أي تأمين لامتحان البكالوريا؟

أي تأمين لامتحان البكالوريا؟
صورة: أرشيف
السبت 18 يونيو 2022 - 07:46

ذات امتحان بكالوريا -منذ سنوات- وصلتني رسالة نصية قصيرة من فاس، يخبرني فيها أحد الآباء الغيورين، وكله حسرة على تقويض مبدأ تكافؤ الفرص؛ بتسريب رياضيات بكالوريا الشعبة العلمية، ربما ليلا، وحدوث ارتباك في صفوف الممتَحَنين، صباحا، جراء تداول الأسئلة على نطاق واسع.

وقبل هذا بقليل، تتبعت، بحرفية مفتش سابق، بعض صفحات “فيسبوك” حيث تعرض تسريبات ما بعد الدقائق الأولى من دخول الممتحنين إلى قاعات الامتحان.
لم تتح لي فرصة التأكد من صحة ما سُرب؛ لأنني ابتعدت كثيرا عن مجال عركْته على مدى سنين طويلة؛ مُكَلفا بإعداد المواضيع، مراقبة مراكز الامتحانات، ومترئسا لجان المداولات.

في غياب السند المادي الذي يخول نقد استراتيجية وزارة التربية الوطنية في تحقيق الأمن الامتحاني الإشهادي، وهو من الأمن العام طبعا؛ اكتفيت بتصريح إنذاري لمسؤول عن الامتحانات في الوزارة، وقتها، يخبر الممتحَنين أن كل الإجابات التي ستقف لجان التصحيح على تطابقها مع ما يقترح في “فيسبوك” ستعتبر غِشا، تترتب عنه عقوبات؛ لا شك أنها العقوبات نفسها المقررة للغش، كما تفصلها المراسيم والمذكرات المعتمدة.

يتضمن هذا التصريح، طبعا، أن تسريبات “فيسبوك” صحيحة، وأنها مرفقة، أحيانا، بمشاريع إجابات.

ويعلم جميع المتتبعين أن الوزارة المعنية مهدت لكل هذا النزال الذي حصل ويحصل، بتحد رقمي؛ من خلال الإعلان عن اعتماد أجهزة إلكترونية للتشويش على الهواتف؛ وأكثر من هذا تحديد مواقع وجودها داخل القاعات، إن أصر بعضهم على الاحتفاظ بها، ضدا على القانون.

هل نقف عند حدود الجانب اللوجستيكي، في استراتيجية الأمن الامتحاني الإشهادي، لنقول إن الخلل يكمن في الأجهزة الرقمية التي لم تُشغل، لأسباب ما؛ أم في العنصر البشري؛ إمَّا مُكلفا بالحراسة المباشرة، أو بأجهزة رصد الهواتف؟

هذا في ما يخص نشر المواضيع، المفترض أنه اعتمد تصويرا تم داخل قاعات الامتحان؛ من ممتحَنين توفر لهم الهدوء النفسي والوقت للتصوير والنشر؛ ربما في انتظار جهات إسناد خارجية، متخصصة في المادة، سبق التنسيق معها من أجل الإجابة والتصوير والنشر.

ويظل الاحتمال واردا بأن تكون العملية برمتها قامت بها عناصر حراسة، منعدمة الضمير، ظلت محتفظة بهواتفها.

وبمراكز الامتحان، عدا أطقم الحراسة المباشرة، هناك لجان أخرى تتولى مهام إدارية مرتبطة بالامتحان، ويكون في وسعها الاطلاع على المواضيع، مباشرة بعد فتح الأظرفة. وقبل كل هذا، هناك مسار آخر، بحلقات تبدو محكمة، تقطعه المواضيع، بدءا من تسليمها، قصد الطبع، لإدارة الأكاديمية، من طرف المفتش المكلف بالمواضيع، بناء على عمل لجان متخصصة، إلى حين وصولها إلى مراكز الامتحان.

التسريب المشار إليه لرياضيات الشعبة العلمية بفاس يقع ضمن هذا المسار؛ الذي شهد سابقا ما يمكن نعته اليوم بتسريبات كلاسيكية تجاوزها “فيسبوكيون”، كما تجاوزت الهواتفَ هذه الأجهزة التواصلية الدقيقة، التي أضحت الشرطة تتعقبها، اليوم، في أسواق غشاشي البكالوريا.

أما نشر الإجابات فقصة أخرى لأنها تتطلب، إضافة إلى المهارات الرقمية المطلوبة، تخصصا في المادة، مما لا يتوفر غالبا إلا لأساتذتها ومفتشيها، مع الأخذ بالاعتبار، درءا للشبهة، انشغالهم بالحراسة والملاحظة وقت الامتحان.

إن الأمن الرقمي العام أصبح يشكل تحديا عالميا حقيقيا، تعاني منه كل الدول، وكل المؤسسات، حتى البالغة الحساسية، مهما تطورت استراتيجية الحماية وبرمجياتها؛ ومن هنا عبثية استثمار وزارة التربية في أجهزة التشويش والكشف عن الهواتف في محيط تعليمي، إداري وتلاميذي، طافح بالثغرات، ولا أدل على هذا من حكاية الجهاز غير المشغل، والأستاذ الذي شهد بهذا، وفي الوقت نفسه، شهد أنه رأى هواتف تُظهر أعناقها، حينما استدبر جهازٌ أريد له ألا يرى شيئا.

لعل الأستاذ، هنا -وقى نفسه الكثير من صداع الرأس، وربما حتى من هواجس طعنة سيف محتملة- معذور، خصوصا وهو يرى حتى الجهاز الذكي التزم الصمت.

وحتى لو ارتقى بحراسته إلى ما هو مقرر قانونا، وأنجز تقريرا، فهو لا يضمن أنه سيفعل إقليميا وأكاديميا؛ وفي الوقت نفسه، لا يضمن أن يكون الأمن بجانبه، حينما يغادر المركز. وحينما يتعلق الأمر بالأستاذات، وهن معذورات، فإن جميع الحواس تتعطل، ليرقص الغش الرقمي، وحتى الورقي المتجاوز، على هواه.

في وسط هذه بعض ملامحه التي يعرفها الجميع، يغدو كل استثمار في الذكاء الرقمي الأمني مجرد هدر للمال العام.

الغش في البكالوريا، وغيرها من الامتحانات، حلقة ضمن منظومة ثقافية كبرى، تشتغل في اتجاهات متعددة لتنتج، في النهاية، المواطن الغشاش الذي يمتعه المجتمع بكل أوصاف الشطارة، الدهاء والفروسية؛ وما شئت من أوصاف.

لا مناص من المقاربة الأمنية، لكن، يجب الارتقاء بها من مجرد التحدي الإلكتروني للممتحنين إلى مقاربة تشاركية، تساهم فيها أجهزة الوزارة، والأجهزة الأمنية الأخرى، وخصوصا التي أبانت عن كفاءة كبيرة في محاربة الخلايا الإرهابية النائمة واليقظة.

أليس تخريب البكالوريا، من إشاعة الفتنة العامة التي يشتغل عليها الإرهاب؟

طبعا ليس الحل في أطقم من الشرطة، بل في قوة الردع القانوني الحقيقي؛ المعزز بثقافة مجتمعية لا تهادن الغش، وتعتبر أن الحراسة الصارمة بطولة حقيقية، يجب إسنادها والتنويه بها.

لكن، قبل هذا كله، لا بد من الاشتغال على مضامين البرامج التعليمية في اتجاه الابتعاد بها عن اجترار المعارف واستظهارها في أوراق الامتحان، ثم نسيانها.

إن بناء آليات التفكير الاستنباطي الاستدلالي الاستقرائي أهم من المعرفة المدرسية في حد ذاتها. المنهج قبل العلم. ويحتاج هذا كله إلى جهود واستثمارات، لكنها، وبكل تأكيد، ستكون أفضل من الاستثمار في نزال رقمي محدود النتائج.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • KITAB
    السبت 18 يونيو 2022 - 13:42

    الأستاذ يعرض لقضية على جانب كبير من الخطورة ، كان حريا بمجلس النواب تدارسها بمعية الوزارة ، قضية “الغش وانعدام الوازع الوطني” هي ما يميز امتحاناتنا واختباراتنا ومراقباتنا ومبارياتنا وتصفياتنا … كما يغذيها ويدفع بها لتصبح واقعا متحدية الجميع انعدام الضمير كما أسماها الأستاذ ، وكأن هؤلاء وهم يعدون “بالجيوش” الذين يسهرون على إعداد الامتحانات مرورا بمراحل عديدة بدءا بالاقتراح ثم الدراسة والترشيح ثم التبني ثم لجان الاعتكاف ثم الاستنساخ ثم الحراسة فالتنظيم … فالتوزيع داخل قاعات الامتحانات ، حقيقة هي مراحل طويلة وشاقة ولكن تتخللها مساريب يمكن لأي كان من هذه الجيوش الجرارة القيمة على إعداد الامتحانات من ألفها إلى يائها أن يسربها إلى أهله أو للبيع والشراء ولسان حاله يقول ، ماذا منحتني المواطنة غير “الزلط وقلة ذات اليد” ، باعتقدي أن ظاهرة تسريب الامتحانات تصل أحيانا إلى”بائع الحمص والكاوكاو” قبل دخولها قاعات الامتحانات لها معنى واحد هو موت الروح الوطنية واقتصارها على عزف النشيد الوطني في مباريات كرة القدم ، القضية برمتها تربية وقيم ، وأين هي التربية والتربية على القيم ؟!سلمات

  • Salim
    الأحد 19 يونيو 2022 - 15:43

    اذا كان اعداد الامتحانات يحتاج الى جيش من الأساتذة والاطر التربوية فإن تامينها على حد طلب كاتب المقال يحتاج الى جيشين من عناصر الأمن . الاحرى ان يتم التخلي عن كثرة الامتحانات التي أصبحت تفوق عدد الحصص الدراسية و الاكتفاء بامتحان اشهادي واحد عند نهاية كل طور دراسي : ابتداءي – اعدادي – ثانوي

  • Amaghrabi
    الأحد 19 يونيو 2022 - 15:54

    مع الاسف المسؤولون المغاربة والمسلمون بصفة عامة تصدمهم الحضارة العصرية وتشتت وسائلهم المعتادة واهدافهم المنتظرة ,بحيث سرعة نقل الخبر شتت الحديث المعتاد صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته والمواطن اليوم يسمع الخبر في دقيقة بان السعودية صامت والعرب كلهم تقريبا صائمين والرؤية في المغرب لم تثبت,فما العمل ؟هل نلغي الحديث المعمول به أم ماذا؟التردد والانقسام هو السائد؟اليوم النقل في الامتحانات باستعمال الهواتف اصبحت ظاهرة عالمية يتعامل معها العالم باسره بطرق مختلفة وبحزم ولكن لا تصبح ظاهرة خطيرة تصل الى البرلمانات والى حديث المجتمع ووو.لماذا هذه الظاهرة ترهق المجتمعات الاسلامية والعربية وخاصة المغرب والجزائر التي قطعت التواصل بالهاتف يوم الامتحان واصبحت اضحوكة في العالم,اليس هناك طرق فعالة تصل اليها وزارة التعليم لتقليص الظاهرة ان لم اقل القضاء عليها؟صراحة الاختراع في مجال الاتصال اصبح نقمة للدول التي لا تساير التطورات العصرية في جميع المجالات الفكرية والتقنية والعلمية والسياسية والتربوية وووو وماذا عسايا اقول لكثير من المغاربة والمسلمين الذين يتمنون ان تعود وسيلة “الفلقة” الى مدارسنا العصرية

صوت وصورة
طلبة الجامعات أمام تحديات المعيشة
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 11:28

طلبة الجامعات أمام تحديات المعيشة

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 3

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء