الگوم المغاربة بين فيلمين

الگوم المغاربة بين فيلمين
الخميس 25 يونيو 2026 - 14:21

لا أدري كيف تحولت كلمة “القوم” إلى “الكوم” بالجيم الأعجمية، لكن الدارجة المغربية تعودت على هذا القلب الصوتي حين تصادف حرف القاف القوي، حتى أن كثيرا من المغاربة ينطقون فعل “قال” بهذه الجيم: كال لي، كلت لو. والمهم أن الفرنسيين انتخبوا مجموعة من المغاربة ليشكلوا طوابير عسكرية، تكون تابعة للجيش الفرنسي تأطيرا وتدريبا وتسليحا، أو أن هؤلاء تطوعوا بمقابل راتب محترم، يخرجهم من الفقر الذي كانوا يعيشون فيه في المناطق الجبلية. وكان السواد الأعظم من الكوم أمازيغ لا يعرفون العربية أو لا يتقنونها، وقد احتاجوا أحيانا إلى ترجمان ينقل المعنى بين الفرنسية والأمازيغية.

هؤلاء الكوم مسلمون، رغم أن البعض منهم لم يكن يعرف العربية، لكن الفقهاء والأئمة كانوا يقربون لهم دينهم. ولا شك أن إقناعهم بالمشاركة في الحرب كان يجب تطمينهم معه على كون ما سيقومون به لا يختلف عن الجهاد في سبيل الله ومن ثم تتحقق الشهادة، وذلك من أجل مزيد من التشجيع والتحفيز.

التاريخ يروي عن الكوم أحداثا كثيرة أكدت قوتهم وشجاعتهم وخوضهم للأخطار والمصاعب. وقد اعترف الحلفاء الذين حاصروا جبل كاسينو والدير الذي تحصن فيه الألمان أثناء الحملة على إيطاليا، أنه لولا الكوم الذين تسربوا عبر الجبل إلى طرق وعرة لم يتوقع أعداؤهم أن يتم الهجوم عليهم عبرها، لبقي جيش الحلفاء معاقا هناك مدة أطول. كما أن الكوم ساهموا بشكل كبير في تحرير جزيرة كورسيكا ومدينة مارسيليا.

هذه البطولات الخارقة، وسّختها بعض الادعاءات من جانب المدنيين الإيطاليين، الذين كانت قراهم في طريق الكوم. ونحن لم نرد أن نرجع إلى التاريخ لأنه متشعب وكثير التفاصيل المتناقضة أحيانا بمجرد تغيير زاوية النظر، لذلك اقتصرنا على ما يقوله فيلمان، أحدهما إيطالي والآخر فرنسي.

1- الماروكينات

وهو من إخراج فيتوريو دي سيكا وبطولة صوفيا لورين وجون بول بيلموندو سنة 1960، وفيه يعرض الفيلم قصة غتصاب الكوم للنساء والبنات الإيطاليات وقتل من يقاوم من الرجال. وفيه تضطر سيزيرا هي وابنتها روزيتا إلى الهروب من القصف واللجوء إلى منطقة تشيوتشاريا، وحين يعود الهدوء وينسحب الألمان يدخل الحلفاء إلى القرى الموجودة هناك، وعلى رأسهم الجيش الفرنسي، الذي لم يتحكم في تحرك الكوم كما في لحظات الحرب، فتتعرض المرأة وابنتها وأخريات إلى اغتصاب فظيع في مبنى مهجور. والفيلم يركز خاصة على دور الأم في حماية ابنتها قبل الأحداث ومحاولة رأب ما انكسر بعد ذلك. الفيلم صريح في توجيه الاتهام للكوم المغاربة. وكان الروائي الإيطالي مورافيا أكثر صراحة وهو الذي كتب الرواية التي تحولت إلى الفيلم. ويبقى السؤال، لماذا لم يوجه دي سيكا أي اتهام للجيش الفرنسي ولم يشر إلى مسؤوليته فيما وقع.

Indigènes – 2

وهو من إخراج رشيد بوشارب ومشاركة جمال الدبوز، سنة 2006 وفيه يركز المخرج على العدد الكبير من الكوم الذين ضحوا بأرواحهم من أجل فرنسا والحرية والديموقراطية وإسقاط الطغيان. من خلال مجموعة من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم وسط قضية لا تهمهم بشكل مباشر، ومع ذلك لم يكونوا يعرفون سوى القتال، أحيانا من أجل البقاء. لا يغفل بوشارب الجانب العنصري من قِبل أفراد الجيش الفرنسي وبخسهم لكل بطولات الكوم، فهم ليسوا سوى متخلفين تحت سيطرة الحماية الفرنسية ولا يرقون إلى مرتبة أحقر جندي فرنسي أبيض.

الفيلم لا يتكلم أبدا عن الأحداث المأساوية التي وردت في فيلم دي سيكا، ليس هناك اغتصاب ولا قتل ولا اعتداء للكوم على الإيطاليين والإيطاليات. وهو بذلك يقدم وجهة نظر مناقضة للفيلم الأول.

المؤرخون لا ينفون وقوع ضحايا، من ذلك 2000 اغتصاب وحوالي 800 حالة قتل، تخص من حاول الدفاع عن النساء. وقد أدانت السلطات الفرنسية مجموعة من الكوم بالإعدام. غير أن أفظع من هذه الأحداث، خلفت ملايين الضحايا من المدنيين بفعل همجية السوفييت واليابانيين والنازيين أثناء الحرب العالمية الثانية، وهي عُملة متداولة في كل الحروب.

نحن هنا لا ننفي ما قاله التاريخ، لكننا نحمل المسؤولية للفقهاء والأئمة الذين لم يشرحوا للكوم دينهم بقدر ما قد يكونون حرضوهم على أن السبي بعد الانتصار حلال، وأن الموت في سبيل الله وحده يجعل من المسلم شهيدا مؤكدا، أما القضايا التي تخص المستعمر ففيها نظر. كما أن الجيش الفرنسي غض البصر عن اندفاع بعض الكوم، ولم يدربهم على قواعد الحرب الحديثة التي تقدس المدنيين في جميع الأحوال، وحتى الأعداء المسلحين إذا رموا أسلحتهم. وكأني بالكوم يخوضون الغزوات والفتوحات الأولى للإسلام.

لن أنكر قوة الجندي المغربي في الحرب العالمية الثانية ولا في حرب الفييتنام ولا في غيرها من الحروب التي خاضها ضد أعداء بلادنا، ولكن ما أعتز به اليوم أكثر هم حفدة هؤلاء الشجعان الأبطال القدامى، أبطال القوات المسلحة الملكية منذ الاستقلال، الذين ردوا العدوان على المغرب بكل ألوانه، وحرروا الصحراء بدمائهم ولا يزالون يحمون الثغور إلى اليوم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • الورزازي
    الجمعة 26 يونيو 2026 - 08:10

    الكوم فئة من المغاربة الذين انخرطوا في صفوف القوات المساندة للجيش الفرنسي، و ما كان لهم أن ينخرطوا فيها لولا الجهل و الحاجة. هم إذن واحدة من مظاهر الانحطاط التي قادت المغرب إلى الوقوع في يد الاحتلال الأوربي.
    غير أن الانتقال من قضية الكوم مباشرة إلى إدانة الفقهاء لا يبدو سليما.
    هؤلاء الكوم، و قبل أن يرتكب عدد منهم جرائم حرب في إيطاليا كما وثقت ذلك عدة شهادات حتى وصلت إلى مكتب البابا حينها، قد سبق لهم أن ارتكبوا جرائم حرب في حق إخوانهم من المغاربة في ظل إدارة الاحتلال الفرنسي: فقد كانوا السند للجيش الفرنسي لوضع حد لمقاومات الجبال، كما كانوا له سندا لقمع انتفاضات المدن…
    هؤلاء المغاربة المغرر بهم كانوا ضحية جهل عشش في المغرب لقرون، و كذلك لعقلية قبلية تنزع نحو “السيبة” التي يحلوا لمن يحن إليها تسميتها بـ”الاستقلالية”.
    هو الجهل إذن و العقلية القبلية التي تنفر من متطلبات الدولة…..

  • فريد
    السبت 27 يونيو 2026 - 05:41

    الأساس هو أنه لايجب النظر إلى الماضي بعين الحاضر.أن نحمل المسؤولية للفقهاء والأئمة في فترة تاريخية فارغة كان فقيها كل من يحفظ القرآن ويُعلمه للأطفال،وإماما كل من يُلقي خطبة الجمعة،بدون التذكير بأن السلطان هو الذي طلب الحماية الفرنسية لنظامه من ثورة القبائل المغربية،وبإسم هاته الحماية إستغلت فرنسا كل شيء في المغرب بما فيه إرغام المغاربة على المشاركة في حروبها.أن نقوم اليوم بتوبيخ ضميرنا على ما فعله أجدادنا خلال الحرب العالمية الثانية بإسم “La ciociara” أو “Indigènes” هو مجرد تُرهات بدون معنى.

  • متتبع
    السبت 27 يونيو 2026 - 19:46

    كان لي قريب شارك في هذه الحرب.ومن بين الخمسين مغربيا ممن كانوا في فرقته لم يتبق الا ثلاثة هو احدهم.وبعد تقاعده من الجيش الفرنسي لم يتلق ولو سنتيما واحد الى حدود التسعينات بعد عدة شكايات الى السلطات الفرنسية فاقروا له 250 درهم(ماءتين وخمسين ) كل ثلاثة اشهر اي 85 درهما كل شهر الى ان توفاه الله.

صوت وصورة
انطلاق أشغال ملعب تيسيما
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 23:12

انطلاق أشغال ملعب تيسيما

صوت وصورة
طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:19 5

طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | عصام الشرعي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | عصام الشرعي

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42 3

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 6

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13 5

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي