التوارث بين أهل الإسلام وغيرهم من الملل والنحل في المجتمع الغربي

التوارث بين أهل الإسلام وغيرهم من الملل والنحل في المجتمع الغربي
الأربعاء 6 مارس 2019 - 14:53

الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعَّال لما يريد، خلق فسوَّى، وقدّر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد صلى الله عليه، وعلى آله وسلم وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

إن اختلاف الدين بين المورث والوارث مانع من موانع الإرث في الشريعة الإسلامية، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أسامة بن زيد رضي الله عنه، قال النبي: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»[1]، هذا قول عامة الفقهاء من الصحابة والتابعين وباتفاق المذاهب الأربعة، و قال عليه الصلاة والسلام: «لا يتوارث أهل ملتين شتى»[2]، فالولاية بين المسلم وغيره منقطعة أي لا يرث بعضهم بعضا، وعليه فالإجماع منعقد على هذا الأمر، وهذا ما أكده الإمام مالك بقوله: “الأمر مجتمع عليه عندنا، والسنة التي لا اختلاف فيها، والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، أنه لا يرث المسلم الكافر بقرابة ولا ولاء ولا رحم”[3]، لكن من الصحابة والتابعين والعلماء من فرق بين ميراث الكافر المسلم وميراث المسلم الكافر، فقد ذهب كل من معاوية بن أبي سفيان ومعاذ بن جبل، وعلي بن الحسين، وعبد الله بن معقل، والشعبي والنخعي ويحيى بن معمر وسعيد بن المسيب ومسروق بن الأجدع وعبد الله بن مغفل ومحمد بن الحنفية واسحاق بن راهويه، وأبي جعفر الباقر[4] وغيرهم، ومن الفقهاء المعاصرين العلامة الشيخ يوسف القرضاوي[5] الذي ذهب إلى القول أن المسلم يرث من الكافر ولا يرث الكافر من المسلم، ودليلهم في ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي روي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أنه أتي في ميراث يهودي وله وارث مسلم، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «الإسلام يزيد ولا ينقص»[6] ، والحديث الذي ينص على علو الإسلام وأهله، كما ورد في قصة إقبال عائذ بن عمرو وأبي سفيان على الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فقال الصحابة رضي الله عنهم: «هذا أبو سفيان وعائذ بن عمرو ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عائذ بن عمرو وابو سفيان. الإسلام أعز من ذلك، الإسلام يعلو ولا يعلى عليه»[7]، كما استدلوا بقولة معاوية “نرثهم ولا يرثوننا، كما ننكح نساءهم ولا ينكحون نساءنا”[8]، وقد شك الإمام النووي في نسبة هذا القول وغيره إلى هؤلاء الصحابة والتابعين والفقهاء، واعتبر قولهم مثل قول الجمهور بقوله: “الصحيح عن هؤلاء كقول الجمهور”[9].

والراجح مما سبق من الأقوال ما ذهب إليه الجمهور، أن قياس الإرث على النكاح قياس فاسد لوجود النص الصريح من القرآن الكريم: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب)[10] ، كما أن عدم جواز التوارث بين أهل الإسلام وغيرهم من الملل والنحل صريح وصحيح في السنة النبوية. غير أن القول المرجوح والله أعلم هو جواز ميراث المسلم من غيره في المجتمعات الغربية، وهذا القول المرجوح قد يترجح فيما إذا كان مال التركة سيستخدم في قتل المسلمين وحربهم، وسفك دمائهم، وهتك أعراضهم، وذلك إذا تُرِك بأيدي غير المسلمين ولم يؤخذ، لاسيما وأننا نعلم أن قيام الدين والنفس والمحافظة عليهما من مقاصد الشريعة الإسلامية، وقد يتقوَّى هذا القول المرجوح بالنظر إلى المصالح والمفاسد، كما يترجح أيضاً بالنظر إلى كونه يحقق المحافظة على دين المسلمين ونفوسهم.

وقد جاء في قرار المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث في دورته الخامسة بتاريخ 4-7 مايو 2000م، الذي “يرى عدم حرمان المسلمين ميراثهم من أقاربهم غير المسلمين ومما يوصون لهم به، وأنه ليس في ذلك ما يعارض الحديث الصحيح: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» الذي يتجه حمله على الكافر الحربي، مع التنبيه إلى أنه في أول الإسلام لم يحرم المسلمون من ميراث أقاربهم من غير المسلمين، وهو ما ذهب إليه من الصحابة معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان ومن التابعين جماعة منهم سعيد بن المسيب ومحمد بن الحنفية وأبو جعفر الباقر ومسروق بن الأجدع، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم”[11]، وهذا الترجيح لابن تيمية وتلميذه ترجيح له قيمته ووزنه في عصرنا كما قال الدكتور يوسف القرضاوي، وخصوصا بالنسبة لحياة المسلمين وسط المجتمعات الغربية “.. فكثير من الذين يهديهم الله للإسلام فيدخلون في دين الله من الرجال والنساء، ثم يتوفى آباؤهم أو أمهاتهم، وقد تركوا وراءهم تركات كثيرا ما تكون كبيرة فهل يسع المسلم والمسلمة أن يرث هذا المال من ابيه أو أمه؟ والقوانين تجعل له الحق في الميراث وهو وأسرته في حاجة إليه وإخوانه من المسلمين من حوله في حاجة إليه ؟”[12]، فالقضية محتاجة إلى الكثير من التأمل والنظر والاجتهاد في ضوء المقاصد، هذا وإنا نتضرع إلى الله العلي القدير أن يمن علينا بنعمة التوفيق، والله المستعان والهادي إلى سواء السبيل.

الهوامش:

[1]- متفق عليه: أخرجه البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد.

[2] – أخرجه أحمد في المسند، وأبو داود كتاب الفرائض، باب هل يرث الكافر المسلم، وإرواء الغليل للألباني .

[3] – موطأ الإمام مالك ، ج 2 ، ص 220

[4] – أحكام أهل الذمة ، ابن قيم الجوزية، ج 2، ص 853، المغني والشرح الكبير، ج8، ص 566.، المجموع شرح المهذب، ج17، ص 190.

[5] – ينظر: في فقه الأقليات المسلمة ، د.يوسف القرضاوي، دار الشروق، مصر، الطبعة الثالثة 2007، ص 58 ، 59، 60.

[6] – أخرجه أبو داود في سننه، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في سننه، وابن أبي شيبة في مصنفه.

[7] – أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، ج6 ص 205، الدارقطني في السنن، ج3، ص 252

[8] – ينظر إلى : أحكام أهل الذمة ابن قيم الجوزية، ج.2، ص 853، وشرح الزرقاني للموطأ ج3، ص 152.

[9] – شرح النووي على مسلم ج11، ص52

[10] – سورة المائدة، الآية 5.

[11] – قرارات الدورة الخامسة، دبلن – أيرلندا، 30 محرم – 3 صفر 1421هـ، الموافق لـ 4-7 مايو 2000م، قرار 13 (1/5)، توريث المسلم من أقاربه غير المسلمين، نقلا عن كتاب صناعة الفتوى وفقه الأقليات، الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه، مراجعة: رشيد قباظ وجمال القديم، الرابطة المحمدية للعلماء، مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث، طبعة 2012م.

[12] – في فقه الأقليات المسلمة ، مرجع سابق، ص 58.

* باحث في علم الأديان المقارن وفي المالية الإسلامية المعاصرة، رئيس المنتدى الأوربي للوسطية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • منطق غريب .
    الأربعاء 6 مارس 2019 - 18:22

    غريب كيف يقول الاستاذ ان القوانين الوضعية تسمح للمسلم ان يرث من غير المسلم ، ولاتسمح الشريعة للمسلم ان يورث الكافر . يقول هذا الكلام غير الانساني ويدافع عنه كما لو انه الحق ، ويوجد له مبررات كأن يكون المسلم محتاحا لميراث أبيه الهالك الكافر ، وفي نفس الوقت يبرر عدم حواز توريت الكافر المحتاج من ابيه الهالك المسلم .

  • محمد العمراني
    الأربعاء 6 مارس 2019 - 19:01

    الميراث في الغرب لا يتعلق بالجانب الديني اطلاقا بل بالقرابة وتسبقها الوصية وغير محددة ،على اطلاقها،فالميراث عندهم مدني وليس ديني،ولا يعطي قيمة للمحاصصة وبالتساوي عند الأباء والاولاد،ربط الميراث الاسلامي بالميراث الغربي لن يفيد ولن يكون له حضور،لأن الغرب يحدد مفهوم الاسرة ومفهوم العائلة ،وما فهمته في السويد الأسرة تتكون من الزوجين أو أحدهما والأطفال القاصرين وغير ذلك يعتبر من العائلة،أي محاولة في هذا الجانب ستكون فاشلة اللهم اذا فرض المسلمون أنفسهم وشرع لهم ذلك استثناء،هذا ممكن،فتوى القرضاوي وما ذهب اليه الفقهاء لامحل لها من الاعراب،ولن تكون من الواقع نهائيا.الا اذا فرضوا قرارهم عبر وسائلها المشروعة،عبر مؤسسات الدولة،ياليت يكون ذلك،ولن يحصل.

  • hobal
    الأربعاء 6 مارس 2019 - 19:20

    ا
    التفق مع الغربيين الذين يريدون محو المساجد من احيائهم ومدنهم هؤلاء الفقهاء افتروا على الله الكذب
    هؤلاء العلماء هم منبع العنصرية والارهاب
    نريد الدين الذي انزل على نبينا محمد الى الجحيم بهذا التراث اللعين

  • sifao
    الخميس 7 مارس 2019 - 08:56

    موقفان، الاول ينفي اية علاقة ارث بين المسلم والكافر ، الثاني يعترف او يقبل بعلاقة من جانب واحد ، ان يرث الابن المسلم ارث ابيه الكافر تحت حجة الحاجة او الفائدة ، لكن ، الجانب الثاني ، اي ان يرث الابن الكافر الذي ارتد عن دينه ابيه فغير وارد تماما ، لان الخروج عن الدين يعني قطع صلة الرحم بين الاب وابنه ، لم يعد ابنه ، لا يحق له شرعا ولا قانونا ان يطلب بحق ابيه ، اذا كانت هذه هي الوسطية فما هو التطرف ؟
    ليس من المفيد ، بيداغوجيا ، عرض كل المواقف الفقهية التي تخص القضايا الخلافية ، من الاجدر عرض الانسب منها فقط ،التي تتوافق مع القيم الكونية الحديثة ، البحث الفقهي المتوسطي يجب ان يدفع في استثمار موقف حق المسلم في ارث ابيه الكافر لاقرار حق الكافر في ارث المسلم بناء على قاعدة العدل الالهي " خلقناكم شعوبا وقبائل…..ان اكرمكم عند الله اتقاكم" هذه هي الوسطية ، اما ان يكون من حق المسلم اراثة الكافر والعكس غير ممكن ، فإن هذا الموقف اكثر تطرفا من موقف ، ان لا يرث المسلم كافرا وان يرث كافر مسلما ، هذا موقف عادل على الاقل يساوي بين الاثنين ، من منطلق ان المسلم لا يجب ان تجمعه اية علاقة بالكافر اصلا

  • Arsad
    الخميس 7 مارس 2019 - 11:33

    كل أحكام الفقه ستكون منطقية ان كانت توافق الاسلام ودولة الاسلام وعدالة الاسلام وقوة الاسلام اما ونحن على غير هذا فلا فقه ولااحكام فقهية يمكن ان نتحدث عنها او نحاول فرضها او حتى تبيانها
    هذه الكتب يجب أن تطوى وان يقفل عليها في سرداب الى ان يحين وقتها لانه حاليا لا أرضية تسعها ولا بيئة تلائم ما جاء فيها الاهم ان اريد بها ان تكون لأجل استمرار التخلف وللاستغلال والاستبداد والإرهاب.

صوت وصورة
تقرير النزاهة والوقاية من الرشوة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 13:05 2

تقرير النزاهة والوقاية من الرشوة

صوت وصورة
فنون خليجية بمعرض الجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 09:24

فنون خليجية بمعرض الجديدة

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10 3

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة