إن الخطاب الملكي أمام البرلمان غداة افتتاحه الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية التاسعة يوم الجمعة10 أكتوبر2014، جاء ليُقوّم العمل السياسي والحزبي ويحمِّس الفاعلين السياسيين ويدفعهم باتجاه تقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، لذلك لا يجب بأي حال من الأحوال تحوير مضمونه أو استغلاله بطريقة بائسة ودنيئة لإشاعة حالة من “التيئيس”و”التبخيس” وعدم الجدوى من هذا العمل برمته.
علينا أن نعي أن نشر حالة من التيئيس هو ما دأب عليه أعداء الديمقراطية للتشكيك بقدرة الأحزاب فيرفع تحدي البناء والاستجابة لطموحات الشعوب، تارة بوصفها دكاكين انتخابية، وتارة بكونها وعاء للمصالح الشخصية وتارة أخرى بكونها مقبرة لآمال المواطنين، وتارة بالدعوة إلى خيار الحكومات التكنوقراطية ” كبديل عن “الحكومات السياسية، وهو جزء منه لا يمكن إنكاره، بيْد أن الغرض من محاولات هؤلاء الأعداء ليس هو إظهار تعاطفهم مع مصالح الشعب بل هو خلق هوة كبيرة بين المواطنين والأحزاب وقطيعة بينهم وبين العمل السياسي، ليتم بالنهاية التشكيك في المسار الديمقراطي برمته.
وإذا كان الخطاب الملكي قد توجه ببعض اللوم للفاعل السياسي على تقصيره، فإنه بالموازاة مع ذلك أكد ثقته في هذه المؤسسات الحزبية والسياسية وقدرتها على الفعل والعطاء، شريطة التحلي بأخلاقيات العمل والمقاربة الإيجابية، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة.
وإذا كان جلالة الملك محمد السادس قد عبر عن وعي دقيق لما يحاك للمغرب، وعن إدراك عميق لإيجابيات الخيار الديمقراطي في مواجهة الاستبداد عندما أكد على ضرورة الاعتبار بمايقع في العديد من دول المنطقة، فإن أعداء الديمقراطية ما يزال يراودهم حلم إعادة تجريب النموذج الـ” بنعلي” ولربما ” الأسدي” دونما تقدير لحجم الكوارث التي يمكن أن تأتي من وراء تبني مثل هذه الطروحات.
ولعل اعتماد ميثاق حقيقي لأخلاقيات العمل السياسي الذي دعا إليه جلالة الملك في خطابه أمام البرلمان، سيكون من شأنه أن يعيد المصداقية للممارسة السياسية والحزبية، ويرفع منسوب ثقة المواطنين بالمؤسسات السياسية والحزبية ودورها في إنجاح ورش البناء الديمقراطي، وأن يحاصر البلطجة التي دأب على ممارستها عدد من الفاعلين السياسيين، ويحاصر أيضا أعداء الديمقراطية ودعاة الاستئصال.
إن من شأن هذا الميثاق أن يجعل المصلحة العامة للوطن والمواطنين مقدمة على مصالح الأحزاب والبرلمانيين، ويسهم في تأسيس مبدأ التوافق الإيجابي – كما قال جلالته- في التعاطي مع القرارات المصيرية للبلاد والإسراع في تنفيذ الورش والإصلاحات الكبرى التي يحتاجها المغرب لتحقيق الإقلاع المنشود نحو مصاف الدول الصاعدة.
نعم إن من شأن هذا الميثاق أن يجعل من الاستحقاقات الانتخابية محطة للتدافع السياسي الحقيقي والتنافس الشريف في ضوء البرامج التي تحاول الإجابة على الإشكالات السياسية والحقوقية والاجتماعية والاقتصادية والتنموية التي تصب في مصلحة الوطن والمواطنين، وأن يقطع الطريق على كافة أشكال الريع وشراء الذمم وتوظيف المال الحرام، وأن يجعل التحالفات الحزبية المنبثقة عن هذه الاستحقاقات سواء من موقع الأغلبية أو من موقع المعارضة أكثر انسجاما وتكاثفا وأكثر فاعلية على قاعدة الرؤية المشتركة والبرامج الفاعلة لا على قاعدة المصالح الحزبية الضيقة.
بالمجمل لا يمكن ربح رهان البناء الديمقراطي دون وجود للأحزاب وللعمل السياسي، غير أن هذه الأحزاب عليها أن تكون في مستوى المسؤولية- كما أكدت على ذلك الخطابات الملكية- سواء تموقعت في الأغلبية أو المعارضة، وأن تلتحم بطبقات المجتمع وتستمع لآهاتهم وتستجيب لطموحاتهم، حتى يتسنى لها قطع الطريق على المشوشين والمغرضين والاستئصاليين.
الحقيقة اننا بازاء مرحلة صعبة في تاريخ مجتمعنا .مرحلة تحتاج الى وقفة تاملية ونقدية لمراجعة مشهدنا السياسي.المتامل لهذا المشهد يدرك وجود نوع من الخصوصية يميزه عن امثاله في دول الربيع العربي.تلك الدول تخلو من التنوع السياسي والارضية السياسية لدى بعضها غير مهياة للانتقال الى النظام الديموقراطي الحقيقي بسبب الاستبداد وما يصاحبه ويستلزمه من اقصاء.اما لدينا وبحكم ما عرفناه من انفتاح عقدي وفكري فقد امكن قيام تمايزات ايديولوجية ومذهبية وعقدية سمحت بنشوء تيارات ومذاهب سياسية متباينة وظهور احزاب سياسية.وهكذا توجد لدينا ارضية سياسية جاهزة وقابلة للاستثمار في بناء ديموقراطية حقيقية.لكن هذه الارضية محتاجة الى الترميم والاصلاح .وبما ان الامر يتعلق بالديموقراطية وهي تقوم على مبدا الاغلبية فان هذا االاصلاح لايكون من فوق واانما من القواعد الحزبية وخاصة من نخبها شريطة ان تؤخذ الامور بجدية وموضوعية.لابد من اعادة النظر في الدور الحقيقي للحزب ولوظائفه الاجتماعية ولكيفية اشتغاله ولمدى مساهمته في تحقيق الانتظارات وفي جاذبيته واشعاعه.فلا ديموقراطية حقيقية بدون احزاب قوية ومسؤولة وناضجة ومنتجة لقيم
الخاطب الملكي بالفعل ليس خطاب تيئيس بل هو خطاب تحميس، ولكن الأحزاب لا تعرف كيف تكون أحزابا سياسية حقيقية رغم أن ملك البلاد أردها أن تكون كذلك، والسبب يعود إلى أنها أحزابا (جميعها) مدجنة مفبركة مصنوعة من قبل أجهزة معينة، فالحزب في المغرب ظل يعني منذ فبركته لأول مرة في المغرب، تلك "الكريمة التي تتيح لصاحبها الحصول على الامتيازات كالاستوزار وما جاوره".. ولذلك تجد السياسيين لا يجيدون أكثر من ممارسة لعبة الملاكمة داخل قبة البرلمان. والمثال على ذلك موقعة شباط والنائب البرلماني اللبار التي اندلعت مباشرة بعد الخطاب الملكي.