تقرير الخمسينية: فضيحة نخبة

تقرير الخمسينية: فضيحة نخبة
الثلاثاء 5 فبراير 2013 - 00:00

المغرب المجهول عند النخبة التي تعتاش من ريعه

يقول الجنرال “هوري”: “الماريشال ليوطي غزا ما سماه (المغرب النافع)، وبقي غزو ما سماه الجنرال منجان (المغرب الضروري)”.

وبعد مائة سنة جاء خبراء وطنيون وضعوا تقريرا سموه (المغرب الممكن)، وهو حصيلة خمسين سنة من التنمية البشرية -أطلقت عليها الصحف، ومنها بعض المشاركين في هذا التقرير: العهد البائد-، وآفاق 20 سنة أخرى، وقد خلصوا إلى أن المغرب (بلد متعدد التناقضات)، اجتهد في المزاوجة بين التشبث بهوية عريقة وإرادة قوية للانخراط في الحداثة (ص23) التقرير.

وهو ما قاله camille sabatin في كتابه “غزو المغرب” (ط 1903م) في مطلع القرن الماضي، إلى أن المغرب: “هو مغارب بالجمع حقيقة ماثلة، لأنه بلد شاسع الأطرف يضم بلادا خاضعة للسلطان وأخرى مستقلة (ص:04)، ومن حيث الاقتصاد والإنتاج فإن المغرب مقسم إلى نواحي أوربية وأخرى إفريقية (ص:68)”.

ويقول المقيم العام “ستيك” في خطاب له: “عندما جاءت فرنسا للمغرب حامية كان أرضا تعيث فيها سلطة وحشية مرعبة تتنازعها محن الفوضى وتتناوبها الغارات والغزوات التي كانت الطريقة الوحيدة لاستخلاص الضرائب (جريدة السعادة 5-6-1928).

الهوية المغربية قوامها الدين الإسلامي

يرى التقرير بأن الهوية المغربية في الفترة الحديثة قد تشكلت بواسطة الكفاح من أجل الاستقلال وعبر التعبئة من أجل استكمال القضاء على الاستعمار ولا سيما استرجاع الأقاليم الصحراوية (التقرير ص26).

وقبل التقرير كتب القبطان “أدينو” في كتابه محور السياستين: “المغرب أمة تقاتل في سبيل حريتها رغم عدم توفر القوة والزاد، نعم أمة تخوض المعارك مع تحمل المسغبة، أمة بها الصبيان والنساء أنفسهم يتقلدون البندقيات.

المغرب هو وإن كان الأرض التي ينجح فيها مدعوا النبوءة أو غيرها أو مطلق الثوار فلا ننس أنه القطر الذي لا ينجح فيه إلا القليل منهم. يتعلق الناس بادئ الأمر بأولئك الرؤساء لأنهم يدعون إلى الجهاد وحميد العوائد الطيبة، لكنهم ينعزلون عنهم إذا ما علموا وتحققوا بأنهم لا يتظاهرون بذلك إلا سعيا لزينة الحياة الدنيا من نفوذ وملذات وسيادة مستبدة (ص108)”.

ترى أيهما عبّر عن المغاربة حقا؟

الأجانب الذين كتبوا في مطلع القرن، أو الوطنيون الذين صاغوا تقرير الخمسينية في نهايته؟

إذا كان هذا هو المغرب الممكن، فأين بقيته؟

لقد اكتفى التقرير بالتوصيف السابق للمغرب بلد التناقضات المتطلع للحداثة بدليل التغيرات السائدة على مستوى الأسرة به، والعلاقة بالدين، ونظام القيم، ودينامية الثقافة، وتحرير الإمكان البشري، سلسلة من التوصيفات تلائم فعلا العنوان المختار (المغرب الممكن) الذي جاء مراعيا لوجود 19 وزيرا بين عدد الباحثين المكون من 132 ضمنهم مستشارين ملكيين، لا يضم أي فقيه أو عالم، ومقتصرا على 18 امرأة مما يضع مصداقية الفريق على المحك في مسألة المساواة والنوع والهوية.

وهو ما وقع أيضا في التقارير المثبتة في آخره البالغ عددها 79، خالية مما يتحدث عن علاقات المغاربة فيما بينهم، ولا فيما بينهم وبين الإدارة، ولا كيفية تدبيرهم للمجال الجغرافي قيما وتوزيعا، وتحكيما، ولا تمظهرات صراع الحداثة والهوية، والبدائل المرفوضة أو المختارة، وهم عندما تحدثوا عن تراجع القيم التقليدية، كالنية والإيمان والثقة والكلمة والبركة لصالح القيم الجديدة التي هي القانون وحقوق الإنسان، والمساواة بين الجنسين، والقيم المكرسة للفردانية، ملاحظين أن تعايش النمطين، أديا إلى مواقف عصرية وسلوكات تقليدية، أفرزت الزبونية والريع والسلوك المحافظ داخل البيت، والليبرالية في الخارج (ص53، التقرير).

