بُحُوثٌ مُنتَهِية الصَّلاَحِية!

بُحُوثٌ مُنتَهِية الصَّلاَحِية!
الخميس 21 نونبر 2013 - 12:21

بسم الله الرحمن الرحيم

منذ دخولي الجامعة لم ينشغل فكري بشيء أكثر مما انشغل بقضايا البحث العلمي وويلاته لما يشهد من تدهور وانحطاط يبعث على الأسى والحسرة على واقعه؛ ذلك أن عناوين الكثير من البحوث شاهدة على الانحطاط والتدهور والتخلف والسبات في اختيار وكتابة المواضيع، وزيارة إلى مؤسسة من مؤسساتنا العلمية ومشاهدة لمآلات البحوث تنبئك بانتكاسة حقيقية لمجال البحث العلمي، والتي كان من آثارها الإهمال وتوقف حركة الجد والاجتهاد بين الباحثين.

و من أسباب تعثر مجال البحث العلمي إهمال البحوث المقدمة من الطلبة، التي قد لا يقتنع بها الباحث نفسه باعتبارها انعكاسا طبيعيا لمسار غير سليم في المبتدأ والمنتهى؛ ربما كان الهدف منه نيل شهادة والحصول على عمل ووظيفة تعتبر مغنما أكثر مما تعتبر وسيلة فعالة للمساهمة في تقدم المجتمع وتطوره، وتنميته علميا وتزكيته تربويا.

والطلبة الباحثون مدعوون وبإلحاح شديد إلى مساءلة الذات وإبراز الأسباب والأهداف الحقيقية الباعثة على إعداد البحوث واستدعاء الواقع وفقه المرحلة واختيار عناوين البحوث التي تفيد الناس في حياتههم. سيما وأن الفجوة بين البحوث العلمية والواقع تتسع، يوما بعد يوم، حتى أثمرت أوجاعا عديدة في الحياة العلمية المعاصرة، وألقت بظلالها على ما سيأتي من بحوث لاحقة، فولدت قصورا مستحكما، رحاه واحدة، وانضوى الكثير من الباحثين تحت عناوين مبتذلة ومكررة لا تشفي عليلا ولا تروي غليلا.

ثم إن عوار البحث العلمي قد لا ينكشف داخل المؤسسات العلمية التي ألفت أنماطا متناسقة من البحوث بعضها مستوحى من بعض ويصدق أن يقال عليها “ذرية بعضها من بعض”. وسيحتفظ التاريخ بإبداع المتقدمين الذين ننعتهم بالجمود، وبجمود المتأخرين الذين نصف عصرهم بعصر التقدم العلمي، سيما مجال علوم الشريعة الذي هو أكثر المجالات حاجة للمواكبة والتطوير، في وقت يشهد العالم فيه اكتساح العولمة وتحديات مختلفة في كل مرحلة.

والحاجة ماسة لإجراء تحول جذري في أساليب ووسائل اختيار البحوث، وليس مجرد تجديد متوهم في الشكل وتخلف في المضمون. ولعل من الخطوات المهمة والمستعجلة لإصلاح البحث العلمي، أن تقترح المواضيع الجادة من لجان علمية على من لا يحسنون اختيار البحوث، وتعين لجنة متخصصة في دراسة البحوث المقدمة ومدى أهليتها لاستحقاق صاحبها درجة معينة، ويكون المعيار منبثقا من الكفاءة العلمية بعيدا عن المجاملة ومنهج “قضي وعدي” السائد في مؤسساتنا العلمية.

وهذا يستلزم وجود اقتناع راسخ بأهمية الإصلاح وخطة عمل للتطوير يشرف عليها متخصصون أكفاء؛ ليلا تكون قضية الجدة والتجديد في البحث العلمي هواية كلامية ورياضة لسانية وحداثة مزعومة تمليها ضرورة بعض العلوم المجاورة والمواد المتآخية؛ فنكتفي بترديد التجديد لدفع التهم وإيهام الآخرين بالمواكبة مع يقين العجز والتخلف الذي هو حقيقة وواقع ليس له من دافع سوى البحوث الميدانية إن استطاعت أن تثبت عكس ذلك.

وذلك لن يتأتى إلا بعزيمة وإرادة ورؤى استشرافية ومشاريع متكاملة، تدرج في مؤسساتنا العلمية كفاعل حضاري وهذا يستلزم إفساح المجال لذوي الكفاءات لتحقيق التنمية التي نطمح إليها؛ وإسهاما في مضمار الرقي بالبحث العلمي.

وعدم الوعي بأبعاد مشكلات وجمود البحث العلمي أدى وما يزال إلى نتائج سلبية عزلت العلوم عن حياة الناس، وجعلت منها تجريدات ذهنية وتخمينات خيالية بعيدة عن الواقع، وفقدت الكثير من أبعادها الرحبة. ولابد من إيجاد مؤسسات تشرف على اختيار عناوين البحوث لربطها بالواقع ومتطلباته ونسج الصلات بين الباحثين.

ومعظم الباحثين ينقصهم الوعي الحقيقي بوجود خلل في البحوث فضلا عن الإحساس بالتقويم، وإن وجد هذا الإحساس لدى فئة منهم، فهو محكوم بظروف ضاغطة تنعكس على البحث العلمي سلبا.

ومن الوهن الذي أصاب البحث العلمي اعتبار البحوث ورقات لنيل شهادة ثم تنتهي صلاحيتها بعد تسلم الشهادة، ومؤسف أن تذهب إلى جامعة تسأل عن بحثك؛ فيقال لك معذرة: بحوثكم انتهت صلاحيتها وألقيت في القمامة !

وبسبب مثل هذه الإهمال المتعمد لما يبذل من جهود في مجال البحث دب الوهن في نفوس كثير من الباحثين وسيطر مناخ ثقافي مغشوش على عقول الطلبة، ولا تزال عبارة “كور وعطي لعور” متفشيية بينهم ويتواصون بها؛ حتى خلف خلْف أضاع البحث العلمي وأساء إليه “وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا”.

وليس غريبا أن نرى كثيرا ممن اختاروا تخصصات بعينها، يشعرون بعقدة الذنب الداخلي بسبب حصولهم على نقطة معينة في بحوثهم، لتوهمهم أن البحث مرتبط بالنقطة، لذلك نجد بعضهم يتحول عن ممارسة تخصصه، أو ينقطع عنه، وينصرف إلى مهام أخرى بعد تحقيق مبتغاه المنحصر في ورقة علمية قد لا تسمن ولا تغني من جوع.

وهذه الكلمات إسهام في إثارة المشكلة لعلها تثير همم الباحثين لرسم الطريق للخروج من أزمة التخلف العلمي، على مستوى الباحثين والمؤسسات، والمعاهد والجامعات، أملتها ظروف البحث العلمي بمؤسساتنا العلمية.

[email protected]
www.facebook.com/karimkallali

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • الجيلالي بنعباس
    الخميس 21 نونبر 2013 - 14:02

    ايها الاعراب،عليكم ترك الامور لاهلها عوض تخريب كل شيئ باقحام "الخزعبلات الدينية" في الميادين المعرفية- ثمة استقلالية للثقافة و العلم عن اللاهوت منذ قرون- و الدين هو منافي للعلم و مضاد له(الدين يقوم على الايمان اي اللامعرفة سواء العقلية او العلمية)-مازلتم في القرون الخوالي ايام الفارابي و ان سينا؟ انتهت تلك الازمنة)- حين كنت طالبا:كنت اكتب على ورقة الامتحان "باسم الله الرحمن الرحيم" و اطلب من الله ان يخذل المصحح وان "يضربه جن حين تصحيح ورقتي الخ- يوما اتاني الاستاذ و قال لي :"يستحيل ان تغير هذه الكلمة تنقيطي و تقييمي لورقتك- ماذا تطلب؟ ان يغلطني الله انا لكي امنحك نقطة جيدة و ان افعل ذلك على حساب الاخرين؟ اليس الجين و القذارة و اللامساواة و الجنون؟ ترى لو فعلت الاقوام الاخرى نفس الامور السحرية، فهل يستقيم العالم و الطبيعة؟هل "التمائم و العقائق و السبوبات و الاحاديث و الايات القرانية التي نضعها في بيوتناو غرفنا الخ تقينا من الشرور و تمنع العقارب و اللصوص؟هل تغير الاشياء؟اليس جبنا و عجزا و جهلا نقوم بذلك؟ هذا الفكر السحري مرت منه البشرية؟و هل راينا الاضرحة تتناسل اليوم؟ لا- اذن؟

  • كمال شافني
    الخميس 21 نونبر 2013 - 19:17

    أكبر مصيبة لحقت البحث العلمي هو اقحام الدين في مجال العلم ، الدين أمور غيبية بينما العلم هو منطق و مختبر و تجربة . و أنا لست أدري كيف أن جامعاتنا تمنح درجات علمية في أمور غيبية لا يمكن التحقق منها عن طريق المختبر و تمحيص حقائها عن طريق التجربة.
    العرب أكثر اﻷمم المهووسة بكتب الدين ، حيث أن تاريخنا حافل بمؤلفات لا تحصى في الشريعة و الفقه والحديث و التفاسير و غيرها. بينما لا تكاد تحصي بأصابع اليد الواحدة كتب الفيزياء و الطب و الرياضيات، لذا بقينا في ديل القائمة من بين اﻷمم التي قطعت أشواطا في البحث العلمي.
    و أنا أقرأ المقال تبادرت الى دهني عدة تساؤلات هي بالفعل جديرة بالبحث، أليس تمة تناقض بين مبدأ البحث العلمي القائم على الشك و النقد و التجربة و المنطق، و بين مجال يسوده منطق التصديق و الايمان، دون قدرة على الاعتراض أو النقد.
    حيث النمل يتكلم مع النبي سليمان ، و حيث أن صخرة أنجبت ناقة مع النبي صالح ، و حيث أن ناقة أخرى تسير بأقسى من سرعة الضوء لتخترق الكون في ليلة واحدة .
    ماذا بقي من مجال للبحث العلمي و ما محل النقد و الشك و التجربة هنا. هذه بعض التساؤلات البسيطة فحسب

  • أمة الله
    الخميس 21 نونبر 2013 - 20:19

    سلمت أخي على أفكارك البنائة والهادفة ، وهي فعلا مانحتاجه في كل مجالات البحث العلمي سوى كان ما يتعلق بالشريعة أو غيرها. وبالنسبة للأستاذين اللذان سبقاني في التعليق ، نقول الإختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية . إن كنت تملك فكرة أخرى أو كنت ترى أن ما كتب أعلاه يحتوي على أخطاء أو على أمر لا تتفق فيه مع الكاتب فلتناقشها مع كاتب المقال بأسلوب راق ، وعلمي واطرح نقطتك التي عليها الخلاف بأسلوب علمي ، لكن هذه الألفاظ وهذا الأسلوب تعكس صاحبها. وكيف تنهى عن خلق وتأتي مثله فأنت تقول "من تكون حتى تحكم أن هذا البحث جيد أولا " ألست أنت بهذه العبارة تحكم على المقال وصاحبه وإن كان بشكل غير مباشر .. فلندرس أفكارنا وكلماتنا قبل أن نكتب لأنها تعكسنا

  • Sans amour ni haine
    الجمعة 22 نونبر 2013 - 02:37

    لدي سؤال بسيط أرجو أن يتفضل أحد بالجواب عنه مشكورا سلفا:

    -لماذا كل التخصصات تتفادى إطلاق إسم"عالم"على منتسبيها إلا"رجال الدين"؟

    في الطب مثلا،يقال"طبيب"،ولا يقال"عالم في الطب"؛
    في اللسانيات،يقال"لساني"،وليس"عالم"؟
    …

    وحتى إن قلنا مثلا:"عالم في الرياضيات"،فالعقل السليم يتقبله دون عناء،
    لأن الرياضيات"علم"(علمي)باعتراف جميع العلوم الأخرى،
    دون لف أو تحايل أو دوران.
    ومن يقل العكس،فلـ"يفك"إحدى معادلاتها المطروحة فيها اليوم!

    لكن حين نقول:"العلماء"في إشارة مثلا إلى من يحمل8آلاف حديث،فأي علم نقصد بالتحديد؟

    -أو"من يحفظ القرآن كاملا غير منقوص"=عالم؟
    أو
    -الوراثة،مثلا؟
    ما مدى صعوبة عمليات القسمة بالثلث والربع والثمن والنصف..مقارنة مع المعادلات المطروحة اليوم في الرياضيات أو الهندسة مثلا؟

    -أم الفرائض والوضوء والعنعنة…ثم نعتبر آراء الزمزمي أو عمرو خالد أو الشيخ سار ومايسة…تجديدا،فنقوم لمواجهة العالم:
    أنظروا!إن لنا حضارة تتطور باستمرار!

    -ماذا قدم الكاتب غير نقد أبي حفص في رأيه؟

    حلقة مفرغة.

    -هل بهذا المنطق أكون ملحدا،
    وشاركت في مؤامرة ضد الإسلام والمسلمين،
    وأصبحت عدوا لله؟

    Azul
    Ameryaw

  • khalid
    السبت 23 نونبر 2013 - 00:16

    إلى Sans amour ni haine رقم 5 أضيف, ألم تلاحظ أن تقريبا جلهم كانت تطفو عليهم  " علامات البُلداء" خلال مسارهم الدراسي ، هؤولاء الذين يسموا كذبا وبهتانا علماء الدين كانوا من أكسل التلاميذ. ما لاحظته أنا وجل رفاقي وعائلتي وأتحدى أي أن يثبت العكس. ما يحز في نفسي هو أن أرى هذه الفئة الغبية تريد التحكم في خيرة العقول. على الأقل من خلال هذه المنابر بدأ ينفضح أمرهم

  • marocain
    السبت 23 نونبر 2013 - 10:31

    Bonjour,
    De quelle recherche "scientifique" s'agit-il?
    Le jour où l'on arrêtera de traiter de prendre l'étude de textes religieux pour la "pratique de la recherche SCIENTIFIQUE" on commencera la discussion. La SCIENCE qui fait le développement des pays, c'est les maths la biologie, la physique l'ingenierie, la médecine….
    Le reste c'est une perte de temps et d'argent.
    Merci Hespress.

  • ملاحظ
    السبت 23 نونبر 2013 - 23:07

    عندما يطرح شخص موضوعا حقيقيا للنقاش ونترك الموضوع ونناقش هوية الشخص نكون قد برهنا باننا بعيدين جدا عن ابجديات التفكير العلمي النقدي………انها زنزانة الايديولوجيا

  • الناقد
    الأحد 24 نونبر 2013 - 00:26

    للأسف أغلب المنتقدين للمقال استحضروا خلفياتهم ولم يستحضروا عقولهم .وهم يدعون أنهم أهل عقل وعلم. وتعليقهم كشف عن مستواهم المنحط.

  • خالد ايطاليا
    الأحد 24 نونبر 2013 - 02:23

    عروض متكررة ,وبنفس الاساليب والاسانيد ,لا تقدم ولا تؤخر وتسمى بحوثا ,على سبيل المثال {الاجهاض بين القانون والشريعة } هذا العرض اوالبحث العلمي كما يحب ان يسميه فقهاءنا .نوقش مئات المرات كبحث متكرر ومتجدد في جامعاتنا .,,,؟حلل وناقش . البحوث الخبزية .

  • إبراهيم بن محمد
    الأحد 24 نونبر 2013 - 18:31

    إلى التعليق الأول والثاني والثالث على الأقل إن أردت ان تخرج أحقادك وبغضك وحسدك على هذا الدين الحنيف والذي لولا العلم لما وصل إلينا لأنه من لدن عليم حكيم لو أردت أن تفعل ذلك فاحترم المناسبة والمقام المناسب لكي لا تحسب من جملة الحمقى والمجانين ، الرجل يتكلم في واد وأنتم تسبحون في بحر غير الوادي الذي يتكلم فيه صاحب المقال ، أدعوكم إلى احترام عقول الناس قبل كل شيء.

صوت وصورة
حفر تهدد سلامة ساكنة بأكادير
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 13:10 6

حفر تهدد سلامة ساكنة بأكادير

صوت وصورة
"سوبير الرحمة".. سوق مهجور بسلا
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 12:21 6

"سوبير الرحمة".. سوق مهجور بسلا

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50 3

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود