الولاء في مسار الأسئلة الخاطئة

الولاء في مسار الأسئلة الخاطئة
الثلاثاء 4 شتنبر 2012 - 02:57

منذ أن اعتلت الحركة الإسلامية سدة الحكم في دول الربيع العربي وباشرت تدبير الشأن العام وهي تتعرض لجملة من الأسئلة التي يطلب منها الإجابة عنها. وإذا كانت بعض هاته الإشكالات تتعلق بجوهر الممارسة الديمقراطية التي كانت مفقودة في العالم العربي حتى وصول القطب الهوياتي، فإن جلها لا يعدو أن يكون محاولات لعرقلة النجاح المفاجئ والمتناسل، ومحاكمات لبداية الفعل بعد أن كانت المحاكمة على النية والقصد. والأسئلة متشابهة ومتكررة ومتناسلة تتمنع عن الحصر والعد تمنع أيام الوصول إلى التدبير. وهكذا أتخمت الساحة الإعلامية في مصر وتونس والمغرب بحملات تشويه وحصار لقادة التدبير السياسي تحت عناوين الحرية والديمقراطية ومحاربة الفساد ووووو. وإذا كان فريق الرفض بمسوحه العلمانية قد أعلنها منذ البداية حربا ضروسا على مقومات الوطن والمجتمع انتقاما من مجتمع لفظه (وعكاشة مصر خير الأمثلة) فإن الأغرب انسياق العديد من السياسيين والعلماء وراء الحملة والدخول في سياق الأسئلة الخاطئة.

منذ مدة تداعت العديد من الهيئات الحقوقية والمدنية لمناقشة موضوع واحد والتركيز فيه وعليه هو حفل الولاء والبيعة. وواكبت النقاش حملة إعلامية مرصودة حاولت الاستفادة من إثارته بغية كسب نقط في مساحة التدافع الاجتماعي بل وصل صدى النقاش إلى العديد من الهيئات الدولية والأممية في إطار التجاذب السياسي والديبلوماسي كما لمح لذلك سفير الأسد في الأمم المتحدة، وتبلور في احتجاجات وتظاهرات داخل الوطن وخارجه. وواكب النقاش كذلك مطارحات فقهية وقانونية حول الموضوع من خلال قراءته بأبجديات التراث الأصولي والفقهي الذي ربط بين طقوس الولاء وفكرة البيعة وشروطها، مما اخرج بعض العلماء عن صمتهم إما منافحين عن شكلها وإما معارضين لها. ودون الدخول في متاهات الرد ورد الفعل فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح على هؤلاء وأولئك هو ليس حول شرعية الطقوس ومدى ملاءمتها لمبادئ السياسة الشرعية وإنما حول توقيت الطرح وتصاعده: فلم أثير النقاش الآن وفي هذه الظروف بالضبط؟

قد يحلو للبعض ربطه بالتغييرات الدستورية ومحاولة تنزيل الدستور، وقد يأتي البعض بتأويلات ترتبط بجو التغييرات الديمقراطية التي يشهدها المغرب ودخول المؤسسة الملكية على الخط. لكن الأكيد أن النقاش اتخذ مسار أكثر زخما خلال هذه السنة ومن قبل المعارضين للتجربة الحكومية الحالية في سلسلة من الإثارات التي لن تتوقف.

قد لا نحتاج إلى تذكير كتاب الصف الهوياتي بصنفيه العلماني والإسلامي أن الدخول في متاهات الشرعية والتفكير الفقهي في القضية تغييب لجوهرها الحقيقي، لأن النقاش سياسي بالأساس وليس فقهيا أو قانونيا. فالنقاش حول الركوع والتقبيل وغيرها من الطقوس التي نشهدها سنويا في حفل الولاء لا ينبغي أن يحصر في الدائرة الشرعية وإنما في سياق العديد من الأسئلة التي أثيرت بغية القفز على الملفات الحقيقية للوطن والمجتمع. ويشبه الأمر تدخل العالم بمنطقه الفقهي ليعبر عن موقف سياسي جدلي قابل للقراءات المتعددة مستندا إلى نصوص وأصول اجتهادية. لكن الواقع المتموج والمصالح الظاهرة والخفية واللوبيات المتحركة تفترض في القراءة ألا تكون عفوية بل شمولية. لذا يمكن إدراج النقاش الأخير في سلسلة من الملفات التي تفتح مذ بداية تجربة حكومة بنكيران. فبدءا من ربطة العنق وطريقة اللباس ومرورا بالموقف من المرأة والعنف ضد الأطفال والأمازيغية والإعدام والفساد والحرية الجنسية ورمضان…. وأخيرا الموقف من الولاء وطقوسه. هي سلسلة من الملفات التي تطرح من قبل كتائب الرفض والتحريض بغية إحراج الحكومة الحالية وإفراغها من حمولتها الإصلاحية وقطع مسيرة التغيير التي بدأت، وإلهائها عن الاستمرار. هي استراتيجية الملهيات، بتعبير أبو يعرب المرزوقي، التي تروم تعطيل المسيرة وإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل البداية.

من مصر إلى المغرب تتكرر المحاولات وتتماثل. وفي كل مرة تصطدم بإصرار القادة الجدد على السير قدما في تنفيذ برامج الإصلاح. لكن الأكيد أن للشعب هموما تتعلق بواقعه والفساد المستشري فيه وعلاقته بإدارته وغيرها من الهموم والأسئلة الحقيقية بدل الدوران في أسئلة وهمية قد لا نحتاج للكثير لمعالجتها حين يأتي أوانها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • أبو ليلى
    الثلاثاء 4 شتنبر 2012 - 12:04

    "لكن الأكيد أن للشعب هموما تتعلق بواقعه والفساد المستشري فيه وعلاقته بإدارته وغيرها من الهموم والأسئلة الحقيقية بدل الدوران في أسئلة وهمية قد لا نحتاج للكثير لمعالجتها حين يأتي أوانها."
    و طقوس الولاء المهينة لكرامة الإنسان مظهر من مظاهر الفساد يا أستاذ.

  • karim
    الأربعاء 5 شتنبر 2012 - 00:44

    هدا قناع من أقنعة بنحمزة الدي له عدة وجوه وعدة ألسنة فهو يشتغل بأدوات النظام وبثوابت البلاد لكنه يعمل على تخريبها واستغلال خيراتها اتقوا الله

  • أ. الطالب
    الأربعاء 5 شتنبر 2012 - 01:08

    لا فض فوك يادكتور بوعلي ففريق الرفض بمسوحه العلمانية والإلحادية قد أعلنها منذ البداية حربا ضروسا على مقومات الوطن والمجتمع انتقاما من مجتمع لفظه
    لفظهم المجتمع فعلا فلا مكان لهم في هذه البلاد
    ولذلك يبحثون عما يمكن ان يتشبثوا به محاولين إظهار نفاقهم بأنهم مع الكرامة

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 5

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10 3

المنصوري: سألجأ إلى القضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34 1

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29 1

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"