ما أن تقرب مرحلة الذروة الانتخابية وإلا نجد أنفسنا أمام أوراش شوارع في شتى المدن ، ما يفيد بأن الطفرة الانتخابية قد وضعت أوزارها، والحال أن شتنبر الانتخابي لم تعد تفصلنا عنه إلا بضعة شهور ، فقد أصبحت الإنارة تتبيث والترصيف يعاد وأمور أخرى، إنها مرحلة سأسميها في هذا المقال بالانتخابفوبيا.
إن مسألة تنظيم الاستحقاقات الانتخابية من عدمها ، ماهي إلا عملية روتينية يتم التفاعل معها كلما حان وقت تنظيمها، الأمر الذي يمكننا اعتباره بمثابة قنطرة لإصلاح دواليب التنمية البشرية ، أمر تتفاعل معه مجموعة من دول بقاع المعمور بشيء من الرزانة والحزم، وذلك بإلزام جميع المواطنات والمواطنين بالمشاركة المباشرة وغير المباشرة في تحريك عجلة التنمية، إنها أمور خبرت هذه الدول التعاطي معها وبجرأة كبيرة، وذلك بانكبابها من خلال اهتمامها بمنظومة الأحزاب السياسية ، وحثها على تكوين أطر وكفاءات متعددة التخصصات بإمكانها الانخراط والتفاعل مع دينامية الإصلاح التنموي، أمر تمخضت عنه مجموعة من النتائج الإيجابية، والتي نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر:
التوفر على بنك موارد بشرية متعددة المشارب ، لها من المؤهلات الفكرية والمعرفية ما يؤهلها للمشاركة في تدبير قضايا الشأن العام؛
مراكمة تجارب حزبية ناجحة ، أصبحت مرجعا يحتذى به من قبل الدول الطامحة إلى تغيير مسارها التنموي إلى أحسن المستويات؛
تحقيق نتائج ايجابية ، كان لها الوقع الإيجابي علة المسارين الاقتصادي والاجتماعي ، مما مكن المواطنين من خدمات ذات مردودية وجودة عاليتين؛
التوفر على مرافق ترابية ومؤسسات عمومية، تحترم فيها معايير الجودة المتعارف عليها عالميا، الأمر الذي يمكننا أن نستشفه من خلال تتبعنا للسياسات العمومية المعمول بها في هذه الدول ، والتي استطاعت من خلالها هذه الأخيرة أن تجد لها مكانا في كوكبة الدول المسماة متقدمة؛
جعل الرأسمال البشري ، أهم مقومات إصلاح الصرح التنموي ، مما مكنها من الاضطلاع بالمهام الملقاة على عاتقها ، أمر أهلها لأن تستجيب لتطلعات مواطنيها بشكل تطغى عليه المقاربة التشاركية في اتخاد القرار من جهة ، وجعل منها نماذج ناجحة يحتذى بها من قبل الدول النامية أو السائرة في طريق النمو الخ….
ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نستشف بأن تنظيم العملية الانتخابية في هذه التجارب الدولية الناجحة في بناء مسار ديمقراطي يوازن بين الحقوق والواجبات ، ليس كنه هذه العملية ، وإنما الأهم بالنسبة لهذه التجارب هو إنجاح التوجه الديمقراطي بها ، ما مفاده بأن الانتخابات بالنسبة لها ماهي إلا وسيلة وليست بغاية.
أغنه وفي إطار إعمالنا لآلية البنشمارك السياسي ، لا يفوتنا في هذا الباب أن نتطرق لوضعنا الانتخابي بشقيه الترابي والتشريعي، وضع لا يمكن أن نعطيه صورة قاتمة ، بحيث أنه لازال يساهم في تحريك العجلة التنموية لبلادنا ، غير أن الأمر لم يسلم من بعض الملاحظات والتي أعتبرها جوهرية من وجهة نظري، والتي ارتأى الكاتب أن يقحمها في مصطلح الانتخابوفوبيا.
إن العملية الانتخابية ببلادنا، لازالت متأثرة ببعض الممارسات البدائية كي لا نقول تقليدية، ذلك أنه وكما سبقت الإشارة إلى ذلك في بداية هذا المقال، فإن واقع الحال الانتخابي لازال وإلى حدود كتابة هذه الأسطر ، يعيش على وقع التجاذب والتصارع بين جميع الأطياف المكونة للخريطة السياسية ، أمر لا يمكننا أن نفسره إلا بسيادة النظرة الضيقة للأحزاب السياسية في قيادة المواضيع المرتبطة بقضايا الشأن العام ، أضف إلى ذلك مجموعة من النقائص التي لازالت تعكر صفو المسار الانتخابي ، والتي نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر:
سيادة الأنانية في أوساط أغلب المرشحين للانتخابات ، بحيث أن أغلبهم لا زال يتعامل مع الدائرة الانتخابية بمعادلة أنا وابن عمي على الغريب؛
أزمة ثقة بين الناخب والمنتخب، هذا الأخير الذي لا يقتفى له أثر إلا أيام الذروة الانتخابية؛
استمرار التعامل بمعطى الضيعة الانتخابية، إذ يصل الأمر في بعض الأحيان ببعض الأشخاص إلى تسمية الدوائر الانتخابية بأسمائهم، فأصبحنا نسمح دائرة فلان أو علان ؛
العطايا الموسمية سواء تلك المرتبطة برمضان أو الأعياد، إذ ليس الأمر سيئا إذا ما تم توزيع هذه المساعدات في مغب عن الحسابات السياسوية الضيقة ، بحيث أن المتحكم في الاستفادة من المعونة هو الولاء للكائن الانتخابي؛
غياب برامج انتخابية واضحة الاهداف والنتائج وحتى إن وجدت إذ لطالما طالها الغموض والتكرار المقرونين بالنسيان بمجرد انتهاء أيام الزمن الانتخابي؛
وجوه انتخابية مستهلكة وكأننا امام اناس تتوقف عليهم حياة العملية الانتخابية هذا في وقت تزخر فيها بلادنا بطاقات بشرية كفأة ومؤهلة وخاصة في صفوف الشباب؛
تعاظم طامة سماسرة الانتخابات، أعوانا دائمين ومرسمين يعملون تحت إمرة الكائن الانتخابي الذي يزودهم بين الفينة والأخرى “بالبون” ، وذلك مقابل تتبعهم للمرشح الفلاني أو العلاني ؛
استمرار تعاطي مالين الشكارة مع العملية الانتخابية بمنطق الربح ، وكأننا في سوق للمزايدة والذي يدفع أكبر ثمن يمكنه الظفر بأكبر عدد من الأصوات الضعيفة، وفي هذا الباب يجب أن أشير بأن المسؤولية مشتركة بين مول الشكارة وبين المواطن ؛
استفحال ظاهرة الأعيان داخل مشهدنا الانتخابي، أمر لا يمكنني أن أعتبره سلبيا بحكم أن العين هو من بين الشخصيات المعروفة في جهة من جهاتنا، غير أن هذه
الشريحة قد أصبحت ملزمة في زمن سياسية الأوراش التنموية الكبرى التي تنهجها بلادنا بوضع برامج انتخابية صريحة وتعاقدية مع المواطن الخ….
إن افة الانتخابوفوبيا التي لطالما أثرت على جودة النتائج المرجوة من وراء العملية الانتخابية ، لا يمكننا التخفيف من حدتها إلا من خلال إعمال معطيين دستوريين على أرض واقعنا الانتخابي بشقيه الترابي والتشريعي، إنهما اليتا المحاسبة والمساءلة المتضمنتين في دستور 2011 ، ما مفاده بأن الحاجة قد أصبحت ماسة لاقتفاء أثر كل الكائنات الانتخابية الضارة واستئصالها ، لا لشيء إلا لأن الجو التنموي الصحي الجيد الذي انخرطت فيه بلادنا لم يعد يسمح قط باستمرار التعامل مع العملية الانتخابية وهكذا حالات مرضية .
كما أنه وفي نفس الباب ، لا بد من التذكير بأن المواطن مسؤول كذلك ، لأنه في أول واخر المطاف هو المسؤول الرئيسي والمباشر عن تشكيل الخريطة السياسية لبلادنا ، وبالتالي فإنه من غير المقبول في مغرب العهد الجديد ، مغرب الثورة التنموية ، أن يسمح بعض ضعاف النفوس من بيع ذممهم لأشخاص همهم الوحيد هو الاسترزاق غير المشروع من وراء النشاط الانتخابي.
إنه من الواجب علينا أن نستشعر جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقنا كمواطنين ، وذلك بمساهمتنا جميعا في قطع الطريق على كل من تسول له نفسه الاستخفاف بمصيرنا الانتخابي من أجل تحقيق ماربه الشخصية الضيقة ، وبالتالي ونحن مقبلون على تنظيم الاستحقاقات الترابية أولا والتشريعية ثانيا، يمكننا القول بأن الفرصة قد أصبحت سانحة للقطع مع المنظور التقليدي الذي لازلنا نتعامل به في تعاطينا مع العملية الانتخابية والذي أصبح جد متجاوز في ظل عالم أصبح محكوما بتحديات العولمة ، والانخراط جميعا في إنجاح مغرب الأوراش التنموية الكبرى ، مغرب الشباب والنساء والشيوخ ، ولنقل جميعا كفى من مرض الانتخابوفوبيا ونعم للتغيير المبني على الشفافية والنزاهة والمساواة المفضية إلى البقاء للأصلح.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.