القضاء بالمغرب... قضية شعب

القضاء بالمغرب... قضية شعب
الخميس 20 فبراير 2014 - 10:27

سأل أحد القضاة، وهو يحاول تفكيك الصورة حول ما جرى ويجري من شد وجذب لنادي قضاة المغرب، ألا يوجد مسلك آخر غير توظيف الضغط الإعلامي والاحتجاج، لتصريف المطالب التي يعتبرها النادي مدعاة للاحتجاج؟ لكنه نفسه لم يجد الإجابة، بسبب نهج بعض القضاة القائم على سياسة الأرض المحروقة، التي لا تترك خلفها أي جسر من جسور التواصل والحوار، وهو ما انعكس على خطابهم بالعزلة…

إذ ليس من حق القضاة احتكار مطلب ناضل من أجله الشعب المغربي بأكمله، وقدمت فيه تيارات سياسية ونقابية وحقوقية تضحيات جسام، حين كانت شريحة واسعة من القضاة تنهج سياسة النعامة في مواجهة تغول السلطة التنفيذية، واستباحة القضاء، وهو استقلالية السلطة القضائية، التي تأتي فرعا عن مطلب أعم، كان هو الفصل بين السلط لتحقيق شروط الانتقال الديمقراطي.

فما يقوم به بعض القضاة اليوم، يعد قفزا وتأميما لمِلك مشَاع، يتعلق بأزيد من 40 مليون مواطن مغربي، ولا يخص فقط 4 آلاف قاض وقاضية، والأدهى من هذا الاحتكار والأمر، تحويل مطلب استقلال القضاء على مقاس معين إلى يافطة تخفي خلفها غابة من المطالب التي يراد تمريرها تحت غبار معركة إعلامية يحاول من خلالها طرف لعب مختلف أدوار المظلومية، لتحقيق مآرب يختلف بشأنها حتى الجسم القضائي نفسه، عبر أدوات الضغط والاحتجاج، والانتصار للصوت الواحد…

ولعل مثالا فقط، يمكن للشعب المغربي الذي يراد إقصاؤه من المعادلة أن يرى من خلاله حجم الإرادة في التغول والاحتكار، فبعد أن أمسكت وزارة العدل والحريات العصى من الوسط بين رأيين، على وجه المثال لا الحصر،ـ في قضية رئاسة محكمة النقض ووكيل الملك بجعلها تتم بالتعيين ولمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، في مشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، كان مطلب الودادية الحسنية هو التعيين بدون تحديد أمد زمني، مع القابلية للتغيير في أي وقت، فيما كان مطلب نادي قضاة المغرب هو الانتخاب لا التعيين. وبالرغم من أن تمثيلية النادي في الجسم القضائي لا تتعدى الثلث، تعصب لموقفه، واعتبر المس به مسا باستقلالية السلطة القضائية.

فما يحسب لوزارة العدل والحريات اليوم، والذي لم تجد فيه فئة معينة غير رفض الحوار من طرف واحد، هو نجاحها في تدبير منهجية فعالة في مقاربتها لمختلف مشاريع القوانين التي تقوم بها في إطار الإصلاح الشامل لمنظومة العدالة، ولعل القانونين التنظيميين الذين يثيران الزوابع خير دليل على ذلك، حيث قامت الوزارة باستشارة واسعة للقضاة بما فيها الودادية الحسنية للقضاة، ونادي قضاة المغرب، والجمعية المغربية للمرأة القاضية والمنتدى المغربي للمرأة القاضية، وفتحت نقاشا بشأنهما مع المجلس الأعلى للقضاء، ومع القضاة في مختلف ربوع المملكة، وكان من بين المتخلفين عن الحوار، نادي قضاة المغرب الذي أرسل مذكرة أخذت مطالب كثيرة منها بعين الاعتبار في المشروعين، قبل أن تقدمهما الوزارة لغرفتي البرلمان.

ونظرا للوضع المتقدم للمملكة مع الإتحاد الأوربي والذي يفرض ملاءمة القوانين المغربية مع المعايير الأوربية والدولية أخذت الوزارة، بعين الاعتبار، ملاحظات تقدم بها ثمانية خبراء يمثلون اللجنة الأوروبية للنجاعة القضائية التابعة للاتحاد الأوربي ولجنة البندقية.

وأي سعة صدر أرحب من الإعلان على انفتاح الوزارة على الحوار مع القضاة، وعلى مقترحاتهم بشأن المسودتين، حتى بعد المراحل الأولية من المنهجية، وما يفتحه التداول والنقاش مع ممثلي الأمة من أبواب أخرى لإغناء المشروعين التنظيمين، ما يعني أنهما لم يكونا سوى تلك النقطة التي أفاضت الكأس، وأن تحت الأكمة ما تحتها…

لكن ما يراد نثر الغبار لإخفائه ليس هو موضوع الاستقلالية، باعتبار المرحلة التي يمر بها المغرب قد جاوزته، وأعلنت القطيعة مع تحكم اللجنة التنفيذية في القضاة، وهو ما لا يستطيع النادي المذكور نفيه، وإلا فلماذا لم يقدم أي من “المئات” المنتمين إلى النادي على إثبات ملف واحد تدخلت فيه وزارة العدل والحريات أو السلطة التنفيذية، أو مست فيه باستقلالية القضاة…فما يراد نثر الغبار لإخفائه هو ما كشفه آخر تقرير موله الاتحاد الأوروبي وأنجز بشراكة مع الهيأة المركزية للوقاية من الرشوة، والذي كشف عن تفشي الرشوة بشكل مثير حسب التقرير في جسم القضاء، فما يعاني منه الشعب المغربي بأكمله هو غياب النزاهة لدى بعض القضاة، وهو ما يؤثر على مختلف القضايا، وليس القضايا السياسية فقط، حتى تلك التي تمس البسطاء، والسادة القضاة يعلمون أن غياب النزاهة لا يحقق الاستقلالية بإطلاق مهما تحققت هذه الإستقلالية في علاقة القضاء بالسلط الأخرى، لأنها تتعلق بالقاضي لا بجهة أخرى.

ولاستكمال الصورة، يكفي الاطلاع على طبيعة الخطاب الدائرة رحاه في الصفحات الخاصة بالقضاة على المواقع الاجتماعية، وجزء كبير منها يدعو إلى تكميم أفواه مختلف المتدخلين في النقاش العمومي حول استقلال السلطة القضائية، باعتباره شأنا يخص القضاة دون سواهم، لفهم أن النادي يذهب أبعد من الاستقلالية، في تضخيمه للـ”أنا”، وإقصائه للجميع، وتحميله للبرلمان “فقط” مسؤولية النقل عن القضاة في عملية التداول والمناقشة والتصويت ودعوته لاعتبار النادي مرجعا في ذلك، في تجاوز تام لصفة البرلمان كسلطة تشريعية مستقلة عن السلطتين القضائية والتنفيذية.

والشعب الذي ظل تواقا لهاته اللحظة التاريخية في الإصلاح الشامل لمنظومة العدالة لن يصمت إلى الأبد، في وقت يحاول فيه من يقفون وراء الضجة الحط من كرامة القاضي ومن رمزيته، بتحويل القضاء إلى وسيلة لحروب طاحنة، تتجاوز المطالب المعلنة إلى درجة التسييس ومواجهة تيارات سياسية علنا، ولن يسمحو بأي حال من الأحوال أن يتحول المطلب التاريخي في استقلال القضاء من ضامن لتحقيق العدل والمساواة إلى صهوة لخلق استبداد جديد، يعوض الإستبداد الذي لطاما اتصفت به السلطة التنفيذية قبل أن يرى دستور 2011 النور.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • خليل
    الخميس 20 فبراير 2014 - 11:27

    إذا كانت هناك ديمقراطية داخل الجسم القضائي فعليهم العمل على أكبر عدد اما بالتصويت او بالإمضاءات او بالحضور أو طريقة يتفق عليها بالأكثرية إن اتفقوا. لكن يجب وضع قانون يعاقب القاضي إن أخل بإلتزاماته في الأحكام والقضايا ووضع جدول زمني لذلك.

  • عبد الله
    الخميس 20 فبراير 2014 - 11:48

    البيجيديون يمارسون التدليس :
    أولا : نادي قضاة المغرب لم يحتكر ولم يؤمم النضال من أجل استقلال القضاء، لكن الودادية تراجعت واستمرأت الوضع السابق، إضافة إلى الأحزاب السياسية التي تراجعت، لأنها ترفض استقلال القضاء لتحقيق مآربها.
    ثانيا : وزارة العدل لم تمسك العصا من الوسط في قضية الرئيس والوكيل العام لمحكمة النقض، ولو مسكتها من الوسط لعملت على انتخاب ثلاثة لكل منصب تقدم أسماؤهم للملك من أجل تعيينهم، يعني الجمع بين الانتخاب والتعيين.
    ثالثا : لما طالب النادي بالانتخاب هل هذا يعني أنه يؤمم النضال ويحتكره ؟
    رابعا : على ماذا اعتمد الكاتب في تحديد تمثيلية النادي في الثلث ؟ وما هي تمثيلية الودادية ؟
    خامسا : الكاتب يحاول الربط بين رفض النادي وبين التقرير الأوربي ليبين أن النادي ضد ما تحاول الوزارة تنزيله من النزاهة، ولكن الربط كان بطريقة بليدة لم تفلح،
    خامسا : الندي لم يدع إلى القيام بدور البرلمان وإقصاء هذا الأخير، لكن لا يجوز لبرلماني أمي أو جاهل أن يناقش قضايا القضاة أو الصحافة أو الطب دون الرجوع إلى أبناء الدار.
    أخيرا : يتوهم البيجيديون أن وزارة العدل هي الرميد، هذا مناط الخطأ

  • marrueccos
    الخميس 20 فبراير 2014 - 12:47

    هذا خطأ شائع ٱخر كقولك 40 مليون مغربي لا يجب السقوط فيه ! القضاء ليس قضية شعب بل إصلاحه مطلب شعب فمن المخول بذلك قانونا ! القضاة أم الوزارة ( الوصية ) أم المشرع ! إن تضافرت الجهود قد نصل إلى قضاء نزيه لكن الواقع يظهر عكس ذلك ! فالحروب المعلنة بين الفرقاء الثلاث ما هي إلا مقدمة لإجهاض الإصلاح ! أما الشعب فهو محايد سلبي أو إيجابي يتفرج دون أن تكون له قوة إقتراحية ! حتى قاعة المحكمة تفتقر لتمثيلية الشعب على خلاف ما يعمل به في أمريكا والعديد من الدول الديمقراطية داخل أوربا !

  • lakwalab
    الخميس 20 فبراير 2014 - 13:55

    la parole est au peuple en premier lieu , le club des ( magistrats) défend des intérêts non déclarés que la majorité des 40 millions de marocains refusent .

صوت وصورة
ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 21:17 6

ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي

صوت وصورة
ضيوف من الفضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 20:36 1

ضيوف من الفضاء

صوت وصورة
أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 15:32 5

أزمة المواقف مستمرة وسط البيضاء

صوت وصورة
أبي رقراق ينبض بالحياة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 13:32 1

أبي رقراق ينبض بالحياة

صوت وصورة
طرق مدمرة وخدمات غائبة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 11:18 4

طرق مدمرة وخدمات غائبة

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