الكوتا والسقف الزجاجي

الكوتا والسقف الزجاجي
الإثنين 9 مارس 2026 - 10:39

في الثامن من مارس من كل سنة، يتجدد النقاش حول مكتسبات المرأة، ليس كاحتفال طقوسي فحسب، بل كفرصة لقياس نبض الواقع مقابل طموح القانون. وفي المغرب، يُعدّ حضور المرأة في المجال السياسي من أكثر الملفات إثارة للجدل، فبينما تحتفي الخطابات الرسمية والمكاسب الدستورية بـ “التمكين”، تكشف الوقائع الميدانية عن فجوة عميقة بين “الحضور الكمي” و”الفعل النوعي”. إن تحليل وضعية المرأة المغربية في السياسة الوطنية والمحلية يستدعي وقفة نقدية جادة تتجاوز إحصائيات المقاعد البرلمانية، لتغوص في بنية الأحزاب، وثقافة التدبير العام، والعقليات التي لا تزال تحكم المشهد.

المكاسب الكمية وهندسة التمثيل:

لا يمكن إنكار أن المغرب قطع أشواطاً مهمة على مستوى الإطار القانوني والمؤسساتي. فالدستور المغربي لسنة 2011 كرس مبدأ المناصفة، وجاءت القوانين التنظيمية للانتخابات (خاصة قانوني مجلس النواب ومجلس المستشارين، والجماعات الترابية) لتعزز الحضور النسوي عبر نظام “اللائحة الوطنية” و”اللائحة الجهوية” المخصصة للنساء. نتيجة لذلك، سجلنا ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة تمثيل النساء في البرلمان وفي المجالس الجماعية مقارنة بعقود سابقة. هذا التقدم هو نتاج “سياسة عامة” واعية بأهمية إدماج المرأة كرافعة للتنمية وكمؤشر على ديمقراطية الدولة. إلا أن هذا الارتفاع الكمي، وإن كان إيجابياً، يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تحول هذا الحضور إلى نفوذ حقيقي في صنع القرار؟

الإشكالية النوعية: الحضور دون التمكين

تشير المعطيات والتحليلات السوسيولوجية للمشهد السياسي إلى أن وضعية المرأة لا تزال تعاني من “السقف الزجاجي”. فالكثير من النائبات والمنتخبات يجدن أنفسهن في وضعية “التزيين” أو “ملء الفراغ” الذي فرضته الكوتا، دون أن يُسمح لهن بالوصول إلى مراكز القرار الحساسة داخل المؤسسات أو حتى داخل أحزابهن. على المستوى المحلي، تواجه المرأة عوائق أكبر، حيث تتداخل العوامل الثقافية والقبلية مع العوائق المالية، مما يجعل وصولها للرئاسة أو لعضوية المكاتب الدائمة أمراً شاقاً. أما على المستوى الوطني، فإن النساء غالباً ما يُقصين من اللجان البرلمانية الاستراتيجية (كالمالية والداخلية)، ويُحصرن في اللجان ذات الطابع الاجتماعي، مما يعزز الصورة النمطية لدور المرأة.

تشخيص العلة: سياسة عامة أم عقلية أحزاب؟

هنا نصل إلى لب الإشكال الذي طرحته: هل المشكل في السياسة العامة للدولة أم في عقلية الأحزاب؟ الحقيقة تكمن في تداخل العاملَيْن، لكن الكفة ترجح لصالح “عقلية الأحزاب” كعائق رئيسي:

– في جانب السياسة العامة: الدولة وفرت الإطار القانوني (الكوتا)، لكنها قد تكون قصرت في آليات المراقبة والتتبع. فغياب عقوبات رادعة على الأحزاب التي لا تفعّل المناصفة داخلياً، واكتفاء القانون بضمان الحضور في اللوائح الانتخابية فقط، جعل السياسة العامة “شكليّة” في جانب منها.

– في جانب الأحزاب (العائق الأكبر): تظل الأحزاب المغربية، بمعظمها، هياكل ذكورية بامتياز. فالثقافة الحزبية السائدة تعتمد على “الولاءات” و”الشبكات الذكورية” في توزيع المناصب. المرأة داخل الحزب غالباً ما تُستغل كـ “صوت انتخابي” أو كرقم لتحقيق النصاب القانوني، ولا يتم الاستثمار في تكوينها القيادي. إن “الديمقراطية الداخلية” المفقودة في الأحزاب المغربية تطال المرأة أولاً، حيث تهيمن العقلية الأبوية على التخطيط والترشيح، مما يجعل المرأة تابعة لقرار الرجل الحزبي وليست شريكة في صنعه.

نحو تدخلات تصحيحية: بناءً على هذا التحليل، فإن الاحتفال بعيد المرأة يجب أن يكون محطة لإطلاق تدخلات جديدة تتجاوز “الشعارات”:

إصلاح داخلي للأحزاب: يجب فرض شفافية أكبر في انتخاب قيادات الأحزاب، وربط التمويل العمومي للأحزاب بنسبة حقيقية للمرأة في مراكز القرار الحزبي (المكاتب الوطنية واللجان)، وليس فقط في اللوائح الانتخابية.

تغيير هندسة الكوتا: الانتقال من كوتا “اللائحة” إلى كوتا “المقاعد” أو تشريعات تلزم الأحزاب بترشيح النساء في دوائر فردية قابلة للفوز، لكسر احتكار الذكور للدوائر الآمنة.

برامج تكوينية قيادية: إطلاق برامج وطنية لتأهيل المرأة سياسياً وإعلامياً وقانونياً، لتمكينها من خوض غمار المنافسة بعيداً عن وصاية “الآباء الروحيين” في الأحزاب.

تغيير الثقافة المجتمعية: سياسات عمومية تدعم توازن الحياة الخاصة والعملية للمرأة السياسية، وتخفيف العبء الاجتماعي الذي يُستخدم غالباً كحجة لإقصائها.

خاتمة

إن وضعية المرأة المغربية في السياسة هي مرآة لديمقراطيتنا الناشئة. لقد نجحنا في كسر حاجز “الغياب”، لكننا لا نزال نواجه تحدي “التأثير”. المشكل ليس في عدم رغبة الدولة في التغيير، بل في مقاومة الهياكل الحزبية التقليدية وفي العقلية المجتمعية التي لا تزال تنظر للمرأة السياسية كاستثناء وليس كقاعدة. في هذا الثامن من مارس، يجب أن يكون مطلبنا واضحاً: لا نريد فقط نساءً في البرلمان، نريد نساءً يصنعن القرار. ولا نريد أحزاباً تستثمر صورتها، بل أحزاباً تؤمن بكفاءتها. التمكين الحقيقي ليس هبة تُمنح، بل حق يُنتزع عبر إصلاح جذري لآليات العمل السياسي وثقافته.

-باحث في العلوم السياسية والتواصل السياسي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 12

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 3

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 7

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة