الدروس الحسنية‎‎

الدروس الحسنية‎‎
أرشيف
الثلاثاء 2 ماي 2023 - 08:50

تعتبر الدروس الحسنية امتدادا لإرث تاريخي دشنه السلاطين العلويون، حيث كانوا ينظمون هذه الدروس الدينية في شهر رجب وشعبان ورمضان، قبل أن يتم التوقف على العمل بها في عهد الحماية. لكن بعد حصول المغرب على استقلاله، تمت العودة إلى تنظيمها في بداية عهد الملك الحسن الثاني لأهداف سياسية داخلية ليتم الحفاظ عليها في عهد الملك محمد السادس كآلية من آليات دبلوماسيته الدينية.

ترسيخ الشرعية الدينية

شكلت الدروس الرمضانية في عهد الملك الحسن الثاني آلية دينية لاحتواء الفكر اليساري الذي تبنته بعض القوى المعارضة لنظام حكمه، وكذا آلية سياسية لمواجهة الإيديولوجية القومية التي كانت تتبناها أنظمة انقلابية التي ترغب في الإطاحة بحكمه المتمثلة على الخصوص في النظام الناصري بمصر ونظام القذافي بليبيا والنظام البعثي بسوريا. وبالتالي حرص الملك الحسن الثاني على ترؤس هذه الدروس الرمضانية بحضور مختلف مكونات النخبة السياسية من مستشارين ووزراء ورئيسي مجلسي البرلمان وكبار قادة الجيش وباقي الشخصيات العلمية والثقافية وأعضاء السلك الديبلوماسي. حيث كان يتم في بداية هذه الدروس التي يتم افتتاحها، بإشارة من الملك، بتلاوة آيات قرآنية وختمها بالدعاء من طرف الملك والصلاة والسلام على “سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم”. الشيء الذي كان يتغيا منه تعزيز صفة الملك كأمير المؤمنين كما كان ينص على ذلك الفصل 19 من دستور 1962 من “أن جلالة الملك هو أمير المؤمنين وحامي حما الملة والدين”. كما أن استضافة عدد من علماء الأمة الإسلامية باختلاف مذاهبهم واختلاف تياراتهم الفكرية والسياسية للمشاركة في الدروس الحسنية كان يهدف بالأساس إلى الحرص على إظهار وترسيخ وحدة الأمة العربية والإسلامية، بقيادة الملك كأمير المؤمنين الذي يتميز بكونه الزعيم العربي الإسلامي الوحيد الذي يتمتع بهذه الصفة الدينية من بين كل رؤساء وملوك الدول الإسلامية والعربية بما فيها ملك السعودية الذي كان يحمل لقب خادم الحرمين رغم أن بلاده تعتبر محج كل المسلمين سواء للحج أو العمرة. بالإضافة إلى ذلك حرص الملك الحسن الثاني خلال هذه الدروس على فتح النقاش حول مضامين بعض المحاضرات التي ألقاها بعض العلماء المسلمين في حضرته لإظهار وجهة نظره في ما يتعلق ببعض مواضيعها للتأكيد على أن السلاطين العلويين، في شخصه، متشبثون بكتاب الله وسنة نبيه وكذا إبراز سعة علمهم وفقههم وضبطهم لتعاليم الدين الإسلامي.

وهكذا كانت “الغاية الإشعاعية للدروس الحسنية عبر تاريخها تظهر جليّا في هيمنة للعلماء المشارقة والأجانب على إلقاء الدروس الدينية والفكرية بها بالمقارنة بحضور العلماء المغاربة، مما يعبّر عن رغبة الدولة في جعل سلسلة الدروس الحسنية مناسبة للإشعاع الديني للمغرب وبالأخص في إبراز الزعامة الدينية لعاهل البلاد”. في حين صارت الدروس الحسنية في عهد خلف الملك الراحل الحسن الثاني من أهم المناسبات الدينية الرسمية في توجيه الحياة السياسية والدينية المغربية من خلال الوظيفة المنبرية التي يؤديها الدرس الافتتاحي لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، والذي غالبا ما يحظى باهتمام النخبة الدينية والسياسية الوطنية، نظرا لأهمية الأجوبة والإشارات التي يقدمها الوزير حول أبرز القضايا الشائكة المطروحة للنقاش العمومي في الساحة السياسية والفكرية. “فبالمقارنة مع الدروس الافتتاحية التي كان يلقيها الوزير الراحل عبد الكبير العلوي المدغري، تتميّز الدروس الافتتاحية الملقاة من قبل أحمد التوفيق بطابعها السجالي أكثر مع ما يطرح في النقاش العمومي من آراء ومبادرات سواء من التيار الإسلامي أو العلماني، كما أن خطاب أحمد التوفيق يجمع في توليفة متناغمة بين اللغة الصوفية المغرقة في عالم الإشارات والتقليد وبين الاستدلال النظري بأعلام الفكر الغربي في الفلسفة والتاريخ والسياسة. مما يجعل المتتبع أمام درس ترافعي كلّه إشارات وتنبيهات في سبيل الانتصار لخصائص “الإسلام الرسمي” وفق قراءته التوفيقية (نسبة للوزير)”.

آلية للدبلوماسية الدينية

قام الملك محمد السادس منذ توليه الحكم بإعادة هيكلة الحقل الديني لاحتواء مظاهر التطرف الديني والسياسي الذي شهده المغرب في بداية الألفية الثانية، حيث تم بالإضافة إلى إعادة هيكلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والمجلس الأعلى للعلماء والمجالس العلمية الجهوية، العمل على خلق مجموعة من المؤسسات الدينية كإطلاق قناة محمد السادس للقرآن الكريم، وكذا إحداث معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات… لكن إلى جانب ذلك، عمل الملك محمد السادس على توظيف الدروس الحسنية في دبلوماسيته الدينية خاصة في بعديها الإشعاعي والدولي.

بدا التوجه الدبلوماسي واضحا في السياسة الدينية للملك محمد السادس، حيث ظهر ذلك على سبيل المثال في إحداث مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، وكذا إحداث مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف، حيث تمت طباعة ونشر المصحف المحمدي في كافة المساجد المغربية وكذا توزيعها على مساجد بعض الدول الإفريقية خلال الزيارات الملكية لهذه الدول. كما حافظ الملك في هذا السياق، على الدروس الحسنية مع الإبقاء على تسميتها الأصلية للاستفادة من رصيد الديني والإشعاعي ليتم توظيفها ضمن هذه الدبلوماسية الملكية. إذ تشكل هذه الدروس الحسنية، التي يستدعى لها ممثلو السلك الدبلوماسي العربي والإسلامي المعتمد في المغرب قناة رسمية وعملية لنقل تقارير عما ما يجري داخل المجلس إلى العديد من الدول الإسلامية سواء بآسيا أو بإفريقيا أو بالمنطقة العربية. كما أن استضافة العديد من الشخصيات العلمية والثقافية وأصحاب الفكر والرأي، وعدد من العلماء والفقهاء وممثلي الطرق الصوفية من خارج المغرب ومن مختلف القارات سيشكل بدورة قناة غير رسمية لنقل ما يجري خلال إلقاء الدروس الحسنية. ولعل هذا ما يفسر الاستقبال الذي يخصصه الملك بعد اختتامه لكل درس حسني لهذه الشخصيات الدينية والعلمية التي يقدمها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية للملك وفق مراسيم خاصة، حيث تقوم بالسلام على الملك وإهدائه بعض إصداراتها العلمية والدينية مما يعكس بشكل كبير هذا البعد الدبلوماسي في السياسة الدينية الخارجية للمملكة.

الإشعاع الديني للدروس الحسنية

استطاع المغرب من خلال الدروس الحسنية أن يواجه التطرف والإرهاب، حيث شكلت الدروس الحسنية بما أصبح لها من إشعاع دولي وإقليمي نقل نموذج مغربي عصري عن الدين الإسلامي السمح والإقناع بأن الإسلام هو دين وسطية واعتدال مصداقا للمقولة القرآنية: “وكذلك جعلناكم أمة وسطا” ولعل هذا ما دفع إلى إشراك ابعض العالمات لإلقاء بعض المحاضرات خلال الدروس الحسنية في إشارة إلى الدور المحوري للمرأة في الإسلام وكذا على العناية المولوية السامية بالمرأة المغربية. فقد عرفت الدروس الحسنية في عهد الملك محمد السادس تطورا على مستوى التجديد التنظيمي والانفتاح السياسي. فعلى المستوى التنظيمي شهدت هذه الدروس في سابقة من نوعها منذ تأسيسها إشراكا للمرأة العالمة والمثقفة الدينية، من خلال مساهمة رجاء ناجي المكاوي الأستاذة الجامعية في القانون الخاص بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط والعضو بالمجلس العلمي الأعلى في رمضان لسنة 2003 بدرس حسني حول الأسرة بعنوان “كونية نظام الأسرة في عالم متعدد الخصوصيات”، ثم لتليها مشاركة فريدة زمرد الأستاذة بدار الحديث الحسنية في رمضان سنة 2005 بإلقاء درس بعنوان “المرأة في القرآن بين الطبيعة والوظيفة” والقاضية السعدية بلمير، عضو بالمجلس العلمي الأعلى، بموضوع “حركة التقريب بين المذاهب: منطلقاتها وآفاقها المستقبلية” في رمضان 2006، بالإضافة إلى درس ألقته زينب العدوي سنة 2007 بعنوان “حماية الأموال العامة في الإسلام” ليصبح حضور المرأة في هاته الدروس عرفا ساريا يتساوق مع الانفتاح الرمزي والقانوني والسياسي التي تشهده البلاد في تدبير قضية المرأة على الصعيد العربي والإسلامي.

وهكذا دخلت هذه الدروس منعطفا جديدا منذ تولي الملك محمد السادس العرش، ليس فقط بإشراك المرأة المغربية في إلقاء الدروس وحضور مجالسها إلى جانب العلماء ورجال الدولة، والتخلي عن عدد من الطقوس التي رافقت هذه الدروس من قبيل فتح النقاش حول مضمونها، والتخفيض من عدد الدروس الملقاة خلال شهر رمضان الكريم ليستقر عددها في سبعة دروس خلال الشهر الكريم، بل أيضا في فتح هذه الدروس في وجه جميع العلماء والفقهاء بغض النظر عن مذاهبهم وتوجهاتهم الفكرية، سنية كانت أم شيعية، وكذا أمام مشايخ الصوفية، الذي تزايد دورهم في زخم تزايد نشاط الحركات الجهادية والمتطرفة في مختلف بقاع العالم. من هنا تم الحرص على إلقاء هذه الدروس الحسنية من طرف علماء مغاربة وعلماء من مختلف بقاع العالم (الشرق الأوسط، إفريقيا، أوروبا، أمريكا…). ولعل مما يبرز الطابع العالمي الذي أصبح يميز الدروس الرمضانية السنوية التي يترأسها الملك محمد السادس، رغم توقفها المؤقت بسبب تداعيات جائحة كورونا، الحضور اللافت لممثلي الأقليات الإسلامية ورموزها من مختلف القارات الخمس وكذا قيام وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بترجمة سلسلة الدروس الحسنية إلى اللغات العالمية الرئيسية، كالفرنسية والإنجليزية والإسبانية وطبعها ونشرها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • الدروس الرمضانية
    الخميس 4 ماي 2023 - 02:16

    الدروس الرمضانية لم تتوقف في عهد الحماية
    بل عرفت تطورا كبيرا وإقبالا ملحوظا……..

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 1

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''