنسانية خالدة. لذلك اعتبر “ألبيرتو مانغويل” الفضول ميزة أساسية للإنسان رافقته منذ البدء، فكانت وسيلة لإنتاج المعرفة الإنسانية بتنوعها وتشعبها.

وليسمح لنا صاحب “أطروحة الاختناق” أن نعلق على استجدائه وتوسله قولة “سقراط” (كل ما أعرفه جيدا هو أنني لا أعرف شيئا)، وقد كان بإمكانه ـ في إطار الاستناد إلى ما هو أصيل في تراثه ـ أن يستشهد بالقولة المأثورة لدينا “فأنت إن علمت شيئا، غابت عنك أشياء”، وهي أدل وأعمق، خاصة وأن سقراط لم يكن يقصد أنه لا يعرف شيئا، بل إن ما يعرفه على الرغم من أهميته وجلالة قدره لا يشكل سوى نسبة ضئيلة مقارنة بما لا يعرف. ولو عمل صاحبنا على إسقاط معنى هذه المقولة على وضعية التحاقه بالحزب، لتبين له بالملموس والتأكيد أنه لا يزال بحاجة إلى إعادة القراءة، بل إلى امتلاك حرية خاصة به في هذه القراءة. خاصة وأن سقراط الذي يستشهد به حين علم بأمر حكم إعدامه، لم يتخذ قرار الفرار كحل كما فعل غيره من فلاسفة زمانه، بل لازم وضعه، وتشبث برأيه وموقفه، واتخذ قرار تجرع السم بدل التراجع عما عبر عنه من رأي وموقف.

ولطالما أكدنا منذ التأسيس أن حزب الأصالة والمعاصرة ليس بثكنة عسكرية، يغلق الأبواب على منخرطاته منخرطيه، ويحكم إغلاق نوافذه على الرؤى والأفكار والمواقف، كما قد يفهم البعض ممن التحقوا متأخرين، وهم معبئين تمام التعبئة بالثقافة السياسية إياها، تلك التي لا زال فيها الكثير من “حتى في مواضيع شتى”. بل كنا مصرين على أن يدرك الجميع بأن الحزب مهووس بالفضول، لأنه ببساطة يوسع الأفق، ويحقق سعيا دائما نحو المعرفة السياسية في وجهها الأجمل.

فقد كان بالإمكان أن يَحمِل الفضول صاحبنا إلى قراءة صفحات حزبه الحالي ـ أو اللاحق إن حصل ـ التي تفوق بالتأكيد سنوات نشأته وتطوره، ويحصل لديه الوعي بأن السياسة والعمل السياسي هما قوة مضاعفة لقراءة هذا العالم، بحيوية ونشاط، بعيدا عن أساليب التنغيص، وبعيدا عن ركوب رياح محطة المؤتمر لتصفية حسابات. فالفضول على كل حال هو نوع من الاستكشاف الناتج عن رغبة الإنسان في طرح الأسئلة، قصد تحريك آليات الفهم والتأويل، وما قد نصله من استنتاجات قد تشكل علامات وصل بالعالم والسياسة معا. إذ نعتقد في الوقت الراهن أن لا خير في العديد من اليقينيات والإثباتات الملازمة لصاحبها من تجارب سابقة، لأنها أميل إلى عزل الإنسان وخنق انتمائه السياسي.

إن منخرطا مسؤولا يُفترَض ألا يعتمد تفسيرا على ما يفاجئه داخل الحزب أو يضلله من ممارسات وتصرفات وسلوكات منخرطاته ومنخرطيه فقط، لأنه ينبغي أن يكون مدركا تمام الإدراك بأن معركة تغيير العقليات والذهنيات لا زالت في بداياتها ومتعثرة، وقد استعصت على دولة بكاملها وبحجم مؤسساتها وإمكاناتها وإمكانياتها، فأحرى ألا تستعصي على حزب في طور النشأة. وهو ما يُمَكِّنُنا من فهم التعثر الذي عرفه تطبيق الأرضية المواطنة للنهوض بثقافة حقوق الإنسان الصادرة سنة 2007 وخطة العمل الوطنية للديمقراطية وحقوق الإنسان الصادرة سنة 2010 والتنزيل الديمقراطي لدستور 2011… بل المنخرط المسؤول عليه أن يصنع مادة للتفكير السياسي داخل حزبه وفي علاقة بمناضلاته ومناضليه، ويسعى إلى تكثيف ما يتوصل إليه من معارف، مانحا حزبه روحا وجسدا. لكن للأسف، لا عجب إذا رأينا أن عقليات جزء من النخبة لا زالت محشوة بمثل هذا اليقين، وأن التواضع وإعادة قراءة الواقع والخرائط والمسافات والأزمنة أضحت عملة نادرة في عالمنا السياسي.

كان بإمكان الفضول أن يساعد صاحبنا على النمو داخل وخارج حزبه. وكان بإمكان القراءة المتزنة للحزب وأدبياته ونشأته وتطوره أن تشكل انقلابا وتغييرا في طريقة فهمه وممارساته وتصرفاته تجاه الحزب ومناضلاته ومناضليه، بدل هذا النوع من الهروب إلى الأمام. فتوسيع مجال رؤية الحزب لن يتحقق إلا بالانفتاح على العوالم والآخرين، لا بالبقاء سجناء ومرتهنين لحقبة سياسية وتاريخية ماضية، أو لشخصيات وزعامات فانية.

إن تراكماتنا في الحياة، بقدر ما تسعفنا في فهم حاضرنا واستشراف آفاق مستقبلنا، بقدر ما يمكنها أن ترتد بنا وتسقطنا في مطب المقارنات والإسقاطات التي تحمل في طاياتها بذور عدم صلاحيتها للزمان والمكان ـ كما وقع لصاحبنا ـ لأن الحديث عن الدولة والإدارة ومشاكل المجتمع، هو حديث أجيال المقاومة والتحرير والكفاح من أجل دمقرطة الدولة والمجتمع، كما هو مجال اهتمام أجيال اليوم والمستقبل بغرض استكمال مهام التنمية والدمقرطة والتحديث. وأية محاولة للعب على إقامة نوع من التشنج بين الأجيال ـ كما يذهب إلى ذلك صاحبنا ـ هي أمر من قبيل إحداث قطائع في التطور العادي للتاريخ، وهو ما يدفع الحزب أكثر إلى حَمْلِ أصالة شعب في الماضي والحاضر ووصلها بمقومات مُعاصَرة تستشرف أفق المستقبل بإرادة مكوناته في تحديث شروط وظروف العيش والحياة.

لكن، أن يعتبر صاحب “أطروحة الاختناق” أن تأسيس حزبه الحالي سببه وجود حزب آخر، وهدفه احتكار شرعية الوجود، فهاهنا تكمن سطحية القراءة والتأويل والالتحاق، لما في كل ذلك من تقزيم للأمور تؤدي للأسف إلى النفخ في ذوات قيادية مهزومة، لا تعمل سوى على بعثرة الرؤية الحزبية، وإلحاق نوع من التقهقر في مجال الممارسة السياسية، وبالتالي التشويش على فهم المشروع السياسي للحزب ومنطلقاته وخلفياته ومبادئه وتوجهاته وأهدافه وأولوياته في صفوف المناضلات والمناضلين، وبالأولى والأحرى مع المواطنات والمواطنين.

ونحن نعتقد، أن الحزب لكي يستمر في إنتاجه ومساهمته، عليه ألا يؤسس نموذج قيادته الحزبية على هذه الشاكلة، ولا يتطابق مع قراءات وتأويلات مثل هذه النخب، الموزعة ـ حسب تعبيراتها ـ بين الأصالة المعاصرة، دون إدراك خيوط الوصل بينهما، ودون التمييز بين موقع المعارضة والدفاع عن قطاع حكومي بعينه (قطاع الصحة على سبيل المثال لا الحصر)، ودون استيعاب طرح الحزب بخصوص الدفاع عن الدين برغبة قوية في عدم تلويث منظومته القيمية بمصالح شخصية أو حزبية أو فئوية ضيقة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • أمين
    الأربعاء 6 يناير 2016 - 16:04

    الأستاذ وهبي نتفق معه في كثير من القضايا ونختلف أيضا في كثير من النقط إلا أن الاأستاذ وهبي قدما تحليلا موضوعيا لوضعية حزب الأصالة والعاصرة والمشهد السياسي يحتاج إلى نخب تتوفر على القدرة للتأسيس لثقافة النقد الذاتي ، موفق

  • levillage
    الأربعاء 6 يناير 2016 - 16:06

    يا سيدي البام مشكلته أنه خرج من الخيمة أعوج ومهما عملتم سيضل ذالك الحزب الإقطاعي الذي استعمل طريقة رعاة البقر في نشأته والحل هو حله

  • أيديولوجيتي الحرية
    الأربعاء 6 يناير 2016 - 20:27

    بعد وظيفة المعارضة ،لا يمكن الا ان نحيي الدين اختاروا ،دلك الاسم لهدا الحزب اليميني ،والدي فشل في تصريف خلافاته مع الإسلاميين ،وربما هدا هو الارث الدي يجب تجاوزه ،كيميني ،ليس علي ان اتموقع من اطار الإسلاميين ،بحتا عن المعاصرة ،وليس مع اليسار بحتا عن الا صالة ،فعن اي أصالة معاصرة نتحدث ادن ؟لدينا نمادج لليمين ومنها امريكا ،يمين ديموقراطي متحرر ويحارب تحالف المال والسلطة ،ويمين محافظ وهو الجمهوري والدي ينحرف عن القيم الديموقراطية ابان الحملات الانتخابية ،والحزبين معا لهما نفس الأيديولوجية ،وهي الحرية الاقتصادية والفكرية او العكس بالنسبة للديموقراطيين ،فاللحزل الاول ليبرالي دو مرجعية دينية اي اصيل ،والتنامي ليبرالي دو مرجعية متحررة لنقل معاصر ،فعن مادا يبحث مناضلوا الحزب ؟عن طريق ثالث هو أصلاغير موجود،ما يمكن ان يقوم به هو فقط الرجوع الى الديموقراطية الداخلية لتدبير الاختلاف بين التياران معا،هل المرحلة تستدعي الختيار الليبرالي الديموقراطي ،اي الابتعاد عن اي تحالف مع السلطة،ام الاختيار المحافظ والعودة بالمغرب الى التجارب السالفة ،والتي يتخوف منها اليسار والإسلاميون معا؟وهدا هو مأزق اليمين

  • Abdessamad
    الأربعاء 6 يناير 2016 - 21:47

    كتبت و انت تريد التموقع بطريقتك و لقد انكشفت من خلال العنوان
    واضح انك لا تفهم ما تقول و كلامك كله حشو و معلومات اكل عليها الدهر و شرب
    عليك المزيد من الاطلاع و شكرا

  • YOUSSAD
    الأربعاء 6 يناير 2016 - 22:00

    "مول الفز تيقفز"الحقيقة هي أن مقالات وهبي تتسم بالموضوعية..و مؤسف أن يصدر من صاحب المقال أعلاه مثل ادعاءاته و الجميع يعرف مشأة الحزب و ظروفه فلماذا هذا الاستهلاك الفارغ و النفخ في الذات-كما هو معروف عليه دائما-الظهور المتكرر كرجل حداثي و ديموقراطي و في أول تقد ذاتي داخلي موضوعي بتحليله الواقعي يتجرأ"صاحبنا الحداثي"أعلاه أن ينعت قيادي حزبي بالمتحذلق و بأنه بالمرصاد له و لغيره من المتحذلقين حسب زعمه!!mais quelle mouche a piqué celui-là?Ne serait-il pas un gardien du temple à la solde,au service ou à la recherche d'une tranche du gâteau??أقول هذا لأنه لم يناقش وهبي في ما خطه و لم يقنعنا نحن كقراء في هسبريس..فكلنا انتظار لردود موضوعية تخص الحزب و ماهيته و ليس القذف المجاني في حق اللآخر!!

  • badih abdelouahad
    الأربعاء 6 يناير 2016 - 22:23

    L'analyse longitudinale des differents événements de l'histoire de création du PAM et cet enfentement d'une idéologie propre au parti ne doit pas se plier aux choix pragmatique dans une étape électorale. Un parti solide doit faire confiance à ses élites cultivées pour enrichir la vision a cours et moyen terme du ciment affectif en valeurs principes,idéaux, axiomes idéologique et philosophique de la vision de la société.
    Mais nous savons que la réflexion dérange les opportunistes et donne des maux de tête aux

صوت وصورة
"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى
الخميس 24 شتنبر 2026 - 09:00

"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى

صوت وصورة
وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:31 7

وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات

صوت وصورة
النتائج  في دائرتي فاس
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:25

النتائج في دائرتي فاس

صوت وصورة
الفرز الانتخابي في الجديدة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 02:27

الفرز الانتخابي في الجديدة

صوت وصورة
شوكي: النتائج تخلف الارتياح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:24 2

شوكي: النتائج تخلف الارتياح

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في بني ملال
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:02

النتائج المؤقتة في بني ملال