يَبْدُو لِي، كما بَدا للكَثِيرِينَ غَيْرِي، أنَّ مفهوم الحِزْبِ ووظِيفَتَه انْتَهَيا عِنْدَنا، أو تَمَّ تَحْرِيفُهُما بالأحْرَى. فالحِزْبُ امْتَصَتْهُ السُّلْطَةُ، وأصْبَحَ العَمَل السِّياسِيّ فيه نوعاً من الاسْتِثْمار المُقاوَلاتِيّ، الذي ينْبَغِي أنْ يُفْضِي إلى السّلْطَة، التي صارَتْ هي الهَدَف، لا المُجْتَمَع، ولا ما كانَ اعْتَبَرَهُ أنْطُونْيُو غْرامْشِي ارْتِباطاً عُضْوِياً بِطَبَقَة اجْتِماعِيَةٍ ما. فالحِزْب، كان في جَوْهَرِه، تَنْظِيمَ مُثَقَّفِينَ، وهو الذي كانَ يدْفَع هذه الطَّبَقَة الاجْتِماعِيَة نَحْو وَعْيِ مَكانِها، ووظِيفَتِها في المُجْتَمَع، كما أنَّه كان يَعْمَل علَى تَحْوِيلِ العلاقاتِ الثَّقافِيَةِ القائِمَةِ، ويَضْمَنُ بالتَّالِي مَصالِحَ هذه الطَّبَقَة، وهَيْمَنَتَها على غيرِها من الطَّبقاتِ الأُخْرَى. ورَغْمَ ما أعْطاهُ غْرَامْشِي للحزبِ من أهَمِّيَةٍ، كتَنْظِيمٍ ثقافِيّ، فَهُو لَمْ يَتَجاهَل دَوْرَ المَدْرَسَةِ، الَّتِي هي مَشْتَلُ إعْدَاد الأُطُر الفِكْرِيَة الضَّرُورِيَة، التي تَقُودُ وتُوَجِّه المُجْتَمع. ما يَعْنِي، أنَّ الحِزْبَ هو أيْضاً مَدْرَسَة، وهُو أيْضاً مَشْتَل، فيه مِنَ التَّنْظِيمِ ما يَكْفِي لِتَحْوِيل العَلاقاتِ الثَّقافِيَةِ، وتَكْوِين الأطُر الفِكْرِيَة القَمِينَة بِتَحمُّل مَسْؤولِياتِ التَّسْيِير والتَّدْبِير والتَّأْطِير.
الحِزْب، وفْق هذا المَفْهُوم الَّذِي اقْتَرَحَه غْرامْشِي، يُشْبِه فِي عَمَلِه ووظِيفَتِه عَمَل ووظِيفَةَ الخِيمْيائِيّ الذي يُحَوِّل المَوادَّ الخَام إلى ذَهَبٍ. فَما لَيْسَ واقِعاً يُحوِّلُه الحِزْب إلى واقِعٍ، ويَجْعَلُه حَقِيقَةً قائِمَةً. ويَبْقَى الحِزْبُ، بهذا المعْنَى، هو المُمَثِّل للِطَّبَقَة الاجْتِماعِيَة التي يَنْحازُ إِلَيْها، كَوْن كُل طَبَقَة لَها ما يُمَثِّلُها من أحْزابٍ. هو لَمْ يُلْغِ الأحزابَ الأُخْرَى، كما لَمْ يُلْغِ ما تُمَثِّلُه من مصالِح وطَبقاتٍ. وهُنا، نَرَى أنَّ رُؤيَة غْرامْشِي، في هذا السِّياقِ رُؤْيَة ثَوْرِيَة، قِياساً بِما جَرَى من انْحِرافاتٍ في أكْثَر من بَلَدٍ، تَمَّ فيها إلْغاء التَّعَدُّدِيَة الحزبِيَة والاجْتِماعِيَة، مِثْلَما حدث في الاتِّحاد السُّوفياتِي، وما حدث في إيطاليا، على عَهْدِ موسولِينِّي، الذي كان من اعْتَقَل غْرامْشِي ورَماهُ في غَياهِب سُجُونِه المُظْلِمَة، في وَقْتِ كان الأخير زَعِيم الحِزْب الشّيُوعِي الإيطالِيّ.
وكَما يَقُولُ تُولْيَاتِي، في تأْكِيدِهِ لِرُؤيَة غْرامْشِي هذه، فإنَّ الأحْزابَ التي تُمَثِّلُ طَبَقَةً اجْتِماعِيَةً واحِدَةً هِيَ أحْزابٌ مُتكامِلَةٌ، ووُجُودِ حِزْبٍ مُنْها يَسْتَدْعِي وُجُودَ بَعْضِها من الأحْزابِ الأُخْرَى، ما يَجْعَل المَوْقِف العَمَلِيّ لِكُلّ حِزْبٍ وتَصَوُّرِه للعالَم، لَيْسا بَعِيدَيْنِ، ولا مُنْعَزِلَيْنِ أو مُسْتَقِلَّيْنِ عن مواقِف الأحْزابِ الأُخْرَى، وتَصَوُّراتِها. ولا يُمْكِنُ، بحسَبِ هذا المَنْظُور المُتَقَدِّم، اعْتِبار أنَّ حِزْباً ما هو المَسْؤُول عن الحَياةِ العامَّةِ والجَماعِيَةِ، دُون غَيْرِه من الأحزاب الموجُودَةِ مَعَه في الواقِع.
والحِزْبُ الوَاحِدُ، مَهْما كانَتْ الشَّرائِح والفِئَات الَّتِي يَتَكوَّنُ مِنْها، يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُتجانِساً، مُحافِظاً على تَجانُسِه هذا، الَّذِي هُو تَجانُس أيْديُولُوجِيّ في أساسِه، أي يَكون ذا طَابَعٍ مُونُولُوتِيٍّ، مَقْدُود مَنْ صَخْرٍ واحِدٍ. ولِهذا الاعْتِبارِ، فكُلّ أعْضاء الحِزْب، مَهْما كَانتْ تَراتِبيَتهِم التَّنْظِيمًيَة، ووضْعهِم النِّضالِيّ، فَهُم، وفْق غْرامْشِي دائِماً، يُمارِسُون وظِيفَة تَرْبَوِيَة وتَنْظِيمَيَة، أي ما يَجْعَل العُضْوَ في الحِزْبِ مُثقَّفا بالضَّرُورةِ، مَهْما اخْتَلَفَت المَسْؤُولِيات داخِل الحزب. وبالتَّالِيّ، فالحِزْب، لَنْ يُوجَدَ، ولَنْ يَكُونَ دونَ مُناضِلِيهِ، أو قواعِدِه، فهؤلاء هُم مَنْ “يُؤَلِّفُونَ قُوَّةً بِمِقْدَار ما يُوجَدُ مِنْ رِجالٍ يُمَرْكِزُونَهُم وَيُنَظِّمُونَهُم ويَضْبِطُونَهُم. ولَكِن في حَالِ غِيابِ قُوَّةِ التَّماسُك والتَّلاحُم هذه يتَبَعْثَرُون، ويَتَلاشَوْنَ هَباءً مَنْثُوراً”. وهُنا، لا بُدَّ من التَّأْكِيدِ عَلَى الارْتِباط الأخْلاقِيّ والفِكْرِي أو المَبْدَئِيّ بالحِزْب ونِضالاتِه. لأنَّ غِياب هذا الارْتِباط، الَّذي هو تَعاقُد مَبْنِيّ على قناعَاتٍ ورَوابِط مُشْتَرَكَة، هو ما يُفْضِي إلى انْكِسارِ الحِزْبِ من الدَّاخِل، وحُصُول النَّزِيف فيه، أو الشُّقُوق والتَّصَدُّعات، حتَّى قَبْل أنْ يَحْدُث الانْهيار، أو يَطْفُو هذا الانْهِيار على السَّطْح.
ولِتفادِي مثل هذا النَّوْع من التَّفَتُّتِ لا بُدَّ من تَهْيِئَة البُدَلاء، أو تِلْكَ “الخَمِيرَة” التي تَسْمَح، دائِما، بإعادَةِ تَكْوِين الحِزْب، وتَكْوِين قياداَتِه، لا بالعَمَل على إفْراغِ هذه الخَمِيرَةِ ذاتِها من حَياتِها، أو ما يُمْكِن أن تَمُدَّ به الحِزْب من حياة.
ولَمْ يَتَجاهَل غْرامْشِي «دِيمُقْراطِيَة الحِزب الدَّاخِلِيَة» ولا «طابَعَه العُضْوِي، المُمَرْكَز والمُنْضَبِط» أي ما يُمْكِنُه أن يُؤَلِّفَ «المَرْكَزِيَة الدِّيمُقْراطِيَة». و«الانْضِباط»، هذا التَّعْبِير الَّذِي كَانَ أساسَ ما جَعَلَنِي شَخْصِياً أتْرُك الحِزْبَ، وأرْفُضُ البَقاءَ فيه، لِما اسْتَشْعَرْتُه، آنذَاك، من تَحَكُّم، وطابَع عَسْكَرِي أو بُولِيسيّ للتَّنْظِيم، يَصِير، كما اسْتَشْعَرْتُ الأمْرَ في حِينِه، نَوْعاً من «الإكْراه» والإجْبارِ، كما رأَى غْرامْشِي، لأنَّ انْعِدامَ الدِّيمُقْراطِيَة داخِلَ الحزب تَجْعَل هذا التَّعْبِير «أدَاة سَيْطَرَة، لا أدَاةَ تَوْجِيهٍ ضَرُورِيَة»، أو «كابِحا» لأَيّ «تَصَوُّرٍ للعالَم» ولأيّ «حَرَكَة تَقَدُّمِيَة تحَرُّرِيَة» للمُجْتَمَع.
الانْضِباط، في أساسِه، حِينَ يُمارَس «دَاخِلَ فِئَة اجْتِماعِيَة مُتجانِسَة» يكُون «أدَاةَ تَنْظِيم ديمُقْراِطيّ وحُرِّيَة»، لا بتَقْيِيدِ الحِزْب بالمفهوم المِيكانِيكِي، الَّذِي هو تَنْفِيذ للأوامِر، وإلْغاء لِشَخْصِيَة المُناضِل أو العُضْو، وتَحْوِيلِه بالتَّالِي إلى آلَة. ألَيْسَ هذا ما تَفْعَلَه اليَوْم المُنَظَّمات، والجَماعات المُتَطَرِّفَة، التي تُعْطِبُ عَقْلَ الإنّسانِ، وتُحوِّل جِسْمَه إلى أداةِ قَتْلٍ وإعْدامٍ؟!
الحِزْبُ، في هذا المَفْهُوم الَّذِي بَلْوَرَه غْرامْشِي في «دَفاتِر السِّجْن»، هو مفهوم تَنْظِيمِيّ، لا يَجْعَل من الحِزْب ثكَنَةً عَسْكَرِيَة، ولا مُعْسْكَراً للتَّدْرِيب، أو مُقاوَلَةً رِبْحِيَةً، بل إنَّه يكُون مَدْرَسَة تُؤَهِّل لـ«حياة الدَّوْلَة»، من منظور الالْتِزام الفِكْرِي والأخْلاقِيّ، باعْتِبارهِما ما يَضْمَنُ بَقاء الرُّوح الثَّوْرِيَة مُتَأَجِّجَةً في رُوحِ هذا الحِزْب، أو بالأحْرَى «التَّنْظِيم الثَّوْرِيّ». لَكِن، حين تَكُون القاعِدَة قَوِيَة، بنوْع التَّرْبِيَة، وبنوع التَّكْوِين، وبِتَماسُكِها الفِكْرِي، فهِيَ تَمْنَع «هَيْئَة أرْكان الحِزْب» من أنْ تَسْتَخْدِمَها «كَكُتْلَة مُتَنافِرَة»، وتَسْتَفِيد من هذا التَّنافُر لِمَصالِحِها الشَّخْصِيَة الصَّغِيرَة.
ولعلَّ في وُجُود الحِزْبِ كَـ«مُثَقَّف جَماعِيّ»، وكمَدْرَسَة، دائِمَة التَّكْوِين، وكـ«تنظيِم ثَوْرِي»، لا تُفارِقُه رُوح التَّغْيير، ورُوح الابْتِكار والتَّجْدِيد والاخْتِلاق، ولا تَمُوتُ خَمِيرَتَه في يَدِه، أو يَتِمّ قَتْلُها، هو ما كَان يَضْمَن بَقاء الحِزْب على الحياةِ، وبقاء طابَعَهِ المُونُولِيتِي، الَّذي هو أيديولوجِيَة الحزب وثقافَته، التي لا تَتَلاشَى بِمُجرَّد دُخُوله إلى دواليب السُّلْطَة، أو قَبُولِه بخَياراتِ السٍّلْطَة، مُقابِلَ خَياراتِه هو، التي يَتَنازَل عَنْها بِسُهُولَة، وكَأنَّها لَمْ تُوجَد أبداً.
كُلّ هذا تَبَخَّر عِنْدَنا، وصارَت الأحْزابُ بعيدَة عن هذه الرُّوح، التي كَانتْ هي ما شَدَّنا ونحنُ تلامِيذ وطُلاَّب في ما بَعْد للحِزْب، لَكِن، حين قَبِل الحِزْب بالسّلْطَة، بخَياراتِ الدولة، لا بخيارَتِه، وتَنازَل عن رُوحِه الثَّوْرِيَة، وصارَ يدْعُو إلى الانْضِباط، بالمَعْنَى التَّحَكُّمِيّ القَهْرِيّ، حَدَثَ ما حَدَث، وبدأ الانْهيار الشَّامِل، الذي فَتَّتَ الصَّخْرَةَ كامِلَة، وحوَّلَها إلى غُبارٍ، لأنَّ الحِزْبَ صارَ مُقاوَلَة، هَمُّه السُّلْطَة، لا الشَّعْب، ولا الوَطَن، وصار كُلّ شيء رَهِيناً بِمَن سَيَصِل إلى الكُرْسِيّ قَبْل الآخَر، لا مَنْ سَيُعِيدُ بِناء القِيَمَ، وابْتِكارِها، وَمَنْ سيَضَخّ دَماً جدِيداً في شَرَايينِ هذا الجِسْم الذي باتَ مَشْلُولاً، تأْكُلُه أعْطابُه، أو هو في حالَةِ مَواتٍ دائِمٍ، لا حَياةَ فيها لِمَنْ تُنادِي؟!.
التجارب و الخبرات المكتسبة طيلة الـ 5 سنوات الأخيرة أظهرت أن داخل الحزب السياسي "سياسيون" هم و سماسرتهم متطفلون على المقاولة و على عالم المال و الاعمال وجب حصر قائمتهم و إعتبارهم هم و العقارات و الأرصدة البنكية التي تحمل أسماءهم و أسماء أسيادهم و أقربائهم و أصدقائهم ملك عمومي للدولة.
لابد من الابداع في المجال التشريعي لإعداد حلول عملية استباقية للأزمات الاقتصادية التي قد تصيب المغرب كما أصابت اليونان و اسبانيا و البرتغال و غيرها من دول العالم.
متى يفهم من يتوهم انه يساري بأننا في عصر العولمة لم يعد من الممكن طرح مواقف وأفكار بعقلية القرن التاسع عشر من دون فهم ان بعض الأطروحات تجاوزتها مجتمعاتنا وعفا عليها الزمن؟ لو أنهم فتحوا كتاباً واحداً في الفلسفة أو الفكر الحديث هل كانوا يواصلون العيش في الوهم الذي يسيطر على تفكيرهم اليوم؟ مضحك ومؤسف انه من شدة انغماسهم في غياهب ما كان ما زالوا يتوهمون انه يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء!
حكى لي صديق طلق حزبه اليساري الذي كان ذات يوم صرحا فهوى ان الزعيم اصبح يخشاه من تبقى في فلكه بعد ان اصبح لا يتردد في اللجوء الى سفلة القوم من بلطجية مأجورين يأتمرون بأوامره للتنكيل بكل من لا يروق له ، حزب كانت أولى ابجديات نشوئه التصدي للفساد فصار زعيمه إلاها للفساد بعينه ، دكتاتوريته اين منها دكتاتورية عيدي امين وحبه للمال ولمتاع الدنيا لا يقف دونه حائل ، في سبيل الاستوزار قد يحرق البيت بمن فيه او تبقى من المناضلين الذين ما عادوا يحملون النضال سوى اسما غير ذي معنى ، يتلاشى الحزب وتتآكل أطرافه فلا يرى سوى ما تهمس به اليه نفسه الجائعة للسلطة والمال والحكم والمعارضة في آن ، هو الكل ، هو القمة وهو القاعدة ، رقم واحد لا يخطئ كما قال المرحوم محمد سعيد عفيفي بل القواعد من تجحد بنعمة الزعيم الفذ الذي لا تستحقه ، هذه هي طينة ورثة قلاع النضال التي تآكلت جنباتها من فرط تبولهم عليها ، لا يتطلب الامر ان يكون المرء عرافا يضرب في الرمل لمعرفة صاحب فزورة الأحد .
بالتلخيص الشديد الأحزاب لا تشاطر ولا هم يفرحون تهتم فقط ب combinazione من اجل الكراسي تتبادل الخدمات لا محاسبة ولا يهم يفرحون لا برنامج لا ارضية اسمي هذا الأحزاب "البورية" (مثل الفلاحة) وبرامج بورية وزعماء بوريين اما المناضلين فهم فقط "زوراكا" لا حظ لهم ولو في الترشح هكذا نرى من يسكن زحيليكة يترجم في بودربالة ومن يسكن السراغنة يترشح في الحي المحمدي ومن طرد من القنيطرة يترشح في اولاد بسيطة في دكالة
Une vraie auberge espagnole