إتقان اللغة الألمانية يمهد لهجرة "أطباء الغد" في سوريا

إتقان اللغة الألمانية يمهد لهجرة "أطباء الغد" في سوريا
صورة: أ.ف.ب
الأربعاء 15 مارس 2023 - 12:58

داخل مركز صحي يعمل فيه متطوعا، يتصفّح طالب الطب محمّد حسن شاشو كتباً باللغة الألمانية ومقاطع فيديو على الإنترنت للتأكد من كيفية نطق الكلمات، آملاً أن يبلغ مستوى يخوّله السفر إلى ألمانيا لإتمام دراسته والعمل.

مع اندلاع النزاع الذي يقترب من بدء عامه الثاني عشر، باتت ألمانيا تحديداً حلم المئات من طلاب الاختصاصات الطبية لينخرطوا في سوق العمل فيها، وهو ما يفسّر ارتفاع عدد المراكز التعليمية التي تدرّس لغتها في سوريا من مركز واحد قبل اندلاع النزاع في 2011 الى أكثر من ثمانين مركزاً اليوم.

يقول شاشو (23 سنة)، الطالب في السنة السادسة في كلية الطب في دمشق، لوكالة فرانس برس، إن “اللغة الألمانية صعبة للغاية، خصوصاً أن تدريسها في سوريا لا يتمّ من قبل ناطقين أصليين بها”.

ويُضيف بينما يجلس قرب بحرة تتوسط المركز الصحي المقام في بيت عربي تقليدي أن تعلم هذه اللغة “يستحق هذا العناء والتعب الذي سيتلاشى مع أول خطوة أخطوها في ألمانيا”.

خلال سنوات النزاع، وجد السوريون أنفسهم أمام أبواب موصدة لناحية الحصول على تأشيرات سفر إلى غالبية دول العالم، خصوصاً الأوروبية، مع بدء تدفّق موجات اللاجئين الفارين من المعارك والقصف.

لكنّ الأطباء شكلوا استثناء مع تمّكنهم من الحصول على تأشيرات سفر، لا سيما إلى ألمانيا، وفق شروط معينة يمكن تحقيقها، أبرزها التمكّن من مستوى مرتفع نسبياً من اللغة الألمانية. ويجدر بالراغبين بتأشيرة إلى ألمانيا التوجه إلى بعثاتها الدبلوماسية في لبنان أو الأردن أو أربيل لغياب التمثيل الألماني في سوريا.

يستغلّ شاشو مع زميله في الكلية جعفر مصطفى أوقات الفراغ لمراجعة دروسهما باللغة الألمانية. ويحاولان التحدّث بها طوال الوقت كي يتدرّبا على النطق، وليحفظا المفردات سريعاً.

يقول مصطفى لوكالة فرانس برس: “كل من أعرفهم من أصدقائي، إما سافروا أو يستعدون للسفر أو يدرسون قرار السفر” على وقع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة في البلاد التي استنزفتها سنوات الحرب وأنهكت مقدراتها.

ويتابع الشاب: “لماذا ألمانيا؟ لأنها الوجهة الأسهل والأضمن”، معتبراً أن “شهادتها قوية وهناك عدد كبير من السوريين فيها، لذا لن أشعر بالغربة”.

80 مركزاً

في معهد المركز العربي، أحد أقدم معاهد تعليم اللغات الأجنبية في دمشق، تسجّل أكثر من ألف طالب العام 2022 لتعلّم اللغة الألمانية، نحو سبعين في المئة منهم من الاختصاصات الطبية، وفق ما يشرح مدير المعهد، عبد الله صالح، لوكالة فرانس برس.

ويوضح أنه قبل اندلاع النزاع، انصبّ إقبال الطلاب على تعلّم اللغتين الفرنسية والإنجليزية، لكنّ الأمر تغيّر تباعاً منذ 2013.

ويشرح: “كان معهد غوته في دمشق الوحيد المتخصّص في تعليم اللغة الألمانية ويلبّي الحاجة بشكل كامل، أما اليوم فهناك أكثر من ثمانين مركزاً ومعهدا، ويحتاج الطلاب إلى تسجيل مبكر ليحجزوا مقاعدهم”.

داخل إحدى قاعات المعهد، يتابع المدرّس عمر فتوح، المجاز في الأدب الألماني من جامعة دمشق، مع طلابه درساً جديداً، ويدرّب عدداً منهم على كلمات طبية متخصّصة.

ويشير فتّوح، الذي يمضي يومه متنقلاً بين معهد وآخر ويلتقي نحو مئة طالب يومياً، إلى أنّ المتعلمين يتوزعون “بين طالبي لمّ الشمل من العائلات وبين طلاب أغلبهم في الاختصاصات الطبية”.

ويعيش في ألمانيا حالياً نحو 924 ألف سوري مقارنة مع 118 ألفاً نهاية العام 2014، وفق مكتب الهجرة واللاجئين الذي سجّل أكثر من 700 ألف طلب لجوء من سوريين في ألمانيا منذ 2015.

ومنحت ألمانيا في العام 2020 تسهيلات لوصول العمال الأجانب “المؤهلين” إلى أراضيها استجابة للنقص الحاصل في اليد العاملة الماهرة.

وبحسب التقرير السنوي الصادر العام 2022 عن مجلس خبراء المؤسسات الألمانية للاندماج والهجرة، ثمة “حاجة خاصة للعاملين المهرة في قطاع الرعاية الصحية والاجتماعية”.

في نهاية 2021، مارس نحو 5404 أطباء سوريين المهنة في ألمانيا، وشكلوا المجموعة الأكبر من الأطباء الأجانب الممارسين في البلاد، وفق نقابة الأطباء الفدرالية، متفوقين على رومانيا ثم اليونان والنمسا.

“صافرة إنذار”

في سوريا، لم يسبق أن أعلنت السلطات إحصاءات عن عدد الطلاب الذين يهاجرون سنوياً، لكن مسؤولين ونقابيين يتحدثون في مقابلات صحافية عن نزيف في عدد الأطباء، سواء الخريجين الجدد أو الممارسين الذين تتوافر لهم فرص عمل برواتب مرتفعة في الخارج.

وقالت معاونة وزير التعليم العالي، فاديا ديب، في حديث لإذاعة محلية في ماي 2022، إن هجرة الأطباء “أمر واقع وحقيقي، نتيجة الظروف الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد”.

وتحدّثت عن “اختصاصات أصبحت مفقودة ونادرة مثل الأورام، والعلاج الفيزيائي، والأشعة والتخدير”.

إزاء النزيف الحاصل، تختلط مشاعر العميد السابق لكلية الطب في جامعة دمشق، الدكتور نبوغ العوا، (69 عاماً) بين القلق على مستقبل الطبابة في سوريا وبين حزنه لسفر الجيل الجديد من الأطباء والممرضين.

ويقول الأستاذ المحاضر في الكلية منذ ثلاثة عقود لوكالة فرانس برس: “يُحزنني أن نفقد طلابنا وأبناءنا، إذ من المفترض أن يتسلموا الراية التي حملناها”.

ويضيف: “أرى طلابي يبدؤون بتعلم الألمانية منذ سنوات دراستهم الأولى، وهذه صافرة الإنذار الأولى التي أتلقاها منهم، وأول إِشارة إلى أنهم في طريقهم إلى السفر”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • بوشويكة من المغرب
    الخميس 16 مارس 2023 - 14:07

    نعم
    السوريون يحلمون بألمانيا وكذلك
    40 مليون أوكراني يريدون العيش في ألمانيا
    25 مليون أفغاني يريدون العيش في ألمانيا
    25 مليون عراقي يريدون العيش في ألمانيا
    25 مليون سوري يريدون العيش في آلمانيا
    500 مليون إفريقي يحلمون بالعيش في ألمانيا

    هذه المشاكل لكثرة اللاجئين دفعت الألمان للهجرة إلى دول أخرى
    كل سنة يهاجر تقريبا مليون ألماني
    صاحب شركة أو دو تكوين جامعي عالي
    يهاجرأي من يخلق فرص عمل ويبتكر
    هذا يعني أن ألمانيا
    الإنسان الذكي المخترع المنتج و صاحب تكوين جامعي عالي يهاجر
    وبالمقابل يهاجر إليها المزلوطين من أوروبة الشرقية
    و اللاجئين من سورية العراق أفغانستان الأكراد ومؤخرا
    الأكرانيين بالملايين .
    تبدل شعب منتج بشعب يبحث عن حياة أفضل هارب من الحروب

صوت وصورة
أزمة النقل في أورير وتامراغت
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 23:30 1

أزمة النقل في أورير وتامراغت

صوت وصورة
ملعب هسبريس | لسعد الشابي
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:30

ملعب هسبريس | لسعد الشابي

صوت وصورة
أول الفهم | مصطفى المعتصم
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:00 2

أول الفهم | مصطفى المعتصم

صوت وصورة
أساتذة التعليم الأولي يحتجون
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 19:15 4

أساتذة التعليم الأولي يحتجون

صوت وصورة
مضامين التزامات حكومة المنصوري
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 18:38 8

مضامين التزامات حكومة المنصوري

صوت وصورة
المنصوري تمد يدها للأغلبية والمعارضة
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 16:44 6

المنصوري تمد يدها للأغلبية والمعارضة