العالم يكتب بالأرقام المغربية الغُبَارِيَّة .. والمشرق يتمسّك بالهندية!

العالم يكتب بالأرقام المغربية الغُبَارِيَّة .. والمشرق يتمسّك بالهندية!
مخطوط "الوجوه القريبة في الحساب والزمام" يوثق استخدام الأرقام الغبارية في المغرب خلال القرن السادس الهجري (المصدر: الجزيرة)
الأربعاء 23 يوليوز 2025 - 23:59

في عالم تُقاس فيه الأمم بمدى توحيد نُظُمها التعليمية والتقنية، لا تزال الدول العربية منقسمة حول أبسط أدوات التعبير: الأرقام.

ففي حين تعتمد البلدان المغاربية الأرقام المغربية الغُبَارِيَّة، المعروفة عالميًا بـ”الأرقام العربية” (0 1 2 3 4 5 6 7 8 9)، تواصل دول المشرق استخدام أرقام ذات أصل هندي (۰ – ۱ – ۲ – ۳ – ۴ – ۵ – ۶ – ۷ – ۸ – ۹)، تُدرَّس في المدارس، وتُكتب في الصحف، وتُطبع في الوثائق الرسمية.

اللافت أن الأرقام المغربية الغبارية ليست مجرد بديل تقني، بل تمثّل امتدادًا علميًا لما أبدعه العلماء في الأندلس والمغرب خلال القرون الوسطى. لقد طوّر هؤلاء رموزًا عددية بسيطة وفعّالة، تنسجم مع الخط العربي، وتُبنى على النظام العشري، وتُميز بوضوح بين القيم والمواقع، وأدخلوا مفهوم الصفر بطريقة ثورية غيّرت وجه الرياضيات.

هذه الأرقام هي التي انتقلت إلى أوروبا عبر الترجمات اللاتينية في طليطلة وصقلية، لتُصبح الأساس في كل منظومات العدّ الحديثة، من الآلة الحاسبة إلى الإنترنت.

فلماذا، إذن، ترفض دول المشرق اعتماد هذا النظام الرقمي؟

الجواب ليس علميًا ولا تربويًا، بل في الغالب تاريخي وبيروقراطي. فمع ظهور الطباعة في المشرق العثماني، جرى اعتماد الأرقام الهندية المشرقية في المطابع الرسمية، ثم تعمّق استعمالها في الإدارة والمدرسة، وأصبح تغييرها لاحقًا أشبه بمواجهة التراكم الإداري والعقلي معًا. ثم جاءت الأنظمة التعليمية الحديثة، فتبنّت الموروث كما هو، دون مراجعة جديّة.

لكن هذا الجمود يقابله في الغرب والعالم المتقدّم تبنٍّ شامل لما يُسمى بـ”Arabic numerals”، أي الأرقام الغبارية. إذ تُستعمل اليوم في كل العلوم الدقيقة، وفي البرمجة، والاقتصاد، والهواتف الذكية، بل وتُعدّ اللغة الرقمية العالمية. أما الأرقام المشرقية فمحصورة في الاستعمالات المحلية، ما يجعلها عبئًا لا أداة، ويجعل المتعلم العربي المشرقي بحاجة إلى ترجمة داخل لغته.

وقبل اثنتي عشرة سنة، طرح المؤرخ والدبلوماسي المغربي الراحل الدكتور عبد الهادي التازي، في إحدى ندوات المؤتمر الـ79 لمجمع اللغة العربية في القاهرة، نفس السؤال من موقع علمي موثوق.

فقد دعا التازي بوضوح إلى اعتماد الأرقام المغربية الغُبَارِيَّة المتداولة عالميًا في بلدان المشرق العربي، بدل الأرقام “الهندية” المستخدمة في عدد محدود من دول المنطقة.

واستند التازي، في محاضرته حول “المصطلح بين المغرب والمشرق ثقافيًا وعلميًا ولغويًا”، إلى مخطوطة مغربية تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي، من تأليف ابن الياسمين المراكشي، تضمّنت الأرقام المغربية الغبارية بصيغتها العالمية الحالية، مفنّدًا بذلك زعم بعض المشارقة بأنها وافدة على المغرب بعد الاستعمار، أو أنها مجرد أرقام “إفرنجية”.

بعض الدول العربية بدأت تطرح السؤال علنًا. دولة قطر، مثلًا، قررت قبل سنتين اعتماد الأرقام المغربية الغبارية في التعليم والإدارة، وهو توجّه ينسجم مع توصيات سابقة من جامعة الدول العربية، و”الألكسو”، ومجامع اللغة العربية، التي طالبت بتوحيد النظام العددي العربي على أساس الأرقام الغبارية، المعتمدة مغاربيًا والمتداولة عالميًا.

اعتماد الأرقام المغربية الغبارية في المشرق ليس مجرد تعديل شكلي، بل هو استعادة لرصيد حضاري عربي، ومصالحة مع الذات العلمية، وتوحيد لبنية التعليم العربي في زمن تتعاظم فيه الحاجة إلى التكامل المعرفي.

إن السؤال لا ينبغي أن يكون: لماذا لا تستخدم دول المشرق الأرقام المغربية؟

بل: لماذا تتردّد في ذلك، رغم كل ما يفرضه المنطق، والتاريخ، والتكنولوجيا؟

وحين نملك شجاعة الإجابة، نكون قد خطونا أول خطوة في اتجاه التصحيح.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • سفيان
    الخميس 24 يوليوز 2025 - 05:05

    حتى الارقام طالتها السرقة المغربية و تحولت بقدرة قادر من عربية الى مغربية سبحان الله يعني الخوارزمي و وابن الهيثم اصبحوا مغاربة بقدرة قادر يبدو انكم لا تفرقون بين كلمة المغرب و التي كانت تطلق على سكان غرب مصر و المغرب الذي انشأه الجنرال ليوطي

  • رشيد لمراكشي
    الخميس 24 يوليوز 2025 - 06:15

    أصبحتم كالجزائر تنسبون كل شيء للمغرب حتى الارفام سميتموها مغربية كونو تحشموا اليكم تاريخ الارفام=…….التحسين العربي:
    قام علماء الرياضيات العرب، مثل الخوارزمي، بتبني هذه الأرقام وتطويرها، خاصةً في مجال الجبر.
    الأرقام الغبارية:
    سميت الأرقام العربية “الغبارية” لأنها كانت تكتب في البداية على ألواح مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار أو التراب، باستخدام الأصابع أو أقلام من البوص.
    الخوارزمي:
    يعتبر محمد بن موسى الخوارزمي من أبرز الشخصيات في تطوير الأرقام العربية، خاصةً في كتابه “الجبر والمقابلة”.
    الانتشار إلى أوروبا:
    انتقلت الأرقام العربية إلى أوروبا عن طريق الأندلس، حيث أخذها الأوروبيون وطوروها، وأصبحت تعرف بالأرقام الغربية أو الإنجليزية.
    الصفر:
    الصفر (0) هو أيضًا اختراع عربي، وقد أثار جدلاً عند انتقاله إلى أوروبا، حيث لم يكن معروفًا لديهم سابقًا.

  • وعزيز
    الخميس 24 يوليوز 2025 - 06:22

    اعدتم كتابة الارقام بنفس الشكل .. لعدم وجودها على الراقنة . … فكروا في ذلك قبل كتابة العنوان.

    (۰ – ۱ – ۲ – ۳ – ….- ۸ – ۹)

  • غير مفهوم
    الخميس 24 يوليوز 2025 - 09:49

    بحثت عن هاذ الحضارة العربية فوجدت معزة و جمل وبئر ناشفة قبل ان يعربو المجرة

  • baadi
    الخميس 24 يوليوز 2025 - 09:51

    انها الأرقام الامازيغية. فكلمة صفر الدي جاء من كلمة زيرو باللاتينية جاءت من الكلمة الامازيغية “اسايرو ” وتعني الخاوي من فعل يورا: خاوي. اي لا شيء.

  • حان طويل
    الخميس 24 يوليوز 2025 - 10:10

    ردًا على ما ورد في تعليق المدعو “رشيد لمراكشي”، لا أحد يُنكر إسهام علماء المشرق، كابن موسى الخوارزمي، في تطوير علوم الحساب والجبر. لكن الخلاف هنا لا يتعلق بأصل الأرقام العشرية أو بنظام العدّ العشري، بل بصيغة الأرقام المرسومة، أي شكل الرموز (0 1 2 3…) التي تُعرف عالميًا بالأرقام “العربية”، وهي الصيغة التي نشأت وتبلورت في المغرب والأندلس، كما تثبته مخطوطات مغربية منذ القرن السادس الهجري، مثل مخطوط ابن الياسمين وابن البناء.

    أما الخوارزمي، فقد كتب عن الأرقام الهندية (وليس الغبارية المغربية)، في كتابه “حساب الهند”، ولم يُعرف عنه أنه استعمل الرموز التي نسميها اليوم “0 1 2 3”، بل أشار إليها كمفهوم عددي.

    الأرقام الغبارية المغربية هي التي انتقلت إلى أوروبا، عن طريق طليطلة وصقلية، ومنها تطورت إلى الأرقام العالمية الحديثة. لذلك سُميت في الغرب عن حق: Arabic Numerals.

    فلا مجال للتشكيك في الوقائع الوثائقية

    ارفع رأسك فأنت مغربي

  • جهينة
    الخميس 24 يوليوز 2025 - 10:36

    الجدل حول الأرقام العربية والغبارية ليس خلافًا بين المشرق والمغرب، بل هو اختبار لمدى قدرتنا كعرب على توحيد أدواتنا المعرفية. الأرقام الغبارية المغربية ليست فقط أكثر استخدامًا عالميًا، بل هي أيضًا ناتج مباشر لحضارة عربية أنجبت الخوارزمي وابن الياسمين وغيرهما من رواد الرياضيات. التردد في اعتمادها داخل المشرق يكرّس الفجوة داخل الجسم العربي، ويؤجل انخراطًا حقيقيًا في العصر الرقمي. هذه لحظة مراجعة: فهل نُبقي على التعدد من أجل التعدد، أم نتجه نحو ما يخدم العقل العربي في زمن يتسابق فيه العالم على توحيد أدواته؟

  • حمودان
    الخميس 24 يوليوز 2025 - 12:25

    واش معقول أننا كاملين كنقراو وكنخدمو بأرقام (0 1 2 3…) اللي العالم كامل كيعترف بيها ولكن فبعض بلدان المشرق باقيين كيعتمدو أرقام هندية (٠ ١ ٢…)؟ هادشي كيبان غريب شوية، حيت هاد الأرقام الغبارية ولات هي اللغة الرقمية ديال العالم، كتشوفها فالهاتف، فالكومبيوتر، فالتطبيقات، فالعلم، فالتجارة… بينما فبعض الدول العربية باقي كتدرّس أرقام ما عندهاش نفس الانتشار ولا الاستعمال. علاش ما نتوحدوش كاملين على نفس النظام العددي، اللي أصلاً جاي من حضارتنا؟ ماشي عيب نرجعو للأصل، خصوصاً إلا كان كيخدم التعليم ديالنا وكيقربنا من العالم الرقمي. راه الوقت وصل باش نراجعو بزاف ديال الأمور، والأرقام نقطة بداية مهمة

  • PAM
    الخميس 24 يوليوز 2025 - 12:43

    نفس السؤال ينبغي ان يطرح على اللغة حيث تبنت أغلب دول العالم الحرف اللاتيني فيما ظل المشارقة مترددين إلى يومنا هذا و نحن معهم في هذا التردد . المفروض هو كتابة العربية و الأمازيغية بالحروف اللاتينية و التخلص من الذاتية المفرطة .

  • filali
    الخميس 24 يوليوز 2025 - 13:48

    رغم حدف عبارة المغرب العربي العنصرية من دستور المملكة لا زال البعض متمسك بها كانها قران منزل .

  • الدكتور محمد العلوي
    الخميس 24 يوليوز 2025 - 16:37

    المفارقة أن ما يسميه المشارقة “أرقامًا هندية” هو فعليًا نظام عدّ محلي محدود، بينما العالم بأسره—including كبريات الجامعات والتقنيات الرقمية—يعتمد ما يعرف بالأرقام “العربية”، وهي في الأصل الأرقام المغربية الغبارية. هذا الانفصال بين ما نُدرّسه في مدارسنا وما يُعتمد عالميًا يخلق هوّة معرفية لا مبرر لها، ويفرض على الطالب العربي ازدواجية لا طائل منها. إن توحيد النظام العددي العربي ليس ترفًا لغويًا ولا نزعة مغاربية، بل ضرورة علمية، وفرصة لتقوية الرابط بين اللغة العربية والعالم الرقمي. لماذا لا نتبنّى ما هو فعلاً منجز عربي تاريخيًا وفعّال عالميًا؟ الإصلاح أحيانًا يبدأ من التفاصيل، وهذه إحداها.

  • عربي قح
    الخميس 24 يوليوز 2025 - 17:12

    أمر مضحك ، تريدون أن تكونوا عربا أكثر من العرب أنفسهم ! لا يمكن للعجم أن يفرضوا رأيهم علينا ، مكة أدرى بشعابها ! سلام عليكم.

صوت وصورة
جلسة عمل | جمال العسري
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:45

جلسة عمل | جمال العسري

صوت وصورة
خريجو أوكرانيا ينتظرون الحل
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:36

خريجو أوكرانيا ينتظرون الحل

صوت وصورة
أكتوبر الوردي.. بين الإعلانات والمعاناة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 22:00 1

أكتوبر الوردي.. بين الإعلانات والمعاناة

صوت وصورة
تعقيبات على البرنامج الحكومي
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 21:30

تعقيبات على البرنامج الحكومي

صوت وصورة
المنصوري: إجراءات واقعية وأرقام محددة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 19:09 8

المنصوري: إجراءات واقعية وأرقام محددة

صوت وصورة
تحيين الرسوم العقارية لحماية الملكية
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 18:00 1

تحيين الرسوم العقارية لحماية الملكية