خطأ الانقلاب الناعم وحصار دور الملكية

ترى هل هذا كلام الخبراء أم أنه مجرد مصادرة على المطلوب تغيى نفي التدافع بين التقليدي والعصري وأنه ليس هناك صراع أدى ويؤدي إلى التعويق والتبخيس المتبادلين وتوهين قدرة القادرين، وإدانة عجز المتخلفين، وهو ما يظهر بعضه في وصلات الإشهار الذي يكتب الدارجة للمتعلمين مع العلم أن القراءة منفية عن الأمي الذي يريد الإشهارُ إبلاغه الرسالة، والترويج للاستفادة من القروض الربوية لإحياء سنة العيد..

واعتبار أن تعامل المسلمين المغاربة مع ما هو ديني يجب أن يتم حسب مقاربتين واحدة ترى أن الدين قاعدة/قيمة والبحث عن مدى تناسب المجتمع معها، وهي مسألة معيارية، يقول أصحاب التقرير بأنها: “لا تندرج في هذا التقرير”.

والثانية سوسيولوجية أنثروبولوجية تطورت بعد الاستقلال وأفرزت ثلاثة نزعات:

أولاها: وهي أكثر غالبية، تولي مؤسسة إمارة المؤمنين مكانة مركزية في الدولة المغربية.

وثانيهما: تَوجُه يروم أسلمة المجتمع بقراءة للدين خارج الزمن وبتعال عن التاريخ.

الثالثة: تنادي للمجتمع بدنيويته؛ وحدها الكفيلة بضمان حرية التأويل، المقرونة بالديمقراطية وحرية التعبير ليكون الدين ناقلا للتقدم، ولتكريس قيم كونية قوامها ضمان كرامة وحرية الأشخاص (ص:44).

وبذلك يكون التقرير قد أعطى المثال على نوع حرية التفكير المبشر به والذي يقصي تصور البعد الثاني الذي يروم أسلمة المجتمع، ويحجم البعد الأول بقصره على إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي لصالح التصور الثالث الذي يجعل الدين في خدمة القيم الكونية، وفق القانون وليس وفق الدين الإسلامي.

بيد أن الواقع لم يطاوع أصحاب التقرير لا ماضيا ولا حاضرا، لا نظريا ولا عمليا، فالمغرب عرف سلالات حاكمة وليس سلالة واحدة كما زعم، والإفلات من الخلافة في المشرق والإمبراطورية العثمانية لم يكن قطعا مع الإسلام وحضارته، بل على العكس؛ لأن السلالة الحاكمة اليوم أتت من المشرق وبعد انصرام دول عظيمة عرفها المغرب كالمرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين، جاءت هاته السلالة، يقول “إدمون دوتي” منظر الغزو الفرنسي قبل 100 سنة: “الشرفاء حاملو لواء المحافظة والبعث الإسلامي بالمغرب انبروا لمصارعة النصارى طيلة نصف قرن بعدما جاؤوا من جنوب جزيرة العرب (ص135)”.

ويقول عن إسلام المغاربة الذي يروج له أصحاب التقرير: “لن نفهم الأحاسيس التي يطرحها الشعب المغربي إذا لم نبحث في أصوله، ليس فقط في المعتقدات الإسلامية، ولكن أيضا في المعتقدات العتيقة التي هي روح الأمة، لذلك فالآثار والفولكلور هما الطريقة السوسيولوجية الحديثة الواجب اعتمادها، إنها الوحيدة التي تمكننا من تلمس البقايا العميقة في المجتمع المغربي، هل تصورنا كم من الجهد الذي بذلناه للقضاء على سير الأولياء التي تعتبر مفاتح الجزائر البلد الشديد الولاء، فنفس الجهد سيتجدد بالنسبة للمغرب الذي يعيش في ثقافة ولائية، وهو أكثر تعلقا بالإسلام من الجزائر وتونس، وتاريخه تاريخ تدين عميق، وقد كان له حكومة مسلمة خالصة لا مثيل لها في العالم كله، ومؤسسة الحسبة فيه أصيلة ومتفردة، وهي تعني أن كل المسلمين معنيون بالأمر بالمعروف، أي ما أمر الله به، والنهي عن المنكر؛ أي ما نهى الله عنه (ص:133 وما بعدها؛ مجلة إفريقيا الفرنسية 1909م)”.

الإسلام مصدر قوة للشعب وللدولة

طيلة خمسين سنة من الحماية؛ بذلت جهود كثيرة لتحقيق فكرة الإسلام السوسيولوجي الخادم للمخططات التي تسير الشعب لأغراض استهلاكية فشلت مع الشعب ومع ولي أمره، فالأول لم تنطلي عليه أنه فسيفساء متناقضة وأنه مسلم وليس فقط متدينا، وولي الأمر كان فاعلا ومتفاعلا وأميرا للمؤمنين، وإلا لما كان شعارا للوحدة، فقصر عمله على حل إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي لصالح فئة تهدف إلى تسخير الدين لخدمة أهداف دنيوية تتعارض مع أبسط القوانين الطبيعية، مثل أسرة “المثليين”، وإطعام الحيوانات العاشبة اللحوم مما أدى إلى ظهور مرض جنون البقر، مما يمكن أن نقول معه: بأن قيم القانون هي قيم الهامبرغر التي لا يهمها من القانون إلا الشكل الربحي للمسألة.

وإذا كان الربيع العربي قد أتاح لنا فرصة تسليط الضوء على هذا التقرير الذي يتبين معه السقوط المدوي للنخبة التي صاغته من أجل التسويق لمغرب ممكن، كان يراد له اكتساح ما بقي من منظومات قيمية ممانعة في ظل هجمة علمانية شرسة تروم تبخيس كل ما هو ذا حرمة وتقدير؛ سواء على مستوى اللباس أو السيادة والنظام؛ مع العلم أن الصراع حول النظام الذي أدى إلى عرقلة التنمية البشرية التي يهتم بها التقرير، والذي أدى إلى عجز النخب الفكرية والسياسية عن منازلة الأعيان، بله أن يزيحهم لافتقادهم المصداقية والذي أنقذ البلاد مؤخرا بالاستماع إلى صوت الشعب المطالب بالتغيير والقضاء على مظاهر الفساد بسن دستور جديد يحقق الكرامة في ظل الإسلام وقيمه.

لقد كان المأمول من تقرير الخمسينية أن يتحدث عن الإكراهات التي سيطرحها تحول الدواوير إلى مدن عشوائية بعدما وصلتها الكهرباء والماء وارتفاع سكانها، من قبيل التطهير السائل والصلب والأمن والخدمات الاجتماعية، أما أن يركز على تدنيس المقدس، والعمل على تفكيك البنيات الاجتماعية بدعوى التحديث، وجعل الإسلام غريبا، فإني أحيلهم إلى كتاب “le developpement du maroc. le maroc 1917” ليقرؤوا: “بعد هذه التلخيصية للمغرب من ناحية التنمية التجارية والاقتصادية والفلاحية؛ نخلص إلى أن هذا البلد الإسلامي جد متقدم حضاريا بالنسبة لباقي دول إفريقيا الشمالية، وهو قادر على مقاومة كل الاختراقات الأوربية (ص:25)، إنه ليس ذلك البلد الخرافي الغرائبي (ص:03)”.

الذي قال عنه التقرير إنه بلد المتناقضات؛ فاستعان بعض من شارك فيه بخبير أمريكي لإصلاح شأنه الديني، فكان إغلاق المساجد بدعوى الإصلاح، ومنع الإحسان لتجفيف منابع “الإرهاب”، ترى (كيف عاش بلارج حتى جاء الجراد!!)؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* باحث في علم الاجتماع الديني والثقافي، وعضو اتحاد كتاب المغرب، وعضو الجمعية المغربية لعلم الاجتماع، وعضو الجمعية العربية لعلم الاجتماع، وعضو رابطة علماء المغرب.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • jamal
    الثلاثاء 5 فبراير 2013 - 06:59

    Votre discours est loin d' être objectif.Il vous manque bcp d' audace pour dire la vérité.Un analyse doit être scientifique…c

  • المعلق الرياضي
    الثلاثاء 5 فبراير 2013 - 15:14

    جزاك الله بكل حرف من مقالك خيرا.

    قد زدتني علما بما يجعلني أرفع رأسي فخرا بمغربيتي، و بإسلامي.

    و الحمد لله.

  • Azerty
    الأربعاء 6 فبراير 2013 - 00:08

    Au commentateur n1
    En quoi l'article manque d'objectivite?
    Et de quelle audace vous parlez, audace a dire quoi allez soyez audacieux
    Et en quoi l'analyse n'est pas scientifique ?
    On attend vos lumieres merci.

صوت وصورة
العسري يعلّق على تعيين المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 05:35 2

العسري يعلّق على تعيين المنصوري

صوت وصورة
ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:23 2

ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟

صوت وصورة
غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:22

غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء

صوت وصورة
إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 21:31 2

إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"

صوت وصورة
ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:30 12

ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟

صوت وصورة
أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:25 6

أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري