السويني يجس النبض بشأن مؤشر النمو الاقتصادي ونوعية الأداء الحكومي

السويني يجس النبض بشأن مؤشر النمو الاقتصادي ونوعية الأداء الحكومي
صورة: أ.ف.ب
الخميس 10 أكتوبر 2024 - 05:00

قال المنتصر السويني، باحث في العلوم السياسية والمالية العامة، إن نتائج الحسابات الوطنية في المغرب الخاصة بالربع الثاني من السنة الجارية بعثت رسالة سلبية للحكومة والمجتمع، تُشير إلى تنقيط سلبي وحصيلة غير مرضية للسياسات العمومية، وتُظهر أن الاقتصاد الوطني يعيش وضعًا غير صحي.

وقدم السويني، ضمن مقال توصلت به هسبريس، معنون بـ”مؤشر النمو بالمغرب ونوعية الأداء الحكومي”، قراءة في أسباب عدم مصالحة الطبقة السياسية المغربية مع النمو، مشددًا على أن الثقافة السياسية للطبقة السياسية المغربية متشبعة بأفكار ومبادئ الديمقراطية التمثيلية، وبالتالي فهي غير متصالحة بالمطلق مع ثقافة النتائج والأرقام والمؤشرات.

وخلص السويني إلى أن المغرب يمضي بسرعتين: سرعة القطار السريع بالنسبة للمؤسسة الملكية، وسرعة بطيئة بالنسبة للمؤسسة الحكومية، وهو ما يؤكده مؤشر النمو المُعلن عنه.

نص المقال:

أظهرت نتائج الحسابات الوطنية في المغرب الخاصة بالربع الثاني من سنة 2024 تباطؤًا في معدل النمو، حيث انتقل من 2.5% إلى 2.4%. هذا التباطؤ هو رسالة سلبية للفريق الحكومي بالأساس وللمجتمع، لأن تراجع النمو أو استقراره يُعد بمثابة تقييم سلبي للأداء الحكومي، وبمثابة حصيلة سلبية للأثر الذي تتركه السياسات العمومية التي ينفذها على الحسابات الوطنية.

يعتبر بعض الاقتصاديين من أنصار المحاسبة الوطنية أن الحكومة تعتبر فاشلة وغير ناجحة إذا لم يرتفع الناتج الداخلي الخام سنويًا، وإذا لم تحقق التشغيل الكامل، وإذا لم ترتفع القدرة الشرائية، وإذا لم يتحسن ميزان الأداء، وإذا سجل البلد تقهقرًا وتأخرًا عن باقي الدول، وإذا لم تقدم مؤسسات التعليم الجواهر الثمينة النوعية والكمية التي يحتاجها التقدم الاقتصادي والاجتماعي للبلد.

اهتمام القادة السياسيين بتحسين معدلات النمو من أجل التموقع الجيد في سلم قوى الاقتصاد العالمي كان يعني بالأساس انتقال فن الحكم من الاعتماد على ثنائية الخرائط والبوصلة إلى ثلاثية الخرائط والبوصلة والمؤشرات، مما يعطي أهمية كبيرة لزمن الإعلان عن المؤشرات المرتبطة بالنمو لبلد معين.

اللحظات المرتبطة بالكشف عن الحسابات الوطنية، وخصوصًا الحسابات المرتبطة بالنمو وارتفاع الناتج الداخلي الخام، تعتبر من اللحظات المفصلية في حياة الشعوب والمجتمعات والمؤسسات السياسية، حيث يتم الانتقال من مربع ديمقراطية الوعود (اللحظة الدستورية المرتبطة بالتنصيب والمصادقة على البرنامج الحكومي أو ما يُطلق عليه في اللغة السياسية زمن الوعود الموثقة) إلى مربع النتائج (مؤشرات المحاسبة الوطنية وخصوصًا ما يُطلق عليه “المؤشر الملك”، أي المؤشر المتعلق بتطور الناتج الداخلي الخام ومعدلات النمو). وتعمل هذه اللحظات كذلك على نقل الفاعل السياسي من زمن إطلاق الوعود السياسية والاقتصادية والاجتماعية (زمن الكلام) إلى زمن الحقيقة المرقمة، والزمن الذي يُطلق عليه “زمن ديمقراطية النتائج” و”زمن الحساب”.

تراجع معدل النمو بالمغرب يؤكد الحقيقة المرة المتمثلة في كون الاقتصاد الوطني يعيش وضعًا غير صحي، فهو غير قادر على خلق الثروة، وغير قادر على تحسين ظروف عيش المواطنين، وغير قادر كذلك على خلق فرص للشغل، وغير قادر على الرفع من المداخيل، وفي الأخير غير قادر على القضاء على التفاوتات.

1) دور النمو في تعزيز السلم الاجتماعي

الاقتصادي صاحب جائزة نوبل، جوزيف ستيغليتز، سيؤكد أن الاقتناع بالدور الإيجابي الذي يلعبه الفعل الجماعي هو الذي كان السبب في تأسيس الدول منذ مجتمعات الأرز القديمة، لأن الفعل الجماعي وإيجابياته على المجموعة والفرد هو الذي شجع على التجمعات.
الفعل الجماعي كان له دور إيجابي كبير في تطوير وتحسين الوضع الجماعي للأفراد والجماعة من خلال خلق الثروة وتطويرها، وبالتالي لعب العمل الجماعي والفعل الجماعي دورًا محوريًا في تعزيز الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي للدول.

وفي هذا السياق، وجب التذكير أنه منذ القرن التاسع عشر، ومع بداية تعميم الانتخاب، أكد الثوار الإنجليز على أن “تعميم الانتخاب سيوفر أوتوماتيكيًا العيش الكريم، والخبز، والنبيذ، والسكن للجميع”. وسيؤكد الثوار الإنجليز أن الانتخاب بالنسبة لهم يعني شيئًا واحدًا يتمثل في توفير لقمة العيش وتحسين ظروف العيش الكريم.

وفي نفس السياق، وفي سنة 1848، عندما تمت شرعنة الانتخابات بفرنسا، سيؤكد السياسي الفرنسي ليدرو رولان: “ابتداءً من اليوم وحيث أن الكل سيصوت، فلن يبقى هناك أي بروليتاري بفرنسا”.

السوسيولوجي الفرنسي بيير روزنفلون سيؤكد أن مفهوم كلمة “تمثيل” تعني شيئين أساسيين في اللغة الدستورية: من جهة، اختيار الحاكمين من خلال عملية تفويض السلطة من المواطنين إلى المنتخبين، ومن جهة أخرى، نقل مطالب المجتمع والأهداف التي على الحاكمين العمل على تطبيقها. وبالتالي، من خلال عملية التمثيل، من المفروض على الحاكمين العمل على تحسين عيش المحكومين وخلق فرص الشغل لهم.

الفكر الاقتصادي سيعمل كذلك على ترسيخ الدور الفعال للإنتاج في تعميم الرفاهية. وفي هذا السياق، سيؤكد آدم سميث منذ القرن الثامن عشر على ضرورة الرفع من الإنتاج نظرًا لدوره في تعميم البذخ ليصل إلى أسفل طبقات المجتمع. وفي نفس الحقبة الزمنية، وقبل اختراع المؤشر الملك المدعو “الناتج الداخلي الخام”، سيعتبر الاقتصادي فرانسوا كيناي، مؤسس المدرسة الفيزيوقراطية، أن الثروة والنمو هما المحددان الأساسيان للسلم الاجتماعي، مما يؤكد على أن الدول والمجموعات عليهما أن يفعلا الكثير من خلال العمل الجماعي.

الاقتصادي جون كينيث جالبرايث سيعتبر أن كل أدوات الحياة الاقتصادية والسياسية متداخلة في نفس الطاحونة ويؤثر بعضها على بعض. وهكذا، سيعتبر أن البحث عن النمو من طرف البنية التحتية التقنية وأجهزة القيادة الخاصة بالشركات الكبرى كان يستهدف الرفع من المبيعات، مما يعمل على ارتفاع التوظيف داخل الشركات ويفتح الطريق للعاملين وأصحاب رؤوس الأموال للربح والتعويض ويفتح لهم كذلك آفاقًا جديدة. وبالتالي، تم التأكد من أن النمو يعمم الرفاهية على الجميع. لهذا تم السمو بمفهوم النمو إلى مستوى ومرتبة الهدف الاجتماعي الأسمى بالنسبة للدول والمجتمعات وليس فقط الشركات والمقاولات.

السمو بمفهوم النمو إلى مرتبة عليا وأساسية في حياة الشعوب، والانتقال بالتالي من الإنتاج باعتباره مخزونًا إلى الإنتاج باعتباره تدفقات، أي قيمة محدثة، كان يفرض إدماج الحساب والإحصاء ضمن آليات الحكم الحديثة، وبالتالي كان من المفروض العمل على ابتكار ما يطلق عليه اليوم “المحاسبة الوطنية”.

2) ارتفاع الناتج الداخلي الخام وترسيخ مبدأ “الحكم هو الحساب”

أزمة سنة 1929 ستؤكد على ضرورة التوفر على محاسبة وطنية حتى تتمكن الدول من صياغة سياسات ضد الأزمات، مما سيدفع وزير التجارة الأمريكي (سنة 1930) إلى مطالبة الاقتصادي سيمون كيزني بالعمل على ابتكار مجموعة من الحسابات الاقتصادية الوطنية للدولة، ومنها الناتج الداخلي الخام. وسيقدم صاحب جائزة نوبل للاقتصاد للكونغرس الأمريكي أول مشروع لحساب الناتج الداخلي الخام سنة 1934.

اهتمام الطبقة السياسية في مجموعة من الدول (أمريكا، بريطانيا، فرنسا) بإدراج الإحصاء ضمن آليات الحكم كان يعني البحث عن فن جديد للحكم يدمج الإحصاء ضمن أدواته. وبالتالي، عمل فن الحكم الجديد من خلال إدماج الحساب والإحصاء ضمن آلياته على التأكيد على أن السياسة ليست فقط مجالًا للكلمات والخطابات والصور، بل إن كنه السياسة الجديد يعمل على التأكيد على دور الأرقام في الحكم بالديمقراطيات الحديثة.

عالم الإحصاء والأرقام كان يؤكد المعادلة الجديدة: -علم جديد، ديمقراطية جديدة-، وكان يؤكد كذلك على الانتقال بعلم السياسة من مربع تحديد القواعد إلى مربع الحصول على النتائج.

منذ اختراع المحاسبة الوطنية والمؤشر الملك المدعو “الناتج الداخلي الخام” وشرعنة فن الحكم الجديد المعتمد على مبدأ أن الحكم هو الحساب، صارت الحسابات والأرقام التي تقدمها المؤسسات المكلفة بتقديم الحسابات الوطنية مقياسًا للتمييز بين الدول القوية والناجحة والدول المتوسطة والدول الضعيفة. وبالتالي، صارت اللحظات التي يُعلن فيها عن هذه المؤشرات لحظات لتنقيط الأداء السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدول، وفرصة كذلك لتحسين ترتيب الدول في مقياس النمو والقوة الاقتصادية.

3) رغم الانتقادات الموجهة للناتج الداخلي الخام، يبقى معيارًا عالميًا

النمو والارتفاع المستمر للناتج الداخلي الخام هو مقياس القوة ومقياس التميز على المستوى العالمي، كما أن ارتفاع الناتج الداخلي الخام هو مقياس للتشغيل ومقياس لارتفاع الدخل ومقياس للخروج من دائرة الفقر ومقياس كذلك لارتفاع القدرة الشرائية.

ورغم كل الانتقادات الموجهة لكيفية احتساب الناتج الداخلي الخام من خلال النقاش المفتوح منذ القدم حول كيفية الحساب وما يجب حسابه، ونظراً لكون الناتج الداخلي الخام لا يعكس ثروة المجتمع، كما أنه يهتم فقط بالأنشطة بعوض مالي، ولا يهتم بالفوارق في الاستهلاك أو في الإنتاج، ولا يميز بين الأنشطة السامة والأنشطة الاجتماعية المفيدة، ويركز فقط على التدفقات ذات القيمة الإضافية المنتجة، ولا يعير أي اهتمام للتراث الطبيعي والاجتماعي الذي تم تحويله من أجل الإنتاج أو الاستهلاك، كما أن الناتج الداخلي الخام هو مؤشر للتدفقات وليس مؤشرًا للمخزون.

مما سيدفع السياسي الأمريكي روبيرت كينيدي في خطاب شهير له سنة 1968، إلى القول: – إن الناتج الداخلي الخام لا يؤخذ بعين الاعتبار صحة أبنائنا، ولا بمستوى تكوينهم، ولا بفرح لعبهم، ولا يقيس جمالية شعرنا، ولا صلابة مؤسسة الزواج ببلادنا، ولا يفكر في قياس نوعية النقاشات السياسية التي نجريها، ولا بمصداقية مؤسساتنا وممثلينا بالبرلمان، ولا يؤخذ بعين الاعتبار شجاعتنا ولا حكمتنا ولا ثقافتنا –. السياسي الأمريكي كان يؤكد على أن الناتج الداخلي الخام لا يقيس مجموعة من الإيجابيات المرتبطة بنمط ومستوى ونوعية عيش الأمريكيين، ولكننا في المغرب نحمد الله أن الناتج الداخلي الخام لا يقيس مستوى نقاشنا السياسي ولا يقيس مستوى تعليمنا ولا يقيس كذلك مستوى نزاهة ومصداقية ممثلينا، وإلا لتذيلنا الترتيب ولا انخفض مؤشر نمو الناتج الداخلي الخام.

ورغم ذلك، فإن المؤشر الملك المدعو الناتج الداخلي الخام وباقي المؤشرات يستمدون قوتهم من كونهم تم اختيارهم سياسيًا من خلال ميزان قوى وطني ودولي بين الاقتصاديين والإحصائيين والمحاسبين، وبالتالي يتم اعتبارهم كاتفاقات وكوسائل للتنظيم في إطار مؤسسة الفعل العمومي.

التطور السنوي للناتج الداخلي الخام، وبالتالي معدل النمو، هو الذي يمكن الدول من قياس القوة والتطور الحاصل عبر الزمن. في المغرب، يمكننا أن نقارن بين مغرب الملك الراحل الحسن، والذي كانت القوة في عهده يتم ترسيخها من خلال صورة “الجماعة على الجرار” إبان عملية الحرث الجماعي، كما سبق وأكد السوسيولوجي جاك بيرك. أما صورة القوة التي يتم تسويقها خلال العهد الجديد بالمغرب فهي الصورة المرتبطة “بسفر المغاربة بالقطار السريع”.

تسويق العهد الجديد لصورة سفر المغاربة بالقطار السريع كان يعني أن العهد الجديد قد رفع سقف التحدي عالياً من خلال التكنولوجيا النوعية والسرعة الفائقة، وبالتالي كان المتتبعون للشأن المغربي ينتظرون ارتفاعاً كبيراً في معدلات النمو تقارب الرقمين أو تتجاوزه، مما كان يحتم وجود حكومة فاعلة ومسرعة ومهوسة بخلق الثروة وتطويرها وتحسين معدل النمو من أجل تحسين مستوى عيش المغاربة ومن أجل تحسين ترتيب المغرب في ميزان القوى الاقتصادية العالمية.

ولكن المتتبع للشأن العام المغربي يلاحظ أن الأغلبية البرلمانية والحكومة غير متصالحين مع ثقافة النتائج، وثقافة الحساب والإحصاء وثقافة النمو، وبالتالي كانوا عاجزين عن رفع التحدي المعبر عنه من طرف المغاربة في التقدم السريع والنمو المتواصل والسريع، الموازي لسرعة القطار السريع.

4) قراءة في أسباب عدم مصالحة الطبقة السياسية المغربية مع النمو

البحث في الأسباب التي تفسر عدم اهتمام الطبقة السياسية المغربية، وخصوصًا الأغلبية البرلمانية والحكومة المنبثقة عنها، بعالم الأرقام والإحصاء والمؤشرات والنتائج، يجد تفسيرًا له أولاً في كون الثقافة السياسية للطبقة السياسية المغربية هي ثقافة متشبعة بأفكار ومبادئ الديمقراطية التمثيلية، وبالتالي هي ثقافة غير متصالحة بالمطلق مع ثقافة النتائج وثقافة الأرقام وثقافة المؤشرات.

ثقافة الطبقة السياسية المغربية وغالبية النخب الأكاديمية هي ثقافة تحتمي بالشرعية المرتبطة بمربع الديمقراطية التمثيلية، وهي ثقافة تهتم بما يطلق عليه مربع التمثيلية (المواطن – المنتخبين) وتشعباته. وبالتالي فإن نخب مربع الديمقراطية التمثيلية يهتمون بالمقتضيات الدستورية وكيفية صناعة القانون ونشره وبكيفية تنظيم الانتخابات وصناعة الأغلبيات واللجان البرلمانية والقانون المالي وسحب الثقة والتعديل الحكومي، وما إلى ذلك. وفي الخلاصة، فإن ثقافة مربع الديمقراطية التمثيلية تركز اهتمامها على ما يطلق عليه مشاكل الحاكمين.

وعلى العكس من ذلك، فإن ثقافة الديمقراطية الحاكمة تهتم بكيفية تنفيذ المصلحة العامة على أرض الواقع، وبالتالي تهتم بالذهاب إلى التفاصيل اليومية في حياة المواطنين لمعالجتها. وعكس الديمقراطية التمثيلية، فإن الديمقراطية الحاكمة لا تركز اهتمامها على الثنائي المكون من (المواطن – الممثلين)، بل تهتم أساسًا بالثنائي المكون من (الحاكمين – المحكومين). وبالتالي تركز اهتمامها على المواطن في خصوصيته: منتج – مستهلك، عامل – عاطل، دافع للضرائب – مرتفق، …، لهذا تركز الديمقراطية الحاكمة على النتائج على أرض الواقع وعلى الأثر الذي تتركه السياسات العمومية، مما يجعلها مؤهلة أكثر للاهتمام بعالم الأرقام والحساب والإحصاء والمؤشرات والنمو، باعتبارها من مرتكزات ثقافة مربع الديمقراطية الحاكمة والفاعلة. وفي الخلاصة، فإن الديمقراطية الحاكمة من المفروض أن تركز اهتمامها على مشاكل المحكومين.

من جهة أخرى، فإن الأغلبية الحكومية (حزب الأحرار المتصدر للانتخابات الأخيرة، حزب الاستقلال، حزب الأصالة والمعاصرة) كانت عاجزة عن الإبداع في تصور نموذج للتدبير الحكومي قادر على تطوير الثروة الوطنية وتعزيز العيش المشترك والقضاء على الفوارق.

تعزيز نموذج للتدبير الحكومي قوي وفعال كان يعني الحضور القوي للأغلبية الحكومية على المستوى السياسي، وفي علاقتها بالرأي العام، وعلى مستوى التصورات والأفكار، والقيمة المضافة. ولكن الصراع داخل حزب الاستقلال والعجز عن استكمال الهياكل الحزبية (لم يتم ذلك إلا مؤخرًا) وخصوصًا اللجنة التنفيذية، والقيادة الثلاثية لحزب الأصالة والمعاصرة والصراع القوي بداخلها والذي وصل للقضاء، وانزواء وانكفاء حزب الأحرار داخل المربع الحزبي ومربع رئاسة الحكومة، كان يعني بالأساس عدم إمكانية فرز رجال للسياسة أقوياء من طرف الأغلبية الحكومية، خصوصًا وأن رجل السياسة الحكومي يستمد قوته من قدرته على تمثيل وحشد وتحريك الرأي العام وإقناعه من خلال الأفكار والحجج ومن خلال النتائج.

الأزمات السياسية الداخلية للأغلبية الحكومية، كانت تعني غياب العقل الحزبي الجماعي الموحد بالنسبة لحزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة، وغياب كذلك القدرة على ابتكار الحلول والإبداع من داخل المربع المتعلق بالتدبير الحكومي بالنسبة لحزب الأحرار. هذا العجز السياسي تجسد على أرض الواقع من خلال غياب العقل الحكومي عن الأحداث التي عرفها المغرب مؤخرًا نظراً لغياب الشجاعة السياسية.

الأزمات الداخلية للأغلبية الحكومية، أثرت بشكل كبير على أداء البنية التحتية اللامادية أو البنية التحتية الهادئة، كما سماها الاقتصادي جوزيف ستيغليتز (الحكومة)، وجعلها عاجزة عن ابتكار وإبداع نموذج للتدبير الحكومي يصنع النمو. كما أن الضعف السياسي الحكومي والوزاري كان فرصة لتسيد المشهد من طرف اللوبي الاقتصادي واللوبي الفساد واللوبي المصالح الشخصية والفئوية (كما يتضح من خلال تقارير المؤسسات المستقلة في المغرب).

وفي الأخير، فإن هذا الضعف نتج عنه بطء سرعة القاطرة الحكومية أمام سرعة القاطرة المرتبطة بالتدبير الاستراتيجي للمؤسسة الملكية، مما يؤثر بشكل كبير على الرغبة في السفر بالقطار السريع أو الرغبة بالسفر في الطريق السيار، ويؤثر كذلك على النمو وخلق الثروة وتحسن شروط العيش المشترك في ما تبقى من زمن الولاية الحكومية الحالية.

الخلاصة:

الحقيقة المرة اليوم تتمثل في كون المغرب يمشي بسرعتين: سرعة القطار السريع بالنسبة للمؤسسة الملكية، والبطء بالنسبة للمؤسسة الحكومية، وهو ما يتضح من خلال تراجع مؤشر النمو المعلن عنه أخيرًا، مما يؤكد أن المؤسسات التي تتوخى البحث عن المصلحة العامة لا تعملان بنفس السرعة.

ورغم أن دستور 2011 والمؤسسة الملكية منحا استقرارًا معينًا للتشكيلات الحكومية (وهو الاستقرار غير الموجود في غالبية الدول)، كان هذا الاستقرار يستهدف من ورائه العقل المركزي المغربي خلق التوافق الزمني بين الزمن الانتخابي – الأجندة الحكومية – زمن الإشكالات السياسية – زمن الإشكالات التدبيرية. وكان يستهدف أيضًا العمل على تمكين الوزراء الذين يعملون على تصور السياسة الحكومية (صياغة البرنامج الحكومي) والسياسة الوزارية والسياسات القطاعية من العمل على تنفيذ هذه السياسات ومنحهم الفرصة أيضًا لتقديم الحساب بشأن هذه السياسات (قانون التصفية، مثلاً).

هذا الاستقرار كان من المفروض أن يكون حافزًا للعمل والسرعة وتحقيق النتائج وخلق الثروة وتحقيق النمو من رقمين، ولكنه للأسف أفرز نتائج عكسية على التشكيلة الحكومية من خلال البطء وغياب الفعالية وترسيخ الستاتيكو، نظراً لغياب ثقافة المصالحة مع الأرقام والمؤشرات والنتائج.

بطء الأداء الحكومي يؤثر بشكل كبير على السرعة التي من المفروض أن يمشي بها المغرب اليوم ليكون قادرًا على بث الأمل وتحسين شروط العيش المشترك.

آباء المؤسسين للديمقراطية التمثيلية كانوا يعتقدون أن الديمقراطية التمثيلية لوحدها قادرة على تحسين العيش المشترك ونشر الأمل، ولكن يتضح اليوم أن الديمقراطية الحاكمة هي الرافعة الأساسية للدول من أجل تحسين شروط العيش المشترك ونشر الأمل من خلال سرعتها.

إبان نقاش الإصلاح الدستوري لسنة 1992، سيؤكد العميد – جورج فيديل – أن الديمقراطية التمثيلية لا يجب أن تخنق الديمقراطية الحاكمة (المصطلح الذي ابتكره الباحثان أوليفي ديهاميل والآن لانصلو). الفقيه الدستوري كان يوجه رسائل مشفرة للمعارضة المغربية التي كانت متشبثة آنذاك بمربع الديمقراطية التمثيلية لأنها لم تكن قد جُرِّبت بعد بالمغرب، بينما العميد كان ينطلق من الأخطاء التي نتجت عن تغول الديمقراطية التمثيلية على الديمقراطية الحاكمة إبان مرحلة الجمهورية الثالثة والرابعة والنتائج الكارثية لذلك على الاستقرار السياسي والفعالية.

بطء التدبير الحكومي بالمغرب يؤثر بشكل كبير على أداء جزء من الديمقراطية الحاكمة، وبالتالي يطرح السؤال: ما العمل عندما يعجز الحزب المتصدر والأغلبية الحاكمة بالمغرب عن رفع الأداء والسرعة لمواكبة ارتفاع سقف المطالب التنموية والاقتصادية والاجتماعية؟ خصوصًا وأن الآلية الدستورية المتمثلة في إمكانية القيام بتعديل حكومي يمس الوزراء فقط، قد تكون غير قادرة لوحدها على بعث الروح في الجسد الحكومي البطيء والمتردد، وقد تكون غير قادرة بالتالي على نقل الأداء الحكومي من مرحلة العجز والستاتيكو إلى مرحلة الفعل والسرعة والنتائج.

وبالتالي، ومن المفروض اليوم التفكير بشكل جدي في آلية تمكن من القيام بتعديل داخل الولاية يمس كذلك منصب رئيس الحكومة، خصوصًا وأن منصب رئيس الحكومة هو المنصب المفتاح من خلال السلطات المخولة له لرفع السرعة والفعالية الحكومية.

تغيير رئيس الحكومة داخل الولاية التشريعية لن يمس بالبرنامج الحكومي والأهداف المصادق عليهما، وبالتالي لن يمس بالمطالب المعبر عنها إبان اليوم الانتخابي من طرف الشعب الشرعي، مما يفتح المجال بإمكانية تغيير الفريق الحكومي سواء تعلق الأمر برئيس الحكومة أو بالوزراء في حالة البطء والعجز، خدمة للمصلحة العامة حتى لا يضحي الوطن بمزيد من الوقت، خصوصًا وأن ميزة الديمقراطية الحاكمة أنها ديمقراطية تستمد شرعيتها من خلال الفعل والزمن، وبالتالي يتم اكتشاف فعاليتها من خلال شرعية العمل على أرض الواقع (أي بعديًا) ومن خلال النتائج، عكس الديمقراطية التمثيلية التي تستمد شرعيتها من خلال التفويض الشعبي أي قبليًا.

وفي الأخير، ومن أجل الفعالية والسرعة والنتائج، يمكن أن نفسر الدستور بشكل مرن ويمكن كذلك أن نقوم بتعديل دستوري يستهدف عدم خنق الديمقراطية التمثيلية للديمقراطية الحاكمة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • معلق
    الخميس 10 أكتوبر 2024 - 07:16

    بعض الباحثين اصبحوا يبحثون عن نصيبهم من الكعكة الحكومية بعد فشلهم في التطبيل لها

  • الفساد
    الخميس 10 أكتوبر 2024 - 09:02

    يجب تعيين حكومة من طرف الملك محمد السادس بدون انتخابات فاسدة.

  • ى
    الخميس 10 أكتوبر 2024 - 10:46

    لقد اختلط عند صاحب المقال ما هو سياسي و الاقتصادي بين الدولة الفاعلة و حرية السوق هل الحكومة لها الآيات تتحكم فيها من أجل النمو الاقتصادي كيف ستتحكم في الضروف الخارجية هي تخطط ولها من يراقبها ليس البرلمان فقط و المؤسسات المانحة للقروض و الدول التي تساعد المغرب الأمور متداخلة الحكومة الحالية تصلح الكثير من التراكمية الخاطئة التي كانت الحكومات السابقة تضن أنها لها مردودية اقتصادي. هناك ضرفية ممتازة للحكومة السياحة و أموال الجالية المغربية في الخارج و لا بد من استثمار في مشاريع لها بعد اقتصادي و هذا ما يراه المتابع الواعي الذي يفهم في أسس الاقتصاد و النمو

صوت وصورة
أخنوش وتنزيل الأوراش الاجتماعية
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 00:42

أخنوش وتنزيل الأوراش الاجتماعية

صوت وصورة
بركة يعد بردع المضاربات
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 00:06 2

بركة يعد بردع المضاربات

صوت وصورة
من ورقة الاقـتراع إلى الحكومة
الخميس 17 شتنبر 2026 - 22:00

من ورقة الاقـتراع إلى الحكومة

صوت وصورة
ملعب هسبريس | اعترافات مثيرة لبابلو فرانكو
الخميس 17 شتنبر 2026 - 21:20

ملعب هسبريس | اعترافات مثيرة لبابلو فرانكو

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المصطفى بنعلي
الخميس 17 شتنبر 2026 - 21:00

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المصطفى بنعلي

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر
الخميس 17 شتنبر 2026 - 18:15 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر