في رحيل السرغيني

في رحيل السرغيني
الخميس 20 غشت 2026 - 14:47

الشاعر محمد السرغيني

إليه وهو يكتب، الآن، قصيدته الكبرى

تهيَّبتُ، دوماً، الاقتراب من “كتاب” الشاعر السرغيني، المخبوء والمستور بين الظل والشمس، حتى لا يحرقني، ولا يريني فهاهتي وعَيِّي وجهلي.

تهيَّبتُ عمرانه اللغوي، وشوكه المعرفي المستكن في قطيفة الإلماع الشعوري، والدفق الإحساسي، والفيض الصوفي، المدفون في طيات فراء لجراء نمور بيضاء، وفهود رقطاء، ولبؤات صهباء تذرع الاستوائيات، والهضاب الزرقاء، والحقول الثلجية، والضفاف المخضرة، في أقصى القطب والجغرافيا، ومنتهى الوهاد والقمم. لم يكن موطوءاً، أبداً، عمل السرغيني الشعري، أتحدث هنا عن عمله “بالجمع”، بدءاً من: “بحار جبل قاف”، إلى “الكائن السبئي”، إلى “وجدتك في هذا الأرخبيل”، و”من فعل هذا بجماجمكم”، إلى “احتياطي العاج”، و”من أعلى قمم الاحتيال”، و”وصايا ماموث لم ينقرض”، إلى “تحت الأنقاض.. فوق الأنقاض”. كان عمله هذا الجامع الوسيع الخصيب، نبعاً ثرياً فياضاً، يزركش الشعر بمطلقيات أخرى، ومؤثثات حافة تسنده وتنشره، وتوسع حدقاته. فكأن الشعرَ في شرعة السرغيني، قاصرٌ إذا عومل ضمن حده التجنيسي، وخطوطه المرسومة، و”حذائه الصيني”، مثلما تعاور على ذلك، وكرسته أحقاب وممارسات وتقاليد عجلى. فهو يسنده ليعطيه ما فصل عنه، ويوصله بما كان له في الشعريات الأولى، وما ينبغي أن يعاد ويستعاد. ولعل في صنيع أبي تمام، وشيخ المعرة العظيمين بما لا يحد، بعضاً من هذا الفهم، ونزراً من هذا المأتى، على رغم بقائهما رهيني محبس العمود، وسجيني جزمة الوزن والعروض.

ولنا في ما أتاه أدونيس، وأنجزه محمد عفيفي مطر، وبدر الديب، ومحمد آدم، تضميناً للتلاقي والتقاطع، مع الاحتراس من التعميم والتشريك.

لا يمكن، بحال، أن نفهم شعر محمد السرغيني، والفوز بلذة منه وفيه، ولا يفوز باللذة إلا الجسور على حد تعبير الشاعر سَلْمَ الخاسر، واختلاس مسرب إلى عين زرقاء ترفرف تحت رموشها السوداء الوطفاء الساحرة، فراشات من ضوء، وإلى صفصافة عاشقة حانية، يهدهدها نشيد متوارٍ بين الأوراق. لا يمكن فتح مسرب فيه، كما أقول، إلا بمصاحبة الموتى والأحياء الذين يصخبون في دارته الشعرية، وقراءتهم بالحتم، أو قراءة بعضهم في الأقل.

ففي تجربة السرغيني الشعرية الشامخة، اللاسعة واللذيذة في آن، يحضر هيرودوت شيخ المؤرخين طُرّاً، وتحضر ملاحم الإغريق العتيدة، والشاعر فرجيل، وأوفيد، والكتاب المقدس بعهديه: القديم والجديد، ومقالب “الصَّذوقيين”، و”الفرّيسين” اليهود، والأساطير، والمتن الخرافي، وشعراء العصور واللغات، والمتصوفة، والفلاسفة كأفلوطين، وابن سينا، وابن رشد، وملتون، والمعري، وابن عربي، وأبي حيان التوحيدي، وابن سبعين. كما يحضر التشكيليون والموسيقيون والمغنون العظام من كل دوحة ونسب. وتحضر العلوم المختلفة من طب وهندسة، وآلة، وسحر، ومخترعات قديمة وحديثة، وفلك، ورياضيات، وتنجيم، وكيمياء، وفيزياء. وتحضر الجوامع والصوامع والأبواب والجسور، والمدافن، والمقابر.

والعالم، في منظور السرغيني، على عظمته، ضئيل. والكون، على وساعته، ضيق. والأرض، على امتدادها أو لولبتها العظيمة، إسفنجة تنعجن في يد الزيات، إذ يختطفها بمهارة صقر، ويطفئها في “جفنة” زيت. والإنسان عابر سبيل ميت مادام سيموت: عقباه التحلل والتذرر والهباء.

لكنه بهي في هبائه، عسير على السهل، محاذٍ للتل، قريب من الجبل، أرضي وسماوي معاً، طائر في الأجواز، عالق بالمجرات البعيدة، ذاهب وآيب خلال العصور، ومشدود، على رغم كل هذا، إلى السفح والوتد، والأسباب المهترئة، والنانية المقيتة. مشدود، بكلمة واحدة: إلى الطين والوحل.

2ـ وهاهو ذا، ها هو الآن، في ذروة جماله وجلاله، ورهبة صمته وسفره، يكتب قصيدته الكبرى، غادياً إلى طفولته، ورائحاً منها مثل طائر السيمرغ، مترحلاً سارياً بين الصبا والشباب، والكهولة المكتهلة، وصولاً إلى الشيخوخة الذهبية حيث يحيط به مباركاً وهاتفاً ومنشداً: تاريخ فاس وعبق ميتافيزيقاها، وجموع الشعراء حاملي مرايا العصور، وصناجات الدهور، يشقشقون بآي المديح، وعبارات التبجيل والتكريم، وقد حَبَّروا بدم الشعر الأخضر المهراق عمراً سرغينياً ملفعاً بالبهي الشهي، ومكتنزاً بالعطاء العلمي، والخلق الإبداعي، والحضور الراسخ المهيب.

هو الآن في برجه الذهبي، وعزلته المهيبة، عزلة اختارته ولم يخترها، هو المعروف المشاء، والمعلم المشهود له بالمخالطة والمنافذة، والمواشجة، والرأي السديد، والعلم الغزير. يعيش عزلة الشعراء الملكية، ولو أنها عزلة الشيخوخة الظالمة كما سماها الراحل الكبير عبد الكريم غلاب. بعد أن ملأ الحوض، وبذر البذار، وغرس الغراس، وأشعل شمعة أبدية الذبالة دمعها لا ينفد، في معتم الغاب، ومظلم الدروب والحواري، ومدلهم الأيام والأحقاب، وفي مآقي الشعر العميق المرفود بالثقافة والمعرفة العريضة، وثاقب النظر والاستبصار.

نبدأ أطفالاً صغاراً لا نلوي على مجريات الحياة المعقدة الموتورة، ودنيانا الفانية الغارقة في الشد والجذب، المرهونة في التفاهات والخزعبلات، والمنغصات. ونعود، من حيث لا نحتسب، إذا امتد بنا العمر، إلى تلك الطفولة المشربة والمضمخة بكل ما هو ضحك ولهو وغناء ولا مبالاة. وقد عاد محمد إلى الطفولة الجذلى اللاهية سويّاً، لا يهتم بما يدور من سفاسف الأمور، ولا بالسباق نحو الريادة والقيادة والزيادة، وقد نال منها حظاً عظيماً، ونصيباً وافياً عميماً، وغنم غنائم لم يغنمها غيره عدداً ومثلاً.

وليس أعظم من أن نعود في شيخوختنا وقد هزلنا، ونال منا الدهر والكسر والوعثاء والعياء الوجودي، وعبء أحمال الحياة، وأثقال المعاش، إلى الطفولة الرائقة من دون أن يهدنا المرض، وتنهشنا الأوجاع، أن نعود أطفالاً أغراراً تملؤنا البهجة، ونغص في كليتنا بماء اللامبالاة، وعدم التفكير في ما هو آت. وتلك نعمة لا تعادلها نعمة، نعمة أن نعود إلى بدئنا، إلى مجيئنا، وتَخَلُّقنا خطوة.. خطوة، وتشكلنا عَلَقَةً.. علقة، ومضغةً.. مضغة حتى نتماهى بالقصيد الخام، القصيد الجذمور، القصيد الطفولي البريء الهنيء الخلو من مكر المساحيق، وثعلبية البلاغة، وذئبية التحكيك والتجويد، إذ أن القصيد الطفولي المقصود هنا، هو الذي يشدنا إلى التراب، إلى الصلصال، ملفوفاً في مشيمة النشوء والتكوين، محفوفاً، بما لا شك معه، بباقي الأستقسات، عنيتُ: الماء والهواء والنار.

هكذا يكون، وقد كان، مصير الكبار الجديرين بالحياة الأبدية، الحقيقين بالمباركة والإكبار، أن يعودوا كما جاؤوا أطفالاً شعراء مغسولين من دنس المادة، مخفورين بقدس الروح والمثال. ومحمد السرغيني حلقة ماسية في سلسال قائمة الترابيين الفانين، لكن الجديرين بالذكر والتذكر، والتاريخ السائل كالنهر الخالد، والأبد السرمدي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الجمعة 21 غشت 2026 - 19:08

    “Sois toujours poète, même en prose”
    “Always be a poet, even in prose”
    “كن دائماً شاعراً، حتى في النثر.”
    (Charles Baudelaire)
    (1821-1867)
    (دعوة لاتخاذ الروح الشعرية الحساسة منهج حياة لمقاومة جفاء العالم المادي وقسوته.)

    “Poets are the unacknowledged legislators of the world”
    “الشعراء هم المشرّعون غير المُعترف بهم للعالم.”
    (P B Shelley)
    (1792-1822)
    (يمنح شيلي الشعراء دوراً قيادياً في توجيه الضمير الإنساني وتشكيل القيم الجوهرية للمجتمعات)

    أيها الكاتب الكريم، إن فقدان العمالقة يوقظ فينا أوجاع الحنين إلى زمن الكلمة الأصيلة التي ترفض الانكسار أمام رياح العبث. وإننا في هذا العصر الرقمي المادي البحت، الذي قد يكون الأشد قسوة وحزناً في تاريخ الإنسانية، في أمسِّ الحاجة إلى وهج الشعر وبلاغة الأدب لننقذ ما تبقى من إنسانيتنا المعذبة وسط صخب التفاهة. فمثل هؤلاء العمالقة وحدهم يعيدون لترابنا المعنى، ولهذا الوجود الباهت ألوانه الخالدة. فطوبى لمن يزرع الجمال في حقول الرماد، فحين يغيب الشعراء، تبقى قصائدهم دمعة طاهرة تغسل أوزار العالم، وتترك في وجه التاريخ أثراً لا يمحوه النسيان.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
طقس خريفي متقلب بالمغرب
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 16:17

طقس خريفي متقلب بالمغرب

صوت وصورة
النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 11:55 1

النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى

صوت وصورة
أزمة النقل تخنق سكان طنجة
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 10:28 4

أزمة النقل تخنق سكان طنجة

صوت وصورة
GNV تحتفي بزبنائها في مراكش
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 09:20 1

GNV تحتفي بزبنائها في مراكش

صوت وصورة
ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 21:17 6

ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي

صوت وصورة
ضيوف من الفضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 20:36 2

ضيوف من الفضاء