تداعيات الحرب ضدّ إيران

تداعيات الحرب ضدّ إيران
الثلاثاء 31 مارس 2026 - 13:05

الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضدّ إيران: أية تداعيات على الشرق الأوسط وما أثرها على المغرب؟

منذ 28 فبراير 2026، شُنّت ضربات مكثفة على إيران من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. وقد شكّل هذا الحدث صدمة استراتيجية كبرى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، مما أدّى إلى تحوّل جيوسياسي غير مسبوق في المنطقة. وتضع هذه الحرب الجديدة مجمل منطقة الشرق الأوسط أمام دوامة خطيرة، تمتد من مضيق هرمز إلى القواعد البريطانية في قبرص.

ومنذ اندلاع الحرب المذكورة، ظهرت تداعيات تجارية واقتصادية فورية على منطقة الشرق الأوسط، طالت قطاع الطيران، والنشاط السياحي، والطاقة الأحفورية، وكذا حركة التجارة العالمية نحو باقي مناطق العالم. ورغم حدّتها، فهاته الحرب لا تتسم بغزو بري واسع النطاق، بل يغلب عليها الطابع التكنولوجي، مع اعتماد مكثف على الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية في شكل ضربات جوية.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة أنه يمرّ نحو 20% من النفط العالمي عبر مضيق هرمز، ما ينذر بانهيار النموذج الاقتصادي القائم لدى أبرز دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة. وقد شهدت حركة الملاحة البحرية شبه شلل، في حين عرف الإنتاج النفطي الإقليمي تراجعاً حاداً نتيجة الهجمات الإيرانية المتواصلة، حيث يُقدَّر الانخفاض بنحو 10 ملايين برميل يومياً، وفقاً للوكالة الدولية للطاقة.

وبالاستناد إلى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي، فإن الساعات المائة الأولى من الهجوم الأمريكي كلّفت حوالي 3.7 مليارات دولار، تشمل العمليات العسكرية والخسائر المادية، إضافة إلى تكاليف إصلاح البنيات التحتية وإعادة تكوين مخزونات الذخيرة. وقد استهدفت الولايات المتحدة نحو 3.000 هدف، شملت مراكز عسكرية، وسفناً وغواصات، ومنظومات دفاع جوي.

أما دبي، التي تُعدّ مركزاً محورياً للعولمة في الشرق الأوسط، فقد تعرّضت لصدمة قوية على مستوى أسواقها المالية، أدّت إلى تراجع كبير في تدفقات رؤوس الأموال. ووفقاً لوكالة رويترز، انخفض مؤشر بورصة دبي بنسبة -11% خلال الأيام العشرة الأولى من الحرب. كما شهدت المدينة اضطرابات كبيرة في بنيتها التحتية، لا سيما على مستوى المطار الدولي نتيجة الهجمات الإيرانية. وقد قُدّرت الخسائر السياحية بنحو 5 مليارات دولار خلال الشهر الأول من الحرب (مارس 2026)، نتيجة إلغاء الحجوزات وتراجع أعداد الزوار بشكل حاد. أما في قطاع الطيران المدني، فقد تكبّد النظام الجوي خسائر تُقدّر بنحو 2 مليار دولار.

وفيما يتعلق بإسرائيل، ووفق الأرقام الرسمية المعلنة، فإن الحرب ضد إيران تُكلّف نحو 500 مليون دولار يومياً. فعلى سبيل المثال، تُقدّر تكلفة كل عملية إطلاق لمنظومات “آرو” المضادة للصواريخ الباليستية بنحو 3 ملايين دولار. حيث بلغت ميزانية الدفاع الإسرائيلية مستوى 50 مليار دولار بعد شهر من اندلاع الحرب.

أما بخصوص أسعار النفط، فقد ارتفع سعر البرميل من 85 إلى 100 دولار بعد أسبوع واحد من اندلاع الحرب، ثم تفاقم الوضع عقب الهجمات الإيرانية على البنى التحتية الطاقية بالدول المجاورة، حيث سُجّل مستوى قياسي للبرميل بلغ 119 دولاراً. ومع نهاية شهر مارس، استقر السعر في حدود 110 دولارات، مع احتمال تسجيل زيادات إضافية في حال استمرار الحرب.

وفيما يخص المغرب، فإن فرضية سعر 65 دولاراً للبرميل شكّلت فرضية أساسية لإعداد قانون المالية لسنة 2026. غير أن الوضع الحالي يفرض ضغطاً كبيراً على الفاتورة الطاقية. فإذا ما اعتُمد متوسط سعر في حدود 100 دولار للبرميل خلال فترة الحرب، فإن الدولة ستتحمّل عبئاً مالياً إضافياً قد يصل إلى 40 مليار درهم. وبالتوازي مع ذلك، وفي حال استمرار الحرب خلال السنة الجارية، قد يضطر بنك المغرب إلى رفع سعر الفائدة الرئيسي بما يتراوح بين 25 و50 نقطة أساس، بهدف الحد من تأثير التضخم على الاقتصاد الوطني.

وبناءً على ذلك، فإن الاقتصاد المغربي سيكون أكثر عرضة للتأثر في حال استمرار هذه الحرب خلال الأشهر المقبلة. فإذا كان معدل التضخم الحالي دون 1%، فإنه قد يرتفع إلى حدود 2.5% مع نهاية السنة. كما أن معدل النمو المتوقع، 5.6% برسم سنة 2026، قد يُراجع نحو الانخفاض في حال طال أمد الحرب، رغم الأداء الجيد للقطاع الفلاحي مع العلم أن الإنتاج الصناعي يظل مرتبطاً بالطاقة الأحفورية. حيث بدأت بالفعل تظهر آثار سلبية في هذا الاتجاه. كما تلوح في الأفق مخاطر نقص المنتجات الطاقية خلال الأشهر المقبلة، مما قد يؤثر سلباً على النشاط الصناعي والحركية الاقتصادية بالمغرب.

ومع ذلك، فإن التبعية الطاقية للمغرب تُمثّل نقطة ضعف استراتيجية، خاصة في ظل غياب مصفاة وطنية. وعليه، فإن تكوين مخزونات استراتيجية من المواد الطاقية أصبح ضرورة ملحّة لضمان استمرارية التزويد خلال فترات الأزمات. حيث يتعين على الدولة تفعيل المقتضيات القانونية المتعلقة بمخزون الأمان المحدد في 60 يوماً. وفي هذا الإطار، ينبغي على وزارة الوصية على القطاع، إرساء آليات تضمن تحقيق مخزون استراتيجي لا يقل عن شهرين، ومن خلال التزام مستدام وواضح للفاعلين في القطاع النفطي.

ومن جهة أخرى، وبالمقارنة مع الحرب الروسية-الأوكرانية التي اتسمت بطابعها الترابي التقليدي وحدودها الجغرافية الواضحة داخل الأراضي الأوكرانية، فقد أدّت هذه الأخيرة، منذ سنة 2022، إلى موجة تضخم عالمية شملت أسعار الطاقة (النفط والغاز) والحبوب (القمح والذرة)، ناهيك عن ارتفاع كبير في تكاليف المواد الأولية، ولا سيما كلفة الإنتاج الصناعي. وقد أضعفت هذه الحرب الدول المستوردة، التي واجهت ضغوطاً تضخمية مستمرة أدّت إلى تباطؤ النمو، وبالتالي إلى حالة الركود التضخمي.

وكانت روسيا وأوكرانيا تُعدّان من أبرز الموردين للغذاء في العالم، إذ بلغتا سنة 2019 ما نسبته 40% و29% على التوالي من الإمدادات العالمية للأسمدة والقمح، مما ساهم في تفاقم التوترات الغذائية على الصعيد الدولي. أما أوروبا، فقد كانت تعتمد بشكل كبير على الإمدادات الروسية من الغاز والنفط، وهو ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في فاتورة الطاقة. وبالنسبة للمغرب، فقد بلغت نسبة التضخم 8% مع نهاية سنة 2022، مقابل معدل نمو ضعيف في حدود 1.3% من الناتج الداخلي الإجمالي، فضلاً عن انزلاق نحو 3 ملايين شخص إلى دائرة الهشاشة والفقر، بما يعادل سبع سنوات من التراجع في جهود مكافحة الفقر.

-رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية

صوت وصورة
احتفالات بالعيون
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:29 1

احتفالات بالعيون

صوت وصورة
هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 22:30 7

هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري

صوت وصورة
مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 21:41

مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم

صوت وصورة
فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 20:22 29

فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء