استقالة الأسرة من دورها التربوي والتعليمي...

استقالة الأسرة من دورها التربوي والتعليمي...
الجمعة 1 يوليوز 2016 - 18:40

لا شك أن دور الأسرة أساسي في العملية التربوية و التعليمية السليمة للناشئة، فالتلميذ(ة) يقضي في منزله و رفقة أسرته مدة أكبر من التي يقضيها في فضاء المؤسسة التعليمية، و يعتبر دور كل من الأم و الأب أو ولي الأمر النواة الأساسية لتربية و تنشئة الأطفال و إعدادهم للتمدرس. لكن الظواهر والسلوكيات الدخيلة على قطاع التعليم من عنف مدرسي متبادل، و عدم احترام الغير، و عدم القيام بالواجبات المدرسية، و عدم إحضار الأدوات المدرسية اللازمة للمشاركة الفعالة في العملية التعلمية، و اختلاق قصص عن وضعيات صعبة في الأسرة لتبرير الغياب أو عدم القيام بالواجبات المدرسية، أو حتى ضياع وقت الإعداد القبلي من طرف التلميذ(ة) في المنزل و الاقتصار على ساعات التعلم في المؤسسة التعليمية. كل هذا و غيره من الظواهر يحيلنا إلى ظاهرة خطيرة وهي: غياب شبه تام لدور الأسرة في العملية التربوية. تبدو هذه الظاهرة جلية في الوسط القروي بوجه خاص، و في الأوساط التي تشتكي من عدم تعلم الأبوين أو أولياء الأمور و قلة وعيهم بالدور المنوط بالأسرة، وحتى في الأوساط المثقفة و ذلك لضغوطات الحياة المعاصرة و متطلباتها، وظهور انشغالات جديدة تستحوذ على القسط الأكبر من أوقات الآباء، فتجدهم قد قدموا استقالتهم من الفعل التربوي، واكتفوا بتوفير المتطلبات المادية للطفل(ة) متجاهلين الدور التربوي المنوط بهم و هو كما جاء في الميثاق الوطني للتربة و التكوين : ” 16 -على الآباء والأولياء الوعي بأنالتربویة الأولى التي تؤثر إلى حد بعيد في تنشئة الأطفال سيرورتهم الدراسية والمهنية بعد ذلك.

وعليهم كذلك تجاه المؤسسة المدرسية واجب العنایة والمشاركة في التدبير والتقویم وفق ما تنص عليه مقتضيات الميثاق.”

لكن الواقع يحكي شيئا آخر، و نتلكم هنا عن الوسط القروي بوجه خاص و ساكني الأحياء الهامشية في الوسط الحضري، حيث تتفشى الأمية و الفقر و التهميش، تجد التلميذ(ة) ما إن يعود إلى البيت حتى يضع محفظته و يتوجه نحو التلفاز، لمشاهدة مسلسلات تفوق سنه بكثير، يتعلم منها كل ما من شأنه تخريب علاقاته الاجتماعية، و تكرس في نفسه سلوكيات سيئة كالعنف، و الشتم، و الخيانة و السرقة، و سلوكيات أخرى غير سوية دينيا و أخلاقيا، كشرعية العلاقات الغير الشرعية-حسب ما يروج له في المسلسلات الدخيلة على الثقافة المغربية- و اعتياد اختلاط الأنساب، و ما إلى غير ذلك من الأخلاق السيئة التي تترسخ في نفسية الطفل، و نجد سيناريو آخر في الأوساط المثقفة، حيث ينشغل الأبوان بالعمل و الإبحار في الشبكة العنكبوتية، و الطفل يقضي وقته مع الألعاب الإلكترونية أو الأيباد و الحاسوب، دون استغلاله في التعلم بل في ألعاب العنف و السيارات و القتل و غيرها والتي تساهم بشكل كبير في ظهور العنف في سلوكيات الطفل(ة) و في تشتيت الذهن و تترتب عنها مشاكل التركيز في غياب تام لدور الأسرة سواء في نهي الطفل(ة) عن مشاهدة هذا النوع من المسلسلات او الابتعاد عن هذا النوع من الألعاب الإلكترونية لما لها من أضرار نفسية ، أو متابعته للقيام بالواجبات المدرسية، أو مراقبة محفظته و سؤاله عن ما درسه أو ما المطلوب إنجازه من واجبات أو مراجعة ما درسه اليوم، أو ملاحظة السلوكيات الغير سوية التي بدأت تظهر على الطفل(ة). حتى و إن كانت الأم أو الأب أو ولي الأمر غير متعلمين، فهذا لا ينفي دور المراقبة و المتابعة، و السؤال من حين لآخر عن التلميذ(ة) في المؤسسة التعليمية، و ذلك للتواصل و تكثيف الجهود و الاتفاق حول طريقة التعامل المناسبة مع سلوك معين ظهر على التلميذ(ة).

يجب على الأسرة ان تعود لممارسة دورها الأساسي في العملية التربوية و التعليمية، و أن تكون على تواصل دائم مع المؤسسة التعليمية. ذلك لما يخلفه هذا التعاون و التكامل في الأدوار من صالح لتربية و تنشئة جيل المستقبل، أطفالنا هم كنز الغد و وطننا في حاجة لرجال و نساء مستقبل على درجة عالية من الوعي و الثقافة و المعرفة. ليواكبوا التطور العالمي و ليحققوا تنمية بلادنا و الرقي المنشود. لا تبخلوا عليهم بالتربية و لا بالتعليم، فهم من سيحملون المشعل بعدكم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • السمار
    السبت 2 يوليوز 2016 - 11:44

    وهناك ايضا من يسعى الى اسلمة المناهج التدريسية حتى اصبحنا نمر امام مدرسة ولا نسمع سوى ترتيل القران طوال النهار. فقد نجحوا في خلق اجيال لا تفكر تومن ب"المكتاب" وبان الاسلام هو احسن دين وبان الديانات الاخرى زبل يجب محاربة وعدم معاشرة معتنقيها وبان الحل لكل مشاكلنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هو تطبيق الاسلام . اذن ليس فقط يا استاذة مهمة الاباء فقط . وشكرا لكم

  • Salah-Salah
    السبت 2 يوليوز 2016 - 12:16

    قال أحد الفلاسفة :" الكتب سعادة الحضارة ، بدونها يصمت التاريخ ويخرس الأدب ويتوقف العلم ويتجمد الفكر والتأمل " . ونحن وأبناءنا ابتعدنا كثيرا عن الكتب فتوقف كل شيء وانهار كل شيء .

  • السلاوي
    السبت 2 يوليوز 2016 - 13:25

    ايضا الدولة اثناء حكم الحسن الثاني ومحاولتها تدجين المجتمع ومحاربة الفكر التنويري التقدمي سمح وقوى الجماعات الدينية الوهابية للسيطرة على قطاع الدي ياتي منه -صداع الراس- الا وهو التعليم فسمح لملايين الكتب والكتيبات والاشرطة الدينية الوهابية بالدخول الى المغرب وتم بيعها باثمان بخسة وغالب الاحيان بالمجان وتم الترخيص للوهابيين بالاستثمار في بناء المساجد وغرس الفكر التكفيري في مجتمعنا.حينها قال الاستاد جسوس باننا بصدد خلق اجيال من الضباع . وهو ما نحياه الان فليست فقط مسؤولية الاباء لانهم هم ايضا تم غسل ادمغتهم بالافكار البالية الاتية من الشرق

  • الصقلي
    الأحد 3 يوليوز 2016 - 16:10

    لم ياسيدتي الطفل في الغرب يشاهد تلك المسلسلات التي تسميها دخيلة على ثقافتنا ويشاهدها من حين لاخر ولا اشكال يطرح . ثقافتنا هي المشكل وهي التي لم تعطنا ومند 15 قرن سوى القتلة والتكفيريين والعاجزين والاتكاليين ومحبي الخمول ومحتقري المراة . فالمشكل اعوص من القاءه على ما ياتينا من الغرب .فحبدا لو تشتبتنا مائة في المائة بثقافة الغرب . كنا سنكون احسن. هدا رايي الخاص وبعد سنوات من التمحيص والنقد الداتي والمقارنة الجادة والهادئة

  • غريب وطن
    الأحد 3 يوليوز 2016 - 21:53

    فعلا هو فشل على كل الأصعدة وما فشل المنظومة التعليمية وتعترها في الإصلاح إلا من نتيجة فشل دور المجتمع بتركيباته وطبقاته وعاداته وتقاليده وأساليب تعايشه مع كل مشاكل الوقت وكل ما رتبه له الاقدار الئلاهية وما يؤمن به والأقدار السياسية بالأيادي الخفية وما سطرته له في الحياة وقد أفقدته عقله وفكره وجعلته يتخلى بدوره عن التربية. بل أهملها ولم يعبأ حتى بما يجري حول إشكالية التعليم إلا بما يتقاطفه من أخبار حول إصلاح لم ينصلح رغم عدة محاولات باءت بالفشل ولا ندري لماذا ؟ فهل بقي هناك بصيص أمل لاسترجاع دور الأسرة في التربية والتعليم ؟ فمن سيربي ويعلم من ؟ وبأية مناهج وبرامج وأدوات وطرق تربوية سيكون ؟ إن نظامنا التعليمي متخلف لعقود على الركب. وما فشل التربية في المدرسة والأسرة إلا انتكاسة ومزيد من التخلف والفشل.

  • المصطفى
    الأحد 3 يوليوز 2016 - 23:41

    تحتاج الكتابة إلى الكثير من العمق والقدرة على التفسير، فالظواهر والقضايا لاتمتلك إلا بالفهم والدقة والتصورات النظرية التي تستند إلى مشروعية علمية وأدوات تحقق النفاذ إلى الأسباب. ومن الأفضل تجنب الإنشاء والكلام الذي لا تعضده أية منهجية علمية أو أي تصور نظري واضح ودقيق

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام