المدينة-الحديقة

المدينة-الحديقة
الأربعاء 17 ماي 2023 - 13:52

هناك وجدت قلبي ممتلئا تماما بعد أن أفرغ مكنوناته. لم يطق صبرا معي، وعلي، فتركني وطار إلى حيث يجب أن يكون. لم أطلب منه أن يسبقني إلى “الجنة الحلوة”. فهو لم يكن بحاجة إلى طلبي. فعلَ ذلك من تلقاء ذاته. وفي الحقيقة، خيرا فعل. جرى كل شيء دون علمي، وفي غفلة مني، ولم أفطن للأمر إلا عندما كشف لي “عبد الحليم” السر. وسط الأشجار، وعلى إيقاع خرير المياه، ومن وراء حجاب أخضر كان واقفا يغني: “اسبقني يا قلبي اسبقني”.

على الطريق، تمشي الخضرة والصفرة يدا في يد دون أن تتعب إحداهما من الأخرى، ودون أن تملّ هذه من تلك. عناقهما الحميم مثل ضفيرة الأرض-الأم موضوع قصيدة مستحيلة تنتظر عبثا من يكتبها، ولوحة هائلة تختمر في ريشة فنان لا يزال الكون ينتظر يوم ولادته المباركة.

على جانبي الطريق، وفي الأفقين القريب والبعيد، تقف الأشجار في خيلاء ساحر، والريح بعد أن أضناه الشوق يبثها لوعته، فتتمايل طربا في كل اتجاه، وتترنّح شهوة. والسنابل الباسمة، المكتملة أنوثة، تراقص النهار رقصا فاضحا على مرأى من الجميع.

تتطلع شجيرات الكرم، التي لا حد لكرمها، برؤوسها إلى السماء. تصلي صلواتها كلها، وتتأهب للعطاء بغير حساب. تراها عاكفة تلم أرواح الأشياء وتكثفها في عناقيدها، والخلقُ في انتظار اكتمال عصارة يطرب لها، وينتشي بها، الطير والحجر والبشر. حفل موعود سالكة كل الطرق إليه، ومفتّحة أبوابه للجميع، فأهلا بالمحتفلين.

أتيتكِ مهرولا لا ألوي على شيء. أرجوكِ اعذريني فأنا لا أعرف كيف يجب أن يكون السير إليك. سمعتُ نداءك الجميل فلبّيت النداء على الفور ولم أشغل بالي بالتفاصيل. خيار واحد ليس له شريك كان قائما أمامي فاتخذته، أو على الأصح هو من اتخذني. حقيقة لست أدري من منا اتخذ الآخر. وليس مُهما من يكون.

وها قد وصلت إليكِ سالما معافى، مُحبا توّاقا. وكما وعدتك بذلك، ها أنا ذا أُقبل عليك نهما مسالما ومسلما، وليس لي إلا أن أقبّلك في الموضع المعلوم بين عينيك. فكحلي العينين، وافتحي لي ذراعيك.

دعيني أسألكِ، وتحملي تهكّمي غير المؤدب، فلا شك أنك تعرفينني أهبل: هل عليّ أن أوصيك بي خيرا؟

بالله علي، كيف أجرؤ على أن أطلب منك هذا وأنت الخير كله؟

في الواقع، أنا من عليه أن يوصي نفسه بك خيرا. فأنت الجمال وقد اتخذ شكلا واسما وتاريخا وجغرافية. الجمال هش. لكن لا خوف عليك يقيّدني ويشد وثاقي. يكفي أن ذلك الكائن الأسطوري كان، ولا يزال، يحرص، وبعيون لا تنام، حدائقك وورودك وطيورك وفراشاتك، وعلى امتداد محيط خصرك نُحتت كهوف آمنة.

تجوب الإوزة مياه البحيرة في طمـأنينة وسلام. هل هي تدري كم هي جميلة؟ نعم. لا. ربما. لست أدري. فلا شيء هنا يشي بشيء. تتباهى الأم أمام العيون بكتاكيتها الثمانية الصغار. وهؤلاء يسبقونها تارة ويتخلفون عنها تارة، يجتمعون تارة ويتفرقون تارة، يبتعدون تارة ويقتربون تارة. ولا همّ لهم غير اللعب والمرح. كم أنتَ غيور يا هذا!

وفي الليل تخرج الضفادع عن صمتها. قيل إن نقيقها في الليل البهيم يخيف، وقيل إنه يضفي ألفة على المكان. وبين هذا القول وذاك كان ثمة خطاب عشقي ضفدعِي يزداد حدة والتهابا، والقمر في السماء شاهد ويُرجع الصدى نورا وضياء. أي فرح آسر، أو ألم مبرح، يجعل ذلك الصوت يخمد هكذا، أو يتصاعد، أو يغير إيقاعاته ونبضاته؟ أهي ضحكات، أم تنهدات، أم آهات، أم زفرات؟ أي قصائد رائعة تلك التي تُلقى ولا أحد يستطيع أن يفك رموزها؟ أحقا لا تملك الضفادع أي شيء عن العشق يمكن أن تعلمنا إياه بعيدا عن الكلمات الكلاسيكية القديمة التي باتت عرجاء وجوفاء، وعن الجمل الركيكة المبتذلة الشائعة؟ هل يخلو عالم الضفادع من مجنون مثل مجنون ليلى عند البشر؟ ألا يوجد بينهم ثنائي عاشق حِيل بين طرفيه فبكيا حتى غرقا في دموعهما وماتا عشقا مثل إيسلي وتسليت؟

رحمتك يا الله! يبدو أنني صرتُ مجنونا حقا. وحقا أقول، أي بأس في ذلك؟ إذا أنا صرتُ مجنونا فعلا فاعلمي أنك أنتِ السبب. أجيبيني من فضلك، أي جنون يمكن أن يصيبني أجمل من جنون فوق صدرك؟

في حضرة أحواش نسيت نفسي. ولا يمكن للمرء إلا أن ينسى نفسه. أحواش ابن الجبل. لا يمكن تخيله ابن السهل أو الساحل. الجغرافيا هنا محدد موسيقي. فتضاريسها تصير إيقاعات موسيقية. يشعرك أحواش بتعرجات الجبال، وبالطرق غير المطروقة، وبالرياح الباردة التي تهبّ فتدفعك دفعا إلى الرقص إلى أن يحترق الجسد، وتشتعل الروح.

وجدتني منخرطا في جذبة روحية جماعية. الكتف متكئة على الكتف، ومتّحدة بها، ومتوحدة معها، وإلى مقامات عالية كان المساق. انطلقتِ الرحلة المقدسة من سفح عميق، وصعدت بي وبالآخرين، وتصاعدت رويدا رويدا، وانطلقت الأجساد من عقالها، وتحررت بنا، ومنا، وصارت لها حياة خاصة، وأخذت تقودنا إلى حيث أرادت هي وابتغت.

لعبتْ بنا الحناجر والدفوف وتلاعبت. وكنا نقلد الكلمات والألحان والرقصات. سلّمنا أنفسَنا بأنفسِنا إلى المايسترو فأخذنا بحركاته وشطحاته في رحلة طويلة محفوفة بالمباهج. أفرغنا من ذواتنا، المتصلبة والرسمية جدا حد التكلّف المقيت، حتى صرنا مثل قصبة خاوية، ونفخ فينا من الحياة الكثير من الحياة، فصرنا على يديه أخف وأجمل وأبهى وأسعد.

في النهاية، تعب الجسد تعبا جميلا، وبح صوتي. وكما يحدث في كل النهايات فقد غادرت عندما آن أوان العودة. غادرت دون أن أكون حزينا ولا شقيا، فاطمئني. أتعرفين متى قررتُ أن أغادرك؟

دعيني أفشي لك سري، وفي أذنك مباشرة، وبصوت خافت لا يسمعه أحد سواكِ: لقد غادرتُ في اللحظة التي صرتُ فيها متيقنا تماما بأنني لن أشبع منك أبدا مهما طال بي المقام.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 15

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 5

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 20

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع