الأكاديمي لحجمري يقارب فن التزام الصمت.. "بيداغوجيا الاحتراز من الكلام"

الأكاديمي لحجمري يقارب فن التزام الصمت.. "بيداغوجيا الاحتراز من الكلام"
صورة: هسبريس
الأحد 24 شتنبر 2023 - 02:30

كتب دينوارت Dinouart كتابا عام 1771 أعيد نشره مرات عديدة؛ كان المؤلِّف معارضًا شرسًا لفلسفة التنوير، أما فائدة كتابه فلا تكمن في هذه المعارضة، وإنما في كيفية تفكيكه فن الصمت والإطراء عليه؛ يحمل هذا الكتاب الصغير عنوان: “فن الصمت في أمور الدين خاصة” وهو عنوان يتسم براهِنيّة مُدهشة.

ألسنا نقرأ هذه الأيام كثيرا من مقالات عن الدين تكتسحها فيما بعد تعليقات تحجب عنا كل فهم للنص الأساس، إن لم تكن تعتمه؟ هذا التضخم في الحديث عن الدين ينسحب أيضا على السياسة، والاقتصاد، والفن، والثقافة، الشيء الذي يدعو إلى القول إن هناك نوعا من لهف “أُكّال” (بتعبير المؤلف) باعث على الكلام والكتابة على حد سواء، والحال أن “أولى مقامات الحكمة تقتضي لزوم الصمت، فيما يستلزم المقام الثاني المعرفة بالتكلم قليلاً مع اعتدال في الخطاب، على أن يتم في المقام الثالث التمكن من الاسترسال في الكلام، دونما إكثار أو إرسال له على عواهن قد تلحق أذى، هكذا، يكون الصمت مكوّنا جوهريا من مفهوم البلاغة”.

هل كان دينوارت Dinouart، بهذا، يبتكر بيداغوجيا للصمت، ويدعو إلى “نهج التحفظ”، وتبني “فن الاحتراز من الكلام”؟ لا شك في ذلك، فقد كتب: “وحده من تعلم سلفا كيف يصمت، يكون قادرا على الكلام”. ذلك أن سلطة وقوة الكلمات بإمكانها إحداث خراب ودمار وفوضى.

تحضرني هنا، إذا ما أسعفني تذكر قراءاتي، إحدى قصائد فيكتور هوغو المعنونة بـ”الكلمة”، التي بفعل ترديدها في النص انشحنت بمدلولات تزايدت إلى أن أصبحت بمثابة جرح قاتل في نهاية القصيدة فتك بمن وجهت إليه. والظاهر أننا لا نقدّر قوة الكلم بما يوفيها حقها، وهو الأمر الذي يعلمه صاغةُ الكلام، الذين لم ينسوا مقالة إميل زولا “أنا أتهم” التي رجحت الرأي العام لصالح الكابتن دريفوس Dreyfus، بعدما أدانته المحكمة ظلما. لهذا السبب “وجب إخراس اللغة، وإنطاق الصمت بجعله كَلِيمَنَا”. لعلها مهمة صعبة للغاية في ظل غياب أخلاقيات الصمت في عصرنا، والتي تفتقدها الحوارات حول القضايا الاجتماعية والثقافية والسياسية، حتى إن “مرضا غريبا” مصدره لغو الكتَبَة بدأ يستبدّ بالخائضين في الأحاديث والمتهالكين على القول؛ وثمة جملة معبرة نقرؤها في تحليل دينوارت Dinouart تقول: “لا يستحبُّ التكلم إلا عندما يفضل الكلام الصمت”.

ففي مجال الأدب، مثلا، هنالك رغبة في الاتصاف بصفة المؤلف والتعاطي للكتابة، “فالمقروء مرئي”، كما يؤكد دينوارت، والكاتب أو الشاعر نرجسيٌّ، يتغنى بنفسه، بعشق “الذات” لـ”أناها”. لقد حدث أن حضرت قراءة شعرية، كانت أبيات القصيد سَطحية ذات محتوى محبط، في حين كانت الشاعرة في غمرة غطرسة أدهشت الجمهور، مما يثير نوعا من النفور من صفة الكاتب أو الشاعر، ومن (مهنة السياسي أو المعلق أو الصحفي في الظروف الراهنة العصيبة)، التي يبقى على عاتق الأجيال القادمة مهمة الإبقاء على تلك الصفة لمن يستحقها.

فهل يجب علينا أن نبقى صامتين؟ طبعا، إذا تطلبت الظروف ذلك، لأن الصمت يصبح جوابا مُخرسا للذين يتحدثون كثيرا، ويكتبون بسرعة، وينسون حكمة بليغة تُعلّمنا أن أولئك الذين يتهوَّرون في كلامهم هم أيضا متهورون ومذنبون في أفعالهم.

إذا ما عدنا إلى التعليم، ولو كنت ما زلت مدرسًا وعليَّ أن أعطي درسًا لطلابي عن اللغة الأم، لناقشتُهم حول “زلة اللسان” لصموئيل بيكيت، وقد بدأ في لحظة معينة من حياته، وهو المتحدث أصلا باللغة الإنجليزية، الكتابة باللغة الفرنسية؛ وكان قد أجاب “شخصا سأله عن تحوله إلى الكتابة بلغة أجنبية، بأن لغته الأم هي الصمت”.

وإذا ما حاولنا فهم “زلة اللسان” لهذا الحائز على جائزة نوبل في الأدب، وجدنا أن قوة الكلمات – بالنسبة إليه – كامنة في ندرتها، وليس في وفرتها.

لم يعد المثل اللاتيني Scripta manent verba volant “الكتابات باقية بينما الكلمات فانية” ساريَ المفعول في عصرنا الراهن، لأن للكلمات قدرا من الديمومة والبقاء.

وكذلك الشأن بالنسبة للصمت.

*أمين سرّ أكاديمية المملكة المغربية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

12
  • Sami
    الأحد 24 شتنبر 2023 - 02:42

    مقال مفيد للغاية ، لكن لايجب انتهاج الصمت او السرية حتى و ان كان بمبرر للخوف او زلة اللسان او الخطا، الخطا او زلة اللسان لا يهمان، يجب الوضوح تجاه الشعوب خصوصا في وقتنا الحاضر حيث الكل متعلم و كل مصادر متوفرة بيسر، التحفظ يجب الابتعاد عنه و الوضوح و عدم الصمت و زلات اللسان هي المطلوبة في امور الدين. نا يجب التحفظ فيه هو الفعل السياسي اللذي يجب لن يكون بروية و تحكم. العلوم الوضعيةو الظينيى المت بالكثير الا في السياسة و السلطان، ما من احد ضمن التحكم فيهما او معرفة قوانينهما.

  • والد: عبد الحميد النجاري
    الأحد 24 شتنبر 2023 - 02:48

    عبادة الصمت قد سمعتها في مسجد جعرة من مبعوث التوفيق مخرب الشؤون الدينية بالمملكة المغربية الشريفة حفظها الله من العبثيين بإمارة المؤمنين. عاش المليك حامي حمى الدين

  • karrom
    الأحد 24 شتنبر 2023 - 03:44

    ونعم الكلام تحليل في الصميم. قليل من ….

  • Aziz
    الأحد 24 شتنبر 2023 - 04:01

    جميل جدا. كثر الخوض في كل الأمور من أناس ظنوا أنهم متخصصين في الدين والفن والأدب والتعليم والسياسة إلخ. ليت مدارسنا ومجتعمعنا يعلم ويتعلم فن الصمت والإنصات.

  • نبيل
    الأحد 24 شتنبر 2023 - 06:50

    الصمت قد يكون حكمة و قد يكون نقمة.
    الساكت عن الحق شيطان أخرص.
    أما المعرض عن الجاهلين فحكيم.
    الصمت سنة حين لا يجدي الكلام بعد ألا يستطيع الإنسان تغيير المنكر لا بيده و لا بلسانه.
    الصمت ظلم لا مثيل له إذا كان الحق مستلبا، “و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر”
    الصمت هيبة للرجال و كثرة الكلام يجر المهانة.
    المؤمن إن احتكم لدينه تعلم متى ينطق و متى يسكت، و لا ينطق لهوى في قلبه (مجادلة بدون علم، نميمة، غيبة، سب، قذف، عربدة….) فالكلمة الواحدة تلقي في أسفل السافيلن من النار.
    و أختم بقول لي:
    يا الواقف يلغي وسط الرجال
    كلمة موزونة حسن من شحال

  • العلم المنبود
    الأحد 24 شتنبر 2023 - 07:04

    ان الميتافيزيقيا البيداغوجية التي تحلل العلامات الذهنية العرضية تنشق من المعارضات التي تمد البنية التربوية الخاصة بالمنهج الامامي المتكون من الرؤيا الداخلية للتصورات القديمة افقد ابانت عن النتائج السرية للمداخلات الاحترازية التحريضية المقدمة عن التباينات الجديدة التي ادت بالحل الواقعي المسجور بالادلة الباطنية المعسورة والتي هي من التاليات التإخيرية ….
    إوا افهم يا الفاهم

  • مراقب
    الأحد 24 شتنبر 2023 - 07:47

    les ecrits restent mais les paroles s envolent

  • ريم
    الأحد 24 شتنبر 2023 - 09:07

    فعلا الصمت حكمة لكن الصمت الرهيب لايدفع للاطمءنان …كدالك. سمعت يوما ناءب وزير الداخلية يقول لاعوانه اعملوا و اصمتوا…و في الجندية لايحبون الكلام مطلقا…لكن في المجتمع وفي القطاع الخاص يتكلمون…التواصل الصلة الصلاة .. النساء تتواصل اكثر من الرجال ربما لانهم اكثر حيوية ونشاط و مسؤولية ….الكسلاء يفضلون الصمت

  • احمد
    الأحد 24 شتنبر 2023 - 09:14

    “اني نذرت للرحمان صوما فلن اكلم اليوم انسيا”
    “ايتك الا تكلم الناس ثلاثة ايام سويا”
    فقد صامت مريم عن الكلام في حق جنس معين كما صام زكرياء زمنا معينا.
    “الصمت حكمة قل فاعله”.
    والحكمة هي وضع الشيء وقت زمانه وفي محله ولاهله.وحكمة الصمت هنا هو الامتناع عن الكلام زمن وجوب الالتزام به لا مطلق الصمت لان الصمت زمن وجوب الكلام والبيان ليس من الحكمة بل فيه فساد ومضرة.
    يبقى ان لسان الحال هو ابلغ لسان ومن لم ينهضك حاله لم ينفعك مقاله.

  • علي
    الأحد 24 شتنبر 2023 - 10:01

    مقال ورأي حكيم في غاية الأهمية هذا الذي حلله أمين سر أكاديمية المملكة المغربية
    شكرا لجريدة هسبريس التي تتحفنا بمثل هذه التحاليل القيمة

  • سليم
    الأحد 24 شتنبر 2023 - 10:50

    كلام غاية في الحكمة.فعلا، إذا كان الكلام من فضة فالصمت من دهب. ورحم الله من قال:إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته. avant de parler il faut réfléchir.

  • علال بن علال
    الأحد 24 شتنبر 2023 - 10:58

    اذا الصمت يعني الرضى في الزواج طبعا
    اما في السياسة فهو خوف
    السكوت عن الحق شيطان اخرص
    و الحق كلما كان من مصدر يقين او منبع
    من حكيم الا و شياطين الانس تداوله على هواها .
    فاللغة الامازيغية اقر بوجودها ورد لها الاعتبار امير و ملك حكيم لكن شياطين
    الانس تراوغ في صمت تفعيل دسترتها
    و اليوم و الزلزال يضرب بلدات و قرى
    تسود فيها اللغة الامازيغية لم نسمع
    و لا احد من هؤلاء الشياطين يعبرون عن
    تضامنهم من البلدات و القرى المنكوبة .
    انه الصمت الحقود و العنصري .

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 10

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 7

أثمنة اللحم البلدي والمستورد

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 22

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج