لعل المتأمل للخطاب السياسي المغربي إبان الاستحقاقات الانتخابية قبل بداية القرن الحادي والعشرين، يدرك أننا لم نكن إزاء خطابات تعكس برامج تنافسية، بل إزاء ساحة تتقارع فيها الشرعيات وتتصارع فيها مواقع القول. والحق إن الخطاب السياسي ليس كلاما يقال في فراغ، بل هو فعل يصدر عن شرعية تطلب لنفسها الاعتراف. كما أن البرنامج الانتخابي ليس وثيقة تقنية، بل هو التجلي العملي لتلك الشرعية، والصوت الذي تختاره الأحزاب لتخاطب به الأفراد. لكن، بعد حلول القرن الحادي والعشرين، غدا الخطاب نفسه مسرحا تزدحم فيه الأقنعة، وتتنازعه استعارات تتداخل فيها المرجعيات بشكل هجين وهلامي حتى استعصى على المتلقي أن يميز من يتكلم، وبأي حق يتكلم، وإلى من يتجه بخطابه. من هنا، سنعمل على تحليل التحولات الطارئة في الخطاب السياسي المغربي من خلال عقد مقارنة بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن.
ولأجل ذلك كان لزاما علينا أن نصرح -بداية- بالمقاربة التي سنعتمدها في تقديم لمحة لا تخلو من تعميم حول مشروعية الخطابات السياسية المتداولة إبان الحملات الانتخابية. ونحسب المقاربة التلفظية مدخلا منهجيا، بحيث سنستضيئ بمفهوم مشاهد التلفظ لمنكينو (Maingueneau)، ومفهوم المذوتات (Subjectivèmes) لأرتشيوني (Orecchioni)، ومفهوم الوضعية التواصلية لشارودو (Charaudeau). كما ننطلق في هذا المقال من قناعتنا المبنية على أن الخطاب السياسي المغربي قبيل الاستحقاقات الانتخابية لا يمكن اختزاله في مجرد مضامين وبرامج، بل هو قبل ذلك بنية تلفظية تتقاطع فيها شرعيات متعددة وتتصارع فيها مواقع الكلام. فالمقاربة التلفظية لا تبحث في مضمون القول، بل تسأل: من المتكلم؟ ومن المخاطَب؟ وفي أي سياق؟ وبأي شرعية؟
داخل هذا الإطار، يتبدى لنا المشهد المغربي قائما على ثلاث شرعيات كبرى، كانت بالأمس متمايزة، لكل منها بنية كبرى وفوقية تحتكم إلى أطر معرفية لها صوتها وقاموسها:
أولها، صورة الشيخ المتكئ على العصا والمسنود بشرعية القداسة. مقام هذا المتكلم المنصة العالية، وصوته خفيض متزن، ومعجمه مستل من سجل الوصية والأمانة والمسؤولية أمام التاريخ. يخاطب الرعية لا الناخبين مستهلا خطابه بالشهادة، ومختتما إياه بالدعاء. هنا، ينطلق خطاب الشيخ من اللحظة التي يصعد فيها إلى المنصة متثاقلا، متكئا على عصاه. فقبل أن يتلفظ بأي كلمة يكون المشهد التلفظي قد اشتغل، نراه يقف بجسده الذي أنهكه الدهر في مواجهة جمهور ينتظر، فتتحول العصا من أداة طبية إلى علامة سيميائية. هي عصا راعي الغنم بما تختزنه من حمولة دينية، وعصا من مشى الطريق طويلا مجاهدا لتبليغ الرسالة. بهذا الإخراج ينتقل الخطاب من إطار البرنامج الانتخابي إلى إطار الدعوة والوصية، ويتحول المتلقي من ناخب إلى مريد. داخل هذا المشهد تكشف وضعية التلفظ عن ذكاء ضمير (أنا)، إذ لا يظهر المتكلم ليُعلن عن ذات فردية، بل ليحمل أمانة لا تقال من موقع الوزير السابق، بل من موقع من جرب وخبر وسقط ونهض. وعندما تكشف الوضعية عن ضمير (نحن) فإن المتكلم لا يحصد أصواتا، بل يصهر الأجساد في جسد واحد متعب يبحث عن الكرامة. أما الزمن (الآن) فلا يحيل إلى يوم الاقتراع فقط، بل إلى لحظة مفصلية في عمر أمة، وكأن التاريخ كله انضغط في هذه الوقفة المتثاقلة على الخشبة.
ويشتغل المشهد التلفظي على ثلاث طبقات متداخلة في بنية خطاب الشيخ: ففي المستوى الدلالي، تنساب المفردات من معجم واحد: الابتلاء، الأمانة، الفساد… فيبدو السياسي وكأنه يفسر نصا مقدسا عوض البرنامج الانتخابي. أما على مستوى شكل الخطاب، فتتقطع الجمل لتطول الوقفات، وترتفع العصا فجأة فتصبح الإيماءة فعل أمر لا يقبل النقاش. وعلى مستوى الوظيفة التداولية، وهو الرهان الحقيقي، يتم استثمار هذا الإخراج المشهدي لفرض دور محدد على الجمهور: أنت لست هنا لتسأل، بل لتشهد. فالتصفيق يصبح تسبيحا، والهتاف يصبح بيعة.
أما ثانيها، فهي صورة المدبر الليبرالي صاحب البدلة الأنيقة المتكئ على شرعية الكفاءة. مجلسه وراء الطاولة، وأمامه شاشة LED ومؤشر الليزر (Pointeur). يقتبس المتكلم مفرداته من معجم المقاولة الموسومة بالنجاعة والتنافسية وخلق القيمة. يخاطب المتكلم الشريك والمستثمر، مفتتحا كلامه بالرقم ومختتما إياه بالالتزام. بدلتُه داكنة وساعته ثمينة وحركته محسوبة تدل على زمن الإنجاز. داخل هذا المشهد تتغير بنية الذاتية التي لم يعد فيها ضمير (أنا) يحيل إلى الأمانة أمام الله، بل يحيل إلى المدبر الذي يتحمل المسؤولية ويحاسب على النتائج. تتخذ الملفوظات شكل أفعال إلزامية تبتدئ ب (ألتزم، سأنجز، أضمن..) بصفتها أفعالا تمنح القول سلطة الخبرة لا سلطة القداسة. وعندما ينتقل الخطاب إلى (نحن) فإنه لا يصهر الجمهور في جماعة إيمانية، بل في فريق عمل واحد هدفه التنافس ورفع المؤشرات. أما الزمن (الآن) فلا يتصل بالأزل، بل بزمن المشروع والبرنامج الحكومي وآجال التسليم. وهكذا يخرج الخطاب من منطق الواجب إلى منطق العقد.
ويتأسس المشهد التلفظي هنا على إعادة تعريف المركز المرجعي للمتلفظ والعلاقة بين المتكلم والمتلقي. المنصة لم تعد محرابا بل ورشا، والجمهور لم يعد مريدا بل مستثمرا وشريكا ومستفيدا. ففي المستوى الدلالي تختفي مفردات الكرامة والابتلاء لتحل محلها مفردات الفرصة، والاستثمار، والتنافسية، والرقمنة، والجهوية المتقدمة. أما على مستوى الشكل، تتراجع جمل الأمر والنهي لصالح جمل الشرط والإنجاز: إذا تمكنا من توفير المناخ سنخلق.. مع هذا المخطط الإستراتيجي سنبلغ.. وتطغى لغة الجداول والرسوم البيانية التي يعرضها المتكلم بوصفه التقني الذي يحول السياسة إلى أرقام قابلة للقياس. أما على مستوى الوظيفة التداولية، وهي المنتهى، فيراهن الخطاب على استثمار توقعات المتلقي من الدولة بوصفها شركة خِدمية، فيحول التصويت إلى توقيع على عقد أداء.
وأما ثالثها، فهي صورة اليساري صاحب القميص البسيط والباهت المسنود بشرعية الصراع الطبقي. مقام المتكلم هنا وسط الناس أي في الساحة لا في القاعة، بحيث يعلو صوته مع الهتاف ويخفت مع الحكاية. إضافة إلى كون معجمه يمثل معجم الألم والوعي بوحدة المصير المتمثلة في العدالة الاجتماعية، ومواجهة الريع، واسترداد الحق. يخاطب الجماهير الكادحة مستهلا خطابة بسؤال إلى متى؟ مختتما بشعار دامت الوحدة النضالية الجماهيرية. لكن الأهم هو أنه قبل أن ينطق صاحبنا يكون المشهد التلفظي قد قال كل شيء، إذ لا منصة مضاءة، بل ميكروفون ينتقل من يد إلى يد، مع وجود خلفية عليها وجوه العمال والطلبة والمعطلين. ويتخذ المشهد هنا سينوغرافيا الدولة الحق لا الدولة المقاولة. ففي خضم هذا المشهد تتغير بنية الذاتية جذريا، بحيث أضحى ضمير المتكلم يحيل إلى (أنا) المناضل الذي يتقاسم المعاناة ويحمل القضية على ملفوظات تتخذ صيغة أفعال ذات صبغة أخلاقية مشبعة برصيد نضالي مثل: أنا عشت معكم… أنا شاهدت…أنا لن أساوم. هي أفعال التزام أخلاقي ونضالي تهب الخطاب سلطة التجربة لا سلطة الخبرة. وعندما ينتقل الخطاب إلى(نحن) فإنه لا يصهر الجمهور في فريق عمل، بل في جماهير شعبية مقصية هدفها استرداد الحق لا رفع المؤشرات. أما الزمن (الآن) فلا يتصل بآجال التسليم، بل بزمن اللحظة المفصلية والانتفاضة المؤجلة عبر مؤشرات زمنية من قبيل: الآن وليس غدا…حان وقت التغيير. وهكذا يخرج الخطاب من منطق العقد إلى منطق الصراع.
ويتحرك المشهد التلفظي هنا على إعادة توطين مركز مرجعي للتلفظ يعيد تعريف العلاقة بين المتكلم والمتلقي. المنصة لم تعد ورشا بل حلقية، والجمهور لم يعد شريكا أو مستفيدا بل رفيقا مناضلا ذا حق مسلوب. ففي المستوى الدلالي تختفي مفردات الفرصة والتنافسية لتحل محلها مفردات العدالة الاجتماعية، ومواجهة الريع، والتوزيع العادل للثروة، والمدرسة العمومية. أما على مستوى الشكل، تتراجع جمل الشرط التعاقدي لصالح جمل الاستفهام الإنكاري والنداء من قبيل: إلى متى ستبقى تصدعات الصمت تسكننا؟ أليس من حق أبنائنا…؟ يا عمال المغرب… تطغى السرديات الكبرى والشهادة الحية التي يعرضها الزعيم بوصفه الصوت الذي يحول السياسة من أرقام قابلة للقياس إلى جراح تنزف صراخا. أما على مستوى الوظيفة التداولية، فنجد الخطاب يستثمر توقعات المتلقي من الدولة بوصفها ضامنة للحق، فيحول التصويت إلى انحياز طبقي ووفاء للقضية.
ولكي نفهم سر سلطة كل صورة نموذجية، نستدعي تصور أرتشيوني (Orecchioni)التي تحفر في الصفات والأنساق المتوارية خلف النسيج اللغوي للخطاب. فهنالك الوحدات اللغوية الوجدانية التي تفضح انفعال المتكلم، وهنالك الوحدات اللغوية التقييمية التي تصف العالم وصفا موضوعيا، وهنالك الوحدات اللغوية الأكسيولوجية التي توزع الخير والشر. لقد كان لكل نموذج ذاتيته المخلصة، إذ إن حامل العصا موكل بالأكسيولوجيا المقدسة من خلال تجسيد معاني الطهارة والأمانة والابتلاء. أما صاحب البدلة الأنيقة موكل بمهمة المقيم التقني المحايد في ظاهره عن طريق عرض أرقام موضوعية ومؤشرات دالة ومشاريع فعالة. وصاحب القميص موكل بالجانب العاطفي والموقف المندد عند تصوير المعاناة الحقيقية والغلاء الفاحش والكرامة المهدورة.
يا للأسف، تلاشت الحدود بين المرجعيات لتدخل في استعارة متبادلة، إذ شرعت كل واحدة تلبس لبوس الأخرى، حتى تحول التمايز إلى تداخل، والتداخل إلى إفلاس. وهذا ما يكشفه شارودو (Charaudeau) حين عرضه أركان الخطاب الأربعة: الذات المتكلمة، والذات المخاطبة، والموضوع، والظرف الاتصالي. فما الذي أصاب هذه الأركان بعدها؟
لم يعد المتكلم واحدا، بحيث تراه في الصباح مديرا تنفيذيا يتحدث عن التنافسية، وبعد الظهر مناضلا بقميص بسيط يتحدث عن المقهورين، وبعد المغرب واعظا بعصا يتحدث عن الأمانة. لكن العصا فقدت وقارها، والبدلة جديتها، والقميص صدقه. وغدت كلها إكسسوارات المشهد السينوغرافي المحمول في حقيبة انتخابية واحدة.
وهنا تستضيء بأرتشيوني (Orecchioni) لنكشف عن عمق العطب. لقد خان كل خطاب ذاتيته ليستعير لابس البدلة المعجم الأكسيولوجي ليبشر بالاستثمار الحلال والثروة الأخلاقية. أما صاحب العصا فنراه ينهل من معجم المقيم التقني ليعلن بأعلى صوت: تدبيرنا ناجع وفعال. في حين صار صاحب القميص يستعيرهما معا ليزبد قائلا: مشروعنا المواطن يحقق العدالة بمقاولة مؤمنة. فاختلط حكم الواقع بحكم القيمة، واختلط الوصف بالانفعال، ولم يعد المتلقي يعرف هل يسمع تقريرا أم موعظة أم نداء.
ولم يسلم من هذا الاضطراب نظام الضمائر والأزمنة: فضمير المتكلم (الأنا) لم يعد يستقر ليدل تارة على حامل الأمانة، وتارة أخرى على المسؤول التقني أو الشاهد على الألم في آن واحد. أما ضمير (نحن) فتضخم حتى صار يسع الجميع ولا يعني أحدا. بينما زمن (الآن) تمطط ليشمل لحظة حساب أخروي، وموعد تعاقد، ونداء انتفاضة في آن واحد. فأي وضع تواصلي هذا الذي لا يعرف المتكلم فيه أين يقف؟
هنا، نأتي بتصور منكينو (Maingueneau) لنضع أصبعنا على الجرح المشهدي، إذ نعاين سينوغرافيا هجينة يفتتح فيها المتكلم خطابه بمؤشر الليزر على منحنى بياني معروض على شاشة LED، ويعرج على مواجهة الريع ليختم بـالمسؤولية أمام الله. إنه تناص لا يثري المعنى بل يموّه الموقع. فإذا ما تأملنا العبارة التالية: سنواصل تنزيل الأوراش الكبرى لتعزيز العدالة الاجتماعية. جملة فضفاضة يقرؤها المتدين تعطيلا أخلاقيا، ويقرؤها الليبرالي تأخرا في التنفيذ، ويقرؤها اليساري نهبا طبقيا. بهذه الضبابية ينجو المتكلم لأنه لم يلتزم بشيء يمكن أن يُحاسب عليه.
أما مكمن المأساة، فهو تداول تلك المرجعيات الحكم والسلطة دون أن تثمر تراكما، بل قادت نحو إنهاك الخطاب السياسي والسياسة. لقد تلفظ اليساري من مركز مرجعي تُمثل إحداثياته حلقية الهتاف لا مقعد القرار، فظل وعد التغيير حبيس الشعارات. ثم تلفظ رجل الدين من مركز مرجعي يرسم المنبر والمحراب إحداثياته فظل سؤال الرزق معلقا بلا جواب يشبه الأفراد، وفي الأخير تلفظ الليبرالي من مركز مرجعي أداتي تمثله لغة الجداول لا لغة القلوب، فظل سؤال العدالة بلا ميزان يدركه الأفراد. لقد صادرت الحيرة معجم الأفراد لينبثق التساؤل الحار: بأي لفظ سيصف المواطن معاناته؟ وبأي لفظ سيبلِّغ عن المستشفى الفارغ، وعن بطالة ابنه، وعن ثمن الخبز؟ لقد أضحى النقد بلا معجم، والاحتجاج بلا صورة، والبديل بلا اسم.
إن الداء يكمن في هذه الوضعية، والمشهد، والذاتية التي لا تُعالَج بتلميع الشعارات ما دمنا في عصر الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد مقبولا أن يبقى الوعد معلقا في فضاء الغيب أو الغيبوبة والمجهول. لقد بات بالإمكان تحويل (سنفعل، وسنحقق) إلى بيانات مفتوحة قابلة للقياس، وتحويل (سنلتزم) إلى منصات عمومية تتتبع التنزيل لحظة بلحظة.
لكن هذا التحويل يتطلب -بداية- فك الاشتباك الذاتي ليعود كل خطاب إلى معجمه الأصلي القابل للتحقق. ثم فك الاشتباك التواصلي ليعود كل متكلم إلى موقعه بحيث تصطف الأخلاق تحت الأخلاق، والنجاعة تحت النجاعة، والنضال تحت النضال. وفي الأخير، نجعل من السينوغرافيا السياسية مشهدا خوارزميا على أن يخضع الوعد لخوارزمية الشفافية والمحاسبة، ويغدو المواطن مدققا رقميا يملك أدوات الكشف لا مجرد متلق سلبي.
إنها في المحصلة أزمة مصداقية لا أزمة برامج، لكنها محصلة حتمية تعكس وجها من وجوه اللامعنى في زمن السيولة، حيث ذابت القوالب الصلبة، وصارت الرموز قابلة للتأجير الموسمي. فمتى استعادت العصا وقارها، والبدلة جديتها، والقميص صدقه سيكتسب الخطاب شرعيته والبرنامج تأثيره. ففي اللحظة التي سيتحول فيها الخطاب السياسي إلى عقد رقمي موثق لا طقسا مسرحيا، سيسترد وزنه الذي فقده. حينها فقط لن يسأل الناس: هل نصدق؟ بل سيسألون: أي طريق نختار، وأي بيان نحاسب عليه؟
وهناك فقط تخرج السياسة من طقوس إعادة إنتاج السلطة، وتعود فعلا إنسانيا نبيلا: فعل الاختيار والمساءلة في زمن لا يرحم اللامعنى.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.