النظام الاجتماعي في الإسلام

النظام الاجتماعي في الإسلام
السبت 22 أبريل 2023 - 15:08

لامسنا في الورقة الرمضانية السابقة المنشورة في هذه الجريدة الجادة أسس الاقتصاد في الإسلام، وفي التي سبقتها ماهية النظام السياسي الإسلامي ومميزاته مقارنة بالنظام الديمقراطي الغربي. وقد تم ذلك بالنسبة لهذين الموضوعين المثيرين للجدل في الأوساط الأكاديمية والإعلامية والثقافية بصفة عامة، في ضوء كتاب “حقيقة الإسلام” للفقيه الدستوري والسياسي الدكتور عبد الهادي بوطالب رحمه الله؛ وهو كتاب نعتقد أنه يستحق أكثر من قراءة، سواء اتفقنا مع مؤلفه أو اختلفنا معه.

ويبدو أن رؤيتنا النسبية لن تكتمل بطبيعة الحال لما تم عرضه بإيجاز في الورقتين السابقتين، إلا إذا لامسنا كذلك ماهية النظام الاجتماعي في الإسلام، لأن العلاقة تلازمية/ ترابطية وذات تأثيرات متبادلة في كل الأنظمة بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي وما هو اجتماعي. لذلك نتساءل مع القارئ الكريم في هذه الورقة المختصرة: … وكيف هو النظام الاجتماعي في الإسلام في ضوء الكتاب ذاته “حقيقة الإسلام” للعالم الدكتور عبد الهادي بوطالب؟.

يذهب الفقيه القانوني بوطالب في الفصل الثامن من كتابه هذا، الصادر باللغتين العربية والفرنسية، والذي يتضمن كما سبقت الإشارة 14 فصلا، (يذهب) إلى أن التصور الإسلامي للمجتمع العالمي جمع البشر على وحدة المواطنة الإنسانية، جاعلا منه خليفة الله في الأرض والمسؤول عن إصلاحها، وتدبير أمورها بالعدل. ولم يقر لأي كان – نبيا أو بشرا عاديا – أن يعلو على غيره إلا بمقدار مخافته من الله وانضباطه لتعاليمه، وهو ما تجمعه كلمة التقوى، أي خشية الله.

والمجتمع الإسلامي مجتمع أخلاق، وعدل، ومساواة، وسماحة، وتسامح، وتكامل. والنظام الأخلاقي الذي جاء به الإسلام ورسخه في جذور مجتمعه ذكر في القرآن والسنة، مجملا ومفصلا.

والمجمل هو ما يتصل بمبادئ الإسلام العامة وقواعده الأساسية وخطوطه العريضة؛ وقد تعمد الإسلام أن لا يحيط بتفاصيله على قاعدته في سن قواعد الأصول وترك المبادرات للمجتمعات عبر العصور لتفصيل ذلك عبر الاجتهاد الفقهي، مجاراة للتطور المحمود الذي لا تعارض فيه مع أصول الأخلاق الأساسية. لكنه مع ذلك جاء بتفاصيل عن الثوابت من الأخلاق التي تشكل قانون سلوك المجتمع الإسلامي، حتى لا يخرج عن إطاره الحق ومنهجه الصحيح.

وفي باب العدل، يشير الفقيه القانوني الدكتور عبد الهادي بوطالب إلى أن هذه الكلمة وردت في القرآن في 14 موضعا، وورد ذكر مرادفتها وهي القسط في 16 موضعا، وتكرر في عدة آيات أخرى التنديد بنقيضيهما الذي هو الظلم. ومن ركائز العدل في الإسلام إقامته على المساواة، فلا ميز بين البشر ولا تفاضل بينهم إلا في درجات التقوى.

وأهمية العدل تشخصها، حسب المؤلف، الآية 25 الواردة في سورة الحديد (57) القائلة: ” لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط”.. فهي (أي هذه الآية) تجعل إقامة العدل في الأرض الغاية من إرسال الرسل بالكتب المنزلة بالوحي؛ ويبدو فيها العدل في شكل ميزان لا ترجح فيه كفة على أخرى.

والعدل بين الناس، أي بين جميع الناس، وفي جميع الأحوال، يتضمن عدل القاضي بين المتقاضين على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم، وتطبيق الحكم الشرعي على نوازلهم، فلا فرق في ذلك بين مسلم وغيره. وهذا ما جاء في الآية (58) من سورة النساء (4): “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل”. فالأمر بالحكم بالعدل يعم جميع الناس ولا يخص المتقاضين من المسلمين. (ص129)

وأكد بوطالب في كتابه هذا أن القرآن ذكر قاعدة العدل في طليعة القواعد التي يقوم عليها الإسلام والديانات التي سبقته. ولم يغفل القرآن أي جانب من جوانب البعد الشامل لمفهوم العدل، إذ نوع مضامينه ومحتوياته حاثا على إقامته بين الناس والتخلق به، ناهيا عن نقيضه الذي هو الظلم.

وأضاف أن العدل في الإسلام إذن نمط خلقي يقوم على الإنصاف. وقد قال “فيكتور هيكو”: “إن عالم المادة يقوم على التوازن. أما عالم الأخلاق فقوامه الإنصاف”. وتساءل أيضا يقول المؤلف (وهو يقصد “فيكتور هيكو” (Victor. Hugo) الذي كان أديبا وشاعرا وروائيا فرنسيا وهو صاحب رواية البؤساء): “ماذا إذن فوق العدل؟” وأجاب: “الإنصاف” (ص 132).

والمجتمع الإسلامي – يقول بوطالب رحمه الله – مجتمع تكافل، أي مجتمع يسوده التضامن، ويأخذ فيه الغني بيد الفقير، والقوي بيد الضعيف، وتتكفل فيه الدولة بتوفير العيش الكريم للمحتاجين وتضمن لهم ما يكفل قوتهم ويمكنهم من مواجهة المرض والعجز.

وأخيرا، فالإسلام يهيب بالمجتمع أن يضمن لكل عضو فيه حدا أدنى من العيش، وقد قال الفقهاء إنه – والقصد الحد الأدنى- يتمثل في الطعام والشراب واللباس والسكن (ص140).

إعلامي وباحث

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Amaghrabi
    الثلاثاء 25 أبريل 2023 - 17:27

    اعتقد ان مرجعية العدل او العدالة الاجتماعية هي العقل او الواقع المعاش ولا علاقة للعدل مع الديانة السماوية لان الانبياء في الواقع انطلقوا من الواقع المعاش الذي كان يسوده الظلم والاستبداد وجاءتهم الرسالة السماوية او حتى الرسالة البشرية من اجل الاحتجاج والدعوة الى نشر العدل بين البشر وان نومك شبعان وجارك جائع ظلم واثم لا يقبله العبد ولا خالق العبد وبالتالي فالاهم ليس مرجعية العدل او مصدر العدل وانما تطبيق العدالة الاجتماعية وتحيقي الاساسيات من العيش والصحة والسكن ووو لكل مواطن بغض النطر عن مصدر القانون ان كان الاهيا او بشريا وبالتالي فالتركيز يجب ان يكون على الحقوق الضرورية للشعوب ولا الى مصدر الحقوق او مرجعية الحقوق

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30

اللغات المغربية في الأدب والإعلام