حريم رجل القش..

حريم رجل القش..
الأربعاء 16 مارس 2022 - 00:44

عن ثالوث السياسة والدين والجنس

– الساعة تشير إلى الثانية عشرة ليلا، وهي تعني أن صلاة سفلية صاخبة ستبدأ بعد لحظات في هذا السبت الخريفي البارد، برودة علاقاتنا المعاصرة، ومشاعرنا الإسمنتية.

لم يلتحق بعد بطاولته المحجوزة له… جميلاته ينتظرنه وهن يشربن كؤوس الفودكا على مضض.

ماريا، تطمئن الصديقات، ترسل إليه عبر “واتساب” رسائل قصيرة، بصوتها الصفريوي، الخافت المبحوح، تخبر مسؤول الملهى كي يبعث أحدا لإحضاره، كما جرت العادة، عندما تسأل عنه رفيقاته أو بعض أعيان المدينة، يجيبها سعيد بصوته الجنوبي الجهوري الذي يلغي إيقاع بحتها: الآن… الآن سيصل، قريبا سيصل، ســــــــــ…..يــــــــــ…..صـــــــ….ل.

ماريا تضرب أخماسا في أسداس، فهي القريبة منه روحا وجسدا، منذ جاءت المدينة وتوسط لها كي تشتغل بحانة محطة القطار الفاخرة، التي يمضي بها معظم ليله، ولا يغادرها إلا لماما متى سافر أو اعتكف في منزله للكتابة أو تصحيح بحوث إحدى طالباته المتحررات من قيود البلد والعائلة، والجيران والصديقات المحافظات وعيون العسس، فقد عرف عنه في الأوساط الجامعية أنه لا يشرف إلا على البحوث التي تحضرها عذارى الجامعة.

مريم في كامل زينتها، وغنجها الخمسيني الفوضوي، وعطرها الباريسي، وأقراطها الماسية، وعريها السافر الساحر الآسر للعيون، تستأذن صويحباتها، وتقوم متجهة، نحو مرحاض خاص بزبائن الدرجة الأولى الذي تحبه، لأشياء تترى.. حلوة ومرة، ترى زخرفاته الأندلسية لامعة كما كانت منذ عقدين من الزمن، ترى خشب أبوابه العبرية التي يراقص فيها الهلال الأخضر نجمة داود المضيئة على صورتها الأولى، رغم هجرة المالكين اليهود، ترى أجواء المرحاض حميمية ومثالية تعادل حميمية ليلة الدخلة بين حبيبين من هويتين مختلفتين، اختارا الانتصار للحب في عز الحرب ودحرجا خطاب الكراهية مثلما تُدحرج كرة الثلج في الجليد.

مرحاض الذكريات في عيون مريم فضاء مرشوش بالمديح والرثاء، تقصده كلما ناداها مناد من خلف حجاب، أن قومي للتعبد قد حان وقت رياضة الروح!، تخرج مرآتها، وولاعتها، وكيسا صغيرا كأكياس الحنطة التي ادخرها كهنة آمون، تنثر سبحتها الصوفية بحيطة وحذر شديدين، فوق مرآتها، تضع النار تحت المرآة فتشرع في طحن حبات السبحة البيضاء ببطاقتها البنكية، ثم تنظمها سطرين، كسطور حياتها المستقيمة بعد طول اعوجاج، أو كسطور قصيدة نثر عمدها الماغوط بماء الإيقاع، تحصينا لها من نشاز المجاز.

تشم لا هوتها شما، فينبعث تاريخها عسلا وسما، يتراءى لها من بعيد قادما كفارس بلا نصر من فرسان طروادة، تتذكر أول قبلة تبادلاها في مرحاض الملهى الحميمي، قبل أن يلتحفا الأرض سريرا للغرام، دون نبوءة قبلية، أو وعد بالمجون والجنون في حضرة مرحاض باخوس إله الغواية والنبيذ.

تضحك مريم وهي تتذكر كيف راودها عن نفسها عنوة كما يفعل السكارى والمجانين من العرب، في حضرة رابعة العدوية، تحت تأثير كحل العيون وكحول المتعة المسروقة قسرا. تتذكر كيف مسها مطر الرغبة التي خبأتها منذ عام وراء عيونها الفاسية القاسية، قبل أن ترضخ لفحولته الشاعرية، ليصيرا روحين في جسد واحد لازوردي الحنان.

تضحك، وهي تستعيد أول لقاء جمعهما، وكيف ناما في مرحاض الملهى حتى الصباح دون أن يعبأ بهما أحد، أو يقلق راحتهما أحد، حين نفخا الكلام في بوق الجسد، حين نسيت هي وصايا العشيرة والشريعة، وهرطقات أرباب التحليل النفسي.

كان أول من جدد رغوتها، وألقى خيط الوصال في خرم إبرتها، بعد عام من الحرمان والعزلة واكتئاب ما بعد الطلاق.

– آه كم كانت أضعف من مقاومته ليلتها… أه كم كان أبهى حين عمَّد أنوثتها، بحليب نبوءته، وحررها من الكفر والرفض والحزن القديم.

تزول نشوة السطرين… تبكي مريم طفولتها المغتصبة، وهي تحضر أسطرا أخرى، يحضرها كابوس زفافها السابق، ترى خطيبها ودودا وهو يطلب يدها، كريما وهو يهدي المهر لها، نبيلا وهو يرسم الغد لها، لكن قلبها يكذب ما تراه.. تراه قريبا من جسدها، بعيدا عن روحها، وأحلامها.. الفتاة المسكينة التي كانت، لا صوت لها كي تقول لا لمن قال له والدها: نعم… لا لسان لها سوى لسان الرضى والقبول إرضاء لشهوة الحزب قبل رغبة الأب.

تشهق ثم تقول:

– أنا صدى الآخرين، لم أختر أبي الذي أحيا مأساة أمي يوم قادها هي الأخرى سلطان الحزب والمصالح المادية بين العائلتين للقبول والرضى بزيجة عنوانها ديكتاتورية الحزب وولاء الأب، ما أتعس حظك يا أمي!، ما أتعس امتداد حظي فيك يا أمي !

– أنا لم أختر الحزب الذي ألغى أنوثتي، وجسدي، وحريتي في القبول والرفض والمعتقد والاختيار.

– أنا لم أوقع شيكا على بياض لأمين الحزب كي ينال حرية التصرف في حاضري ومستقبلي.

– أنا لم، ولم، ولم… وألف لم.

يحضرها صوته، فتنتشي بسطرين ممتلئين، يذكر أنها بشارة النصر التي رسمها لها، منذ عام بين نهديها الثائرين حين أهدته تفاحها بعد هزيمتها في الغرام، يوم قال لها بصوته المموسق: تفاح الزاوية للزاوية، والزاوية يحكمها منطق الشيخ والمريد، وحريم المريد، وفق هذا المنطق الفاشي هم حريم الشيخ السادي، فالشيخ يا مريم في نظام الزاوية يسود ويحكم، يأمر وينهى، يحيي ويميت، وكل المريدين له طائعون، وكل المريدات طائعات خاشعات، لا يعصين له أمرا، سرا أو جهرا، الشيخ السادي، أحيا طليقك بالزواج منك كي يقتلك، وأعلى من مقام أبيك كي ينزلك، كي تسود شريعته، وتكبر زاويته، ويكثر أتباعه، ونسله المختار النقي دما وانتماء، الشيخ السادي يا مريم، مكون من مكونات هويتنا المهزوزة، وعنوان مرحلة عصية عن التجاوز والفهم..

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • أستاذة مغربية
    الأربعاء 16 مارس 2022 - 21:22

    قصة قصيرة معبرة عن الثالوث المحرم بأسلوب جميل …..

صوت وصورة
لشكر: "سرقوا برنامجنا الانتخابي"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 23:48

لشكر: "سرقوا برنامجنا الانتخابي"

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تنفذ "كرسي الخط"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 23:31

أكاديمية المملكة تنفذ "كرسي الخط"

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | نبيل بنعبد الله
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 22:19

الطريق إلى الانتخابات 2026 | نبيل بنعبد الله

صوت وصورة
الرميلي وتخفيف تكلفة العلاج
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 21:29 4

الرميلي وتخفيف تكلفة العلاج

صوت وصورة
محافظ ثقيلة وأطفال صغار
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 20:29 2

محافظ ثقيلة وأطفال صغار

صوت وصورة
استفدت من 800 درهم وسأدعم "الأحرار"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 20:00 5

استفدت من 800 درهم وسأدعم "الأحرار"