انتظارات "جيل Z"

انتظارات "جيل Z"
الثلاثاء 30 شتنبر 2025 - 19:47

إن ما يقع في شوارع عدد من المدن المغربية لا يُسائل الدولة وحدها أو صاحب القرار العمومي وحده، بل يُسائل الهيآت السياسية والمدنية الجادة كمؤسسات وسيطة، لا ينحصر دورها في التأطير الذي أصبح متجاوزًا بفعل تعدد البدائل، بل يتعداه إلى ترجمة مطالب المواطنين وانتظاراتهم إلى رؤى إصلاحية يتم تصريفها عبر القنوات والمؤسسات الدستورية، وإلى سياسات عمومية رصينة عندما تصل هذه الهيآت إلى تدبير الشأن العام، عبر انتخابات نزيهة، بناءً على نجاعة السياسات التي سنتها وعلى كفاءة تدبيرها للشأن العام.

في ظل واقع تتحول فيه الهيآت السياسية إلى مؤسسات شبه متوارية، اللهم بعض الحالات المحصورة جدًا، تنتظر الانتخابات وتحضر لها بمساحيق آنية، في انفصال تام عن انتظارات المواطنين، ودون أدنى اعتبار للسياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والهوياتية التي أفرزتها تكون النتيجة تراجع دور الوساطة مقابل مواجهة مباشرة بين الشارع والدولة، يكون فيها العنف والارتجالية سيدَ الموقف.

عندما رفع الزعيم علال الفاسي رحمه الله، وثيقة المطالبة بالتعادلية الاقتصادية والاجتماعية في سنة 11 يناير 1963 إلى جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، معبرًا من خلالها عن انتظارات وآمال الشعب المغربي بعد الاستقلال. شكّلت الوثيقة آنذاك رؤية واضحة تضطلع من خلالها مؤسسة حزبية وطنية بدورها كوسيط بين المؤسسة الملكية وبين أطياف الشعب المغربي، رؤية يمكن أن تُلخَّص في كلمة واحدة، العدالة الاجتماعية…تلك العدالة التي خرج من أجلها جيل Z اليوم.

صحيح أن المغرب منذ 1963 إلى اليوم قطع أشواطًا هامة، في سيره نحو تحقيق تنمية دامجة وأكثر عدلاً، لعب فيها الفاعل الحزبي في العقود الماضية دورًا محوريًا قبل أن تتراجع تدخلاته تدريجيًا (بفعل سياقات لا يتسع المجال لذكرها الآن)، غير أن مغرب السرعتين كما وصفه جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، لا يزال طاغيًا ولا يزال حاجبًا لتلك العدالة التي سبق أن جعلها علال الفاسي عصب الرَّحى في كل تنمية تبتغي الإدماج، وكان سباقًا في ذلك على كل منظري اقتصاد التنمية الذين ما فتئوا اليوم يحذرون من كل فلسفة اقتصادية مُغيّبة للعدالة وقاصية عن أطياف كبيرة من المجتمع.

قد يكون تراجع وتيرة النقاش الفكري الجاد داخل الهيآت السياسية والمدنية ظاهرة عالمية تَنقُص وتزداد حدتها حسب سياقات كل منطقة، غير أن بلادنا والمنطقة العربية برمتها لا يمكن أن تستكين فيها مؤسسات الوساطة السياسية والمدنية إلى تَرَف الاستغناء عن النقاش الفكري الرصين والحال أن أطوار تنميتها الاقتصادية والاجتماعية لم تكتمل بعد كما هو شأن البلدان المتقدمة. بل على العكس تمامًا، لا محيد اليوم في بلادنا عن استرجاع وهج النقاش العمومي الجاد الذي يترجم إلى تصورات واضحة وقابلة للتنزيل تعبر عن انتظارات ومطالب المواطنين والأحزاب السياسية بكل ما تزخر به من حمولة فكرية ونضالية من المفروض أن تكون الحاضنة الطبيعية لهذا النقاش، ومواكبة له وتطوراته عند كل منعطف اجتماعي، أو اقتصادي، أو سياسي وطنيًا كان أو دوليًا، حتى تكون وسيطًا مؤطرًا له ومخاطبًا أمينًا باسم المواطنين لدى القنوات المؤسساتية والدستورية.

إن من يؤمن بالعمل السياسي فعلاً نبيلاً، يعلم أنه لم يعد مقبولاً أن تكتفي الأحزاب السياسية ببسط رؤاها عند كل محطة انتخابية أو تنظيمية وأن الواقع الذي فرضه جيل الألفية في الشارع، ليس ضد أحد بل هو خلخلة لمكونات الطيف السياسي المغربي حتى تعود إلى ماهيتها وتؤدي أدوارها بفاعلية ولا تحكم على نفسها بالاندثار.

أما شباب جيل Z، الذي عبّر أنه يحب الوطن ويتماهى مع ثوابته فيستحق احتضان مبادراته السلمية بالإنصات والتفاعل الإيجابي. والانكباب على الأوراش التي تحقق العدالة الاجتماعية التي خرج من أجلها، أما القمع والاعتقالات فليست خطأ في حق الشباب بقدر ما هي خطأ في حق الوطن.

-أستاذة الاقتصاد بجامعة ابن طفيل

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • Lamya
    الأربعاء 1 أكتوبر 2025 - 08:11

    الان ماهو الحل لامتصاص غضب الشباب? كيف تتواصل الحكومة مع المحتجين? و كيف تؤطرهم و تقدم لهم وعودا بالاصلاح? ام أن الشباب الغاضب لم يعد يثق في المؤسسات و وعودها و يريد حلولا فورية و كأنها لعبة إلكترونية بالضغط على زر و هذا مستحيل لأن إصلاح قطاعي الصحة و التعليم و محاربة البطالة و الفساد يحتاج وقت طويل

  • amaghrabi
    الأربعاء 1 أكتوبر 2025 - 10:19

    صراحة يجب تقليص عدد اعضاء البرلمان الى أقل من 100 وعدد المستشارين ألى اقل من 50 عضزا ومحو اجرة التقاعد لبرلمانيين والمستشارين على الاقل ان لم اقل الغاء الانتخابات والاحزاب السياسة بالجملة لانها اصبحت طرفا في الازمة المغربية وليست حلا للمشاكل المتراكمة في الدولة المغربية التي اصبح الرجل المريض الذي ربما فقد الامل في الحياة مرة اخرى وانما الموت محاط به من جميع الجهاة لانه مع الاسف شعبنا فقد الثقة في جميع الاحزاب الوطنية والمرافق الادارية المغربية.الفساد في المغرب انتشر سياسيا واجتماعيا وصبح الانسان العاقل لا يعلم من اين يبدأ من اصلاح المجتمع ام من اصلاح السياسة وبالتالي دخلنا في العبثية

  • amaghrabi
    الأربعاء 1 أكتوبر 2025 - 15:09

    في مادة الرياضيات في الفصول الثانوية هناك ما يسمى ب”les suites arithmetiques et les suites geometriques”او التسلسل العددي والتسلسل الهندسي ان كانت الترجمة صحيحة.فالملاحظ ان تعدد السكان يسير ب القاعدة الهندسية والتطور التنموي يسير بالقاعدة العددية والقاعدة الهندسية هي 1 2 4 8 16 32 …. والقاعدة الحسابية هي 1 2 3 4 5 ….. وبالتالي لان كثرة الوللادة وخاصة أن اغلب سكان المغرب في حالة فقر وحتى اصحاب الدخل المحدود مع كثرة الانجاب يفشلون في تعليم ابائهم ولذلك فتحديد النسل الى اقل من طفلين لاسرة واحدة هو الحل الناجع الذي ينظم حالة المغاربة الاقتصادية والاجتماعية والا فالكارثة الاجتماعية اتية لا ريب فيها

  • خالد-FSW101
    الأربعاء 1 أكتوبر 2025 - 19:13

    للأسف الشديد، تظهر من قراءة الواقع ان الاخفاقات المتوالية في التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد مقابل بعض الانجازات في البنية التحتية عمقت الفجوة بين المواطن والدولة وزادت شعور الشباب بعدم الانصاف وانسداد الآفاق. ولتفادي الانزلاق الى دوامة العنف، يتحمل الجميع مسؤولية مشتركة: الدولة والاحزاب والامن والشباب. ومن الخطوات العملية أقترح:

    فتح حوار مدني معلن مع الشباب حول المطالب المشروعة تكون ثمرته إعداد خريطة طريق واضحة واهداف محددة وآجال معقولة.

    وقف الاعتقالات المرتبطة بالتظاهر السلمي باعتباره خطوة أولية لاحترام الحق في التعبير وترسيخ دعائم دولة الحق والقانون.

    انشاء لجنة وطنية لتتبع تنزيل مضامين خريطة الطريق المتفق عليها والمراقبة لمواكبة تنفيذ الاصلاحات في القطاعات الحيوية كالمدرسة والصحة والتشغيل وتحقيق العدالة الإجتماعية والمجالية.

  • خالد-FSW101
    الأربعاء 1 أكتوبر 2025 - 19:14

    وفي المقابل يظل الشباب مطالبين بالتمسك بالسلمية الكاملة وقطع الطريق امام كل دعوة للعنف او الابتزاز حفاظا على قوة قضيتهم ومشروعيتها التي يؤيدهم فيهاعموم الشعب المغربي الذي ينشد الخير والعدل. ومن جهة الدولة لا بد من:

    محاربة الرشوة والزبونية بصرامة وربط المسؤولية بالمحاسبة العادلة.

    تعزيز الشفافية في الصفقات العمومية والخدمات مع آليات للشكاوى والتظلمات من طرف أفراد الشعب والمنظمات الحقوقية وحماية المستهلك.

    ترسيخ قيم المواطنة الحقة من خلال دروس التعليم وقوانين العمل والإدارات والمصالح العمومية، ورفض الغش والاثراء غير المشروع، وغرس مبدأ الكرامة الانسانية التي نص عليها القرءان الكريم: “ولقد كرمنا بني آدم”.

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 08:55 15

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي

صوت وصورة
الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 07:48 2

الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''

صوت وصورة
دراسات أثرية حول العصر المرابطي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 00:30

دراسات أثرية حول العصر المرابطي

صوت وصورة
أمطار غزيرة وسيول جارفة بوجدة
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 23:48 4

أمطار غزيرة وسيول جارفة بوجدة

صوت وصورة
التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 20:32 6

التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي

صوت وصورة
عرشان يدعم "حكومة المنصوري"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 13:42 5

عرشان يدعم "حكومة المنصوري"