احتدم الشد والجذب بين القائمين على التعليم من جهة، وبين المعلمين، بالأخص أصحاب العقود منهم، من جهة أخرى، إلى أن بلغ هذا الكر والفر مبلغا لا يمكن استيعابه. تغير أصحاب الحل والعقد مرات ومرات ولم يتغير الحال. ومازلنا نحصد المراتب الدنيا في مهارات القراءة والكتابة والحساب في التقييمات العالمية كـ PISA و PIRLS. ويبدو أن الأمر سيهوي بنا إلى أدهى من ذلك في ظل النفق المسدود الذي وصلت إليه قضية الأساتذة الجدد، وذلك بُعَيد أزمة التعليم عن بعد. للأسف الشديد، أكبر من يدفع ضريبة هذه الأزمة بين المعلم والمسؤول هم من يُفترض أن يستفيد من العملية التعليمية: الأطفال واليافعون والمراهقون المتحدرون من الطبقات الأكثر هشاشة، الذين رأسمالهم الحقيقي، وغالبا الوحيد، هو المعرفة لا غير. لسوء الحظ، خذلنا هؤلاء الحالمين وأولياءهم مرة أخرى!
من جانب المسؤول، واحد من دروب تفسير التوجه نحو النأي عن التوظيف المباشر في ردهات الشغل العمومي يدخل في صورة الشغل العالمية. حيث إن أغلب المؤسسات أضحت تتجه نحو تقليص الموظفين وتفويض جزء كبير من مهامها إلى شركاتٍ خاصة أو مؤسسات أصغر أو برامج حوسبية سحابية تُوفر عنها جزءا كبيرا من المصاريف؛ وهذا ما ليس لدينا عليه أي خبر واضح أو أرقام دامغة في حالة ملف التعليم هذا الذي أمامنا. ولو كان الحال مجرد عكس قرار التعاقد بالتوظيف، لكان ذلك منذ أكثر من سبع سنوات أكاديمية عجاف. لكن يظهر أن العودة إلى التوظيف المباشر قرار وراءه واحد من اثنين: إما واقع مالي غامض عصي علينا فهمه وعلى كل رجالات القطاع، وإما أنفةٌ فارغة أمام هذا الملف الحساس الذين أصاب الجميع في مقتل.
من جهة المعلمين المتعاقدين، تركيزهم منصب على التشبث بوظيفة عمومية بمزايا مماثلة لمن سبقهم في مدارس ما قبل 2016. حتى هذه ربما لم ينتبهوا إلى أنها بالكاد تحقق عيشا يقترب من أن يُسمى كريما في ظل التضخم المستمر وحشر بعض كماليات الحياة المعاصرة في أساسياتها. أما التكوين التربوي الأساسي الذي تلقاه كثيرون ممن التحق ابتداء من 2017، فتجوز قراءة الفاتحة عليه دون تسليم؛ ونقول هذا عن اطلاع عن قرب، وليس من باب الإطناب أو تصفية الحسابات؛ هذا دون التطرق إلى فقرٍ في أدوات العمل المتوفرة في العديد من المؤسسات، وبَوْنٍ بَيِّنٍ بين المنهج الدراسي ومستوى الطلاب، وعوائق في الفوارق اللسانية والمجالية، وكذا بعض العلاقات المتشنجة بين المدرسين وبين بعض الكوادر في إدارتهم المدرسية.
وعلى الرغم من كل ذلك، لا يُفهم أبدا أن يأخذَ إضرابُ من اختار على وعي وقناعة أن يؤدي رسالة التعليم شكلا غير خَلاقٍ، يكاد يمس بالأخلاق. فالانقطاع عن تأدية الرسالة لأسابيع، فما بالك بالشهور والفصول، فصل من فصول الخيال!! الإضراب المؤدى عنه حق مشروع رغم توجه المسؤول إلى عكس ذلك. والعيب كل العيب أن تنزل ضربات هراوات حُفاظ الأمن على رؤوس حفاظ العلم، والعيب المضاعف أن تنزل ضربات الإضراب على رؤوس أضعف حلقات السلسلة من تلامذة وأولياء. فوراء كل طالبٍ وطالبةٍ عددٌ لا حصر له من المتغيرات التي ترتكز كلها على وجودهما في الفصل بشكل يومي؛ عدا ذلك نكون قد مهدنا بالتعجيل بتضاعف الانتكاسة بإيقاع أُسِيٍّ لا يمكن العودة منه إلى حال البداية أبدا. فالرسالةَ الرسالة يا من كاد أن يكون رسولا!!
أخيرا، في الوقت الذي تتخبط فيه بعض البلدان، على تقدمها، في مشاكل في مواردها البشرية لا من حيث شكل هرمها المجتمعي المقلوب، (شيخوخة) أو في حاجتها إلى استقدام عمالة خارجية في غياب كفاءة داخلية، لا نستشِف، وللأسف، أننا على وعي تام بما يزخر به بلدنا من طاقات هائلة تكتنزها عقول وسواعد الشباب المغربي. ولا أدل على ذلك سوى نجاحهم الباهر خارج البلد، وفي كل الميادين، لما يأنسون تأطيرا وتشجيعا. لا بد أن نتعلم، الآن، من دروس كورونا وكأس العالم وزلزال الحوز قبل فوات الأوان. فمقومات نجاح التعليم أيضا، شأنها شأن باقي مناحي الحياة، تنطلق من الخلطة الكونية نفسها. نحن في أمس الحاجة إلى التدبير الناجع من أعلى المستويات، وبالضبط من ذوي الخبرة في الميدان وليس من خارجه؛ وإلى تبني فلسفة التشجيع على البذل والعطاء والمجازاة بما يحفظ الكرامة والعدل؛ والالتزام بالعمل الجاد بإحسان وبإتقان. هذا إن كانت رؤيتنا فعلا الاستقلالية في تجاوز المحن وحصد المنجزات.
مقال يصيب كبد الحقيقة، ويعريها بشكل واضح بل فاضح لكل من أبى أن يفتح عينيه وقلبه وجوارحه لها. السجال الدائر مستمر؛بغض النظر عن المواقف والدفوعات والحجج المقدمة من مختلف الأطراف المتصارعة؛ ويستمر معها هدر رهيب للفرص الممكنة، ونهاية المشهد محكوم بمشهد تراجيدي تكمن في الفاتورة التي تنتظر الحائط الأقصر: تلميذ الهوامش والعمومي..ومن سواه؟
نجدد الشكر لصاحب المقال
التعليم قبل كل شيء هو خدمة إجتماعية ضرورية، أي أنها من حقوق المواطن: كل المواطنين من حقهم الحصول على تعليم عمومي مجاني. المواطن لم يعد متقبلا لأداء ثمن الصراعات بين الدولة وشغيلتها، الخدمة العمومية ليست سلعة مادية كالزيت والسكر…يُمكن الإضراب عن إنتاجها، فالمواطن دفع وسيدفع ثمن الخدمات العمومية مهما كان الأمر،فهل عليه تأدية أجور المضربين ليصبح أداء الخدمة العمومية إختيارا أخلاقيا؟ ربما علينا الوقوف والتوقف كما إمرؤ القيس: المعلم لم يعد رسولا، بل إطارا تعليميا، التعليم ليس مهمة إنسانية بل وظيفة عمومية. كنا نُطالب المُشغل(الدولة) بتطبيق ما ورد في عقده مع شغيلة التعليم ولكنه فضل عدم الصرامة.
تحية لصاحب المقال … تطرق شامل للموضوع من جوانبه العدة . لكن أظن أن من بيده الحل من أصحاب القرارات هم نفسهم من يملكون مشاريع عملاقة لمدارس التعليم الخاصة . فكيف لأناس همهم الوحيد هو تطوير وزيادة الربح أن يجدو حل لابناء وطنهم أقل ما يمكن القول عنهم أنهم رمت بهم الظروف في دهاليز المدرسة العمومية…
أتمنى إصلاح المنظومة باكملها لمافيه خير لابناء هذا الوطن.