تملكني شعور غريب وأنا أستمع للكلمة التي ألقاها وزير الثقافة (محمد الأشعري) في حضرة الفنانين المغاربة وهم يتنظمون بمسرح المحمدية، خاصة لما أخذ معاليه يتشدق بالإنجازات التي تحققت للفنانين في عهده، وعن الحرية والكرامة التي تنعم فيها الأسرة المسرحية في ظله، وما إلى ذلك من ألوان الطيف التي لازمت فصول خطبة الوزير المدلل في حكومة جطو.
استغربت لما وجدت الرجل يتحدث بثقة زائدة ويسرد روايات لا علاقة لها بالواقع بتاتا، فأي حرية يقصدها الوزير، وجميع أعمالنا المسرحية أصبحت تخضع للمراقبة القبلية عبر مجهر لجنة الدعم المسرحي التابعة لوزارته مقابل دراهم معدودات، حيث يجتهد المقص السحري للجنة التي يرأسها معالي الوزير في إقصاء جميع الإبداعات المسرحية التي تخالف سياسة وثقافة الوزير، وللمتتبع للمشهد المسرحي الوطني أن يتأكد بأن جميع العروض المسرحية التي تروج الآن بتراب المملكة، هي المستفيدة من دعم الوزارة، بمعنى أنها خضعت لميزان المراقبة القبلية من طرف جنود “الأشعري” أم أن معالي الوزير يقصد بالحرية تلك المساحة المسموح بها من قبل وزارته للفنانين المسرحيين؟
من جانب آخر ودائما في إطار الحرية التي تشدق بها الوزير الأشعري في حضرة الفنانين المغاربة، فإن جميع الأعمال الدرامية المغربية سواء التلفزيونية أو السينمائية يتم إنتاجها من طرف الدولة المغربية عن طريق القنوات التلفزية (الأولى والثانية) أو المركز السينمائي المغربي، بما يعني أن المبدعين المغاربة على اختلاف انتماءاتهم الفنية، لا يمكنهم تجاوز الخطوط المسموح بها من طرف الدولة طالما أنها هي “مول الشكارة”، هذه الحجج الواقعية تكذب إلى حد كبير مزاعم الوزير، فيما ذهب إليه من وصف للحرية التي ينعم بها المبدعون المغاربة، ثم أي كرامة يمكن الحديث عنها في ظل الأوضاع البئيسة التي يحيا عليها المبدعون والفنانون الشرفاء.
ما يبعث على الاستغراب أيضا، أنه لما كان الوزير ينطق باسم “الحرية والكرامة” كان بين الفينة والأخرى يهتف فنان (غادي بالمقلوب) بفرنسية إيقاعها عربي قديم (برافو) ويقف صارخا بقوة (برافو) وبما أنه كان يتصرف بطريقة غير مألوفة أثار انتباه الحضور، مع العلم أن عرضه الوحيد أن يثير انتباه الوزير، فاستغربت لما يقوم به هذا المسرحي الشيخ، من حركات بهلوانية في حضرة جموع الفنانين المغاربة، لكن دهشتي لم تطل كوني سمعت من بين الحضور همهمات تفيد أن فنان (الدنيا بالمقلوب) يستفيد من امتياز “كريمة” على عهد إدريس البصري، لذلك كان يتنطط لعل الأشعري يتوسط له في الحصول على امتياز آخر، فاستمر في تهريجه رغم كبر سنه يتفوه بكلمات لا تناسب سنه بالمرة، وهو الأمر الذي دفعني إلى السؤال عن الكثير من الفنانين المغاربة الذين يتباكون باستمرار أمام الجمهور وفي الأوساط الفنية مع أنهم ينعمون بامتيازات ما أتى الله بها من سلطان، جادت عليهم بها سياسة الراحل الحسن الثاني، وامتدت بعضها إلى أيام الملك محمد السادس، بل منهم من لا زال ينهل من الممتلكات والأموال العمومية، ومع ذلك تجدهم يهرولون في جميع الاتجاهات وعلى جميع المستويات بحثا عن المزيد من الامتيازات، في حين يقف الفنانون الشرفاء موقف المتفرج، يتابعون أطوار المسرحية بحثا عن فرصة عمل نظيفة، وظروف عمل مواتية عملا بالحكمة الرائجة (إن لم تستحي فافعل ما شئت؟) !
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.