أغلبية بِلا شرعية

أغلبية بِلا شرعية
الإثنين 22 أكتوبر 2018 - 23:42

أعاد انتخاب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة عبد الحكيم بنشماش رئيسا لمجلس المستشارين، تسليط الضوء على حقيقة ما يجري في المشهد السياسي الوطني منذ سنوات، وبالضبط منذ سنة 2015، في نسخة “جديدة ومنقحة”.

الحدث لم يكن مفاجئا، واستجاب طبيعيا للمعطيات الراهنة للحياة الحزبية والمؤسساتية في البلاد، بحيث حصل بنشماش على “أغلبية” أصوات أعضاء مجلس المستشارين “جملة” بدون مراعاة للانتماء الحزبي، في نتيجة منسجمة تماما مع المخطط المعمول به الرامي إلى تحويل الأحزاب السياسية إلى مجرد جماعات وظيفية مختلفة الألوان والأسماء وربما الأدوار، لكنها موحدة في الاستجابة إلى “الإشراط” نفسه بالضبط كما هو معروف في علم النفس السلوكي !

في الحقيقة المشكل الكبير الذي كان من المطلوب إثارته على هامش “تعيين” الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة على رأس مجلس المستشارين، يتعلق بجدوى هذا المجلس من الأصل، وهل حقق الأهداف التي أطرت العودة إليه في البناء الدستوري والمؤسساتي في البلاد ام لا، وتعميق النقاش حول النموذج المغربي في الازدواج البرلماني، وطرح أسئلة حول أدواره وإضافاته، لان المتتبعين والراصدين يكادون يجمعون أنه مجرد “مجلس ضرار” أو “مجلس نسخ” في أحسن الأحوال.

لكن وحتى تتوفر ظروف وشروط هذا النقاش، لنقف قليلا على ما حدث، حتى نُذكّر من تنفع معه الذكرى، أن في القصة ظاهرٌ وخفي.

فأما الظاهر فيحاول أن يُسوق للرأي العام وهْم أن البلاد تعيش حياة ديمقراطية عادية، يطبعها التنافس الانتخابي، من خلال إعلان الترشيح وتأطيره بـ”إعلان نوايا” على أنه برنامج موجه للمعنيين من أجل إقناعهم، وأن هناك متنافسين، وأن هناك صناديق شفافة للتصويت، وبإمكان الجميع متابعة العملية سواء على الهواء مباشرة، أو عبر التغطية الصحافية المواكبة.

وأما الجانب الخفي، أو المراد إخفاؤه بتعبير أدق، فيتعلق بالأعطاب التي تقف في وجه تثبيت نموذج ديمقراطي ولو بصيغة مغربية يراعي قليلا من حرية الاختيار، ويحترم الأحزاب باعتبارها ممثلة للشعب، وترك الفرصة أمامها لتتخذ قراراتها ومواقفها باستقلالية وتتحمل فيها المسؤولية أمام المواطنين وأمام التاريخ كذلك.

في الحقيقة أن المشهد السياسي الوطني يعيش على وقْع سيطرة أغلبية بلا شرعية، لا يجمعها برنامج مشترك واضح، ولا خلفيات نظرية موحدة، أو على الأقل غير معلنة، تقدم نفسها صاحبة نفوذ، وحاملة مشاريع وحائزة على “الثقة”، وتخوّل نفسها حق اختيار من تشاء لتعينه حيث تشاء وبالطريقة التي تشاء.

يقع كل هذا في تعسف كبير على المفاهيم المتعارف عليها في الممارسة السياسية النبيلة، المعنية بنتائج الانتخابات المعبرة على إرادة المواطنين وتوجهات الشعوب، فيتم بإصرار غير مفهوم الحرص على “ديمقراطية الواجهة” لسلب المواطنين والأحزاب على حد سواء حقها في الاختيار.

هذه الأغلبية التي لا تملك شرعية سياسية غير كونها تستطيع تجميع عدد كبير، خاصة عندما يتعلق الأمر بانتخابات غير مباشرة، أو انتخابات يصوت فيها “الناخبون الكبار”، فترتب المشهد وفق حسابات تخدم مصالح مراكز نفوذ لا تستطيع الكشف عن وجهها، تستخدم مؤسسات الدولة منصات فقط، ولا تعير أي اهتمام للمواطنين وطموحاتهم وأمالهم وآلامهم.

لنتذكر كيف أن هذه الأغلبية التي عينت بنشماس يوم 15 أكتوبر 2018، هي نفسها التي عينته رئيسا يوم 13 أكتوبر 2015، وهي نفسها التي كانت وراء وصول الحبيب المالكي إلى رئاسة مجلس النواب يوم 16 يناير 2017، خارج السياق الذي أفرته انتخابات 7 اكتوبر 2016، وهي نفسها التي استُخدمت في سيناريو إبعاد الأستاذ عبد الإله بنكيران عن رئاسة الحكومة، والضغط لإخراج حكومة الدكتور سعد الدين العثماني بالصيغة المعلومة، وهي نفسها التي كان لها دور محوري في حسم رئاسة عدد من المجالس المنتخبة.

وكيفما كان الحال يُسجل لحزب العدالة والتنمية، انه باختياره تقديم مرشح لرئاسة مجلس المستشارين، سلط الضوء من جديد على تصرف هذه الأغلبية خارج القواعد وخارج المنطق السليم، ونزع عنها الغطاء لتظهر على حقيقتها من جديد، ولذلك رفض زعيم هذه الأغلبية رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار و”مكفوليه” هذه العملية، وسيسعون إلى الضغط على العدالة والتنمية واتهامه بالانفراد وبعدم احترام الأغلبية، لكي يرقعوا ما يمكن ترقيعه في صورة تجمع مصالحي يُقدّم للمغاربة في صورة أغلبية حكومية أو برلمانية، لكنها في الواقع تنتظر التعليمات للتصويت في هذا الاتجاه أو ذاك.

إن استمرار هذه الأغلبية في لعب هذا الدور، قد ينفع في تسويق وهم ما للخارج عن المغرب، لكنه مسيء جدا في الداخل، وسيكرس فصل الأحزاب التي تتماهى معه وتنخرط فيه عن المجتمع، وسيزيد من إبعاد المواطنين عن المؤسسات المنتخبة وسيكرس عزوفهم عن الانتخابات، وإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، فإن الإساءة ستكبر، وربما سيقابلها سحب للمشروعية من المؤسسات إذا تواصلت عملية سرقة الشرعية بهذه الطرقة الفجة !

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MOHAMMED MEKNOUNI
    الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 - 18:10

    يقول صاحب المقال : "وكيفما كان الحال يُسجل لحزب العدالة والتنمية، انه باختياره تقديم مرشح لرئاسة مجلس المستشارين، سلط الضوء من جديد على تصرف هذه الأغلبية خارج القواعد وخارج المنطق السليم "
    المهم أن الأحزاب المؤيدة لإختيار رئيس مجلس المستشارين مقتنعة بإختياره وذاك شأنها إنها اللعبة الساسية .
    ومادام أن حزب العدالة والتنمية الذي يدعي المصداقية العبثية ، إن هو كان صادقاعلى السيد رئيس الحكومة تقديم إستقالته لأنه بقاؤه على رأس الحكومة سيكلف المغاربة ثمنا باهضا وعلى صاحب المقال أن يعلم أن إعفاء بتكيران من مهامه سببه توظيف نجليه ( حلل وناقش ) .

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 6

أثمنة اللحم البلدي والمستورد

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 17

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 5

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 20

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب