ديكارت يعود من منفاه العقلي!

ديكارت يعود من منفاه العقلي!
الإثنين 27 أكتوبر 2025 - 18:51

أيها الأصدقاء والطلاب،

يا محبي الحكمة،

لقد عدت إليكم من القرن السابع عشر.. لأتفقد أحوال الفلسفة، والمنهج، والكوجيطو، والرياضيات، وأخبار الاستدلال الهندسي..

فوجدت العقول تحتفل بميلاد فلسفة الكذب!

يا للعجب، يا للمضرة.. يا للمهانة،

صار الكذب “مشروعًا نقديًا”؛ تأويليًا، أنطولوجيًا.. أدبيًا، وبرنامجًا انتخابيًا.

وصار الفيلسوف يُقاس بقدرته على تجميل الوهم وإقناع الجمهور بأن الحقيقة مجرد خطأ نحوي.

في زمني، كان الجميع يقول: أنا أفكر إذن أنا موجود،

ضدًا في عفاريت الكنسية وتماسيحها

ونقدًا للجمود والعقم المدرسي.. اسألوا ميشال فوكو وجيل دولوز عن ذلك.. وقبلهما برتراند راسل.

أما اليوم فالموضة الجديدة هي: أنا أكذب إذن أنا مؤثر. أو أنا تافه إذن أنا مؤثر.. أو أنا فارغ إذن أنا مؤثر..

يعيش البسطاء في طوفان من كوجيطو: الكذب، والتفاهة، والعقول الفارغة.

كان الشك عندي طريقًا إلى اليقين، فأصبح عندهم طريقًا إلى “الترند”.

الكذب لم يعد خطيئة فكرية، أو أخلاقية كما قال صديقي إيمانويل كانط والقديس أغسطين.

الكذب اليوم أصبح مهارة اتصالية، تدرس في جامعات التواصل الاجتماعي تحت عنوان: “كيف تكذب دون أن يلاحظك أحد؟”

كيف تكذب فتركب الترند؟

كيف تكون فارغًا لتملأ الفضاء ضجيجًا؟

كيف تكون عميلًا لتفاهتك بنقرة واحدة؟

هم يكتبون مقالات عن “جمال الزيف”، ويدافعون عن “حق الكذاب في التعبير عن ذاته المتخيلة”.

يقولون إن الحقيقة مفهوم متقادم، و”الصدق ممل وغير تفاعلي”.

فاخترعوا لنا منطق التسلط.. كتب عنه الكاتب، تسلط بالتضليل واستفراغ التفاهة.

وأنا أقول لهم: ما الفرق بين فيلسوف كهذا وبين مرآة مكسورة ترى ألف وجه ولا تعكس وجهًا واحدًا صحيحًا؟

أيها الفلاسفة الجدد،

هنيئًا لكم..

اصمدوا..

راقبوا الحقيقة.. حاصروها،

سفهوا الواقع.. جمدوه..

انسلخوا عن جلدكم.. خلعوه.

إنكم لم تكتشفوا فلسفة الكذب، بل الكذب عن أنفسكم.

وإذا كان العقل قد صار موظف دعاية، فدعوني أعود إلى قبري بكرامة، قبل أن أجبر على القول: أنا أضحك، إذن أنا موجود!

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • MC
    الثلاثاء 28 أكتوبر 2025 - 12:49

    “If you tell the truth, you don’t have to remember anything”

    “إذا قلت الحقيقة، فلن تحتاج أن تتذكر شيئاً”
    Mark Twain

    “There are three kinds of lies: lies, damned lies, and statistics”

    “هناك ثلاثة أنواع من الأكاذيب: الأكاذيب، الأكاذيب اللعينة، والإحصائيات.”
    B Disraeli

    أستاذي،

    لقد نطقتَ بلسان الفلسفة حين صرختَ في وجه التفاهة، وأعدتَ إلينا صدى العقل الذي تاه في أروقة الادعاء والسطحية. مقالك عن عودة ديكارت ليس مجرد تأملٍ ساخر، بل مرآة تنكشف فيها أزمة الإنسان المعاصر؛ ذاك الذي استبدل الفكر بالترند، والصدق بالتفاعل، والبحث بالتمثيل.
    ديكارت، لو عاد فعلًا، لوجد أن العقل لم يعد يصنع الكوجيطو، بل يُستعمل كخدمة ترويجية في أسواق الرموز والإعلانات؛ حيث صارت الفكرة تُقاس بعدد الإعجابات، لا بعدد الأسئلة التي تثيرها.نحن في زمن يغدو فيه الكذبُ جسرًا إلى الشهرة، والضحكُ سُلطة فكرية، والفراغُ فضاءً يُملأ بصدى اللاشيء.

    ديكارت لم يعد من منفاه العقلي ليعاتب البشر، بل ليذكّرنا أننا خُلقنا لنسأل قبل أن نُصفّق، ولنشك قبل أن نُصدّق. ولو كتب مرة أخرى، لقال ربما: أنا أبحث، إذن أنا أعيش.

    ALHOCEIMA

  • بدر الحمري،
    الثلاثاء 28 أكتوبر 2025 - 23:23

    شكرا لك mc

    تحياتي
    “If you tell the truth, you don’t have to remember anything”

    “إذا قلت الحقيقة، فلن تحتاج أن تتذكر شيئاً”
    Mark Twain

    “There are three kinds of lies: lies, damned lies, and statistics”

    “هناك ثلاثة أنواع من الأكاذيب: الأكاذيب، الأكاذيب اللعينة، والإحصائيات.”
    B Disraeli

  • amaghrabi
    الأربعاء 29 أكتوبر 2025 - 15:30

    مقال جيد وهادف ويقرأ واقعنا قراءة عاقلة وكان تجاوب المعلقين في محله وزادا تأكيدا لمصداقية المقال والحمد لله ويذكرني المقال بقصة تراثية بحيث مرة في قرية ما كان هناك بئر يشرب به أعل القرية ويحمقون فبدأ حكيم يحذر الناس ان لا يشربوا من البئر لان كل من شرب منه أصبح أحمقا ولكن الناس استمرت من الشرب من ذلك البئر حتى أصبحت القرية كلها حمقى وبقي الحكيم وحده وفي الاخير لم يجد من يتفاهم معه وذهب الى البئر وشرب منه وأصبح مثلهم.اليوم سيدي كلنا نجري وراء سراب الحداثة ونستعمل ما تنتجه من سلبيلات تقضي على فكرنا وعلى سدادنا وعلى ثقافتنا وروحنا فمن لم يسر فيبقى خارج السرب يغرد ولا يهتم به احد

  • MC
    الأربعاء 29 أكتوبر 2025 - 20:33

    إلى 2

    “لعلّ الكذب لا يكون كذباً إلا إذا كان على النفس”
    (Albert Camus)

    أستاذ بدر،

    أبهجني أن تكرارك لاقتباسيْ مارك توين وديزرائيلي جاء كإشارة رمزية إلى أن الحقيقة، مهما تكرّرت على الألسن، تبقى نادرة في الوجدان. فهي، كما قال توين، لا تحتاج إلى ذاكرة، لأنها لا تُخفي شيئًا، بينما الكذب يعيش على اجترار نفسه كظلٍّ يبحث عن ضوءٍ لا يجده.

    ذكّرني مقالك عن عودة ديكارت من المنفى العقلي بأن الفلسفة اليوم في امتحان عسير، إذ انقلبت المفاهيم حتى غدا من يقول الصدق غريبًا، ومن يُجمّل الوهم فيلسوفًا لـ«الترند». كأن العقل الذي أراده ديكارت مرآةً للوجود، صار أداةً لتزييف الوجود نفسه.

    ومع ذلك، لا يزال شيء في كلماتك يشبه تلك الشرارة القديمة التي جعلت سقراط يفضّل الكأس على الصمت، وجعلت ديكارت يقول: أنا أفكر إذن أنا موجود، رغم فوضى العالم من حوله. ربما كنا اليوم بحاجة إلى صيغة جديدة تلائم زمن الضجيج، تقول: أنا أبحث إذن أنا أعيش ، كما ختمتُ سابقًا.

    “لا يمكن أن يكون هناك حلّ سياسي لمشكلة إنسانية”
    (Albert Einstein)

    دام قلمك دليلاً على أن الفلسفة لا تموت، بل تحيا في قلوب من يجرؤون على السؤال.

    ALHOCEIMA

  • رضوان
    الجمعة 31 أكتوبر 2025 - 10:05

    حقا،ماجاء كتوصيف للوضع يعد تعبيرا صادقا عن حال الفكر في زماننا،هذا الزمن الذي طغى فيه الزيف والوهم والكذب والبهتان والسفاهة والتفاهة والضحالة بشكل غريب وعجيب وغير مسبوق…
    ربما يرجع السبب في ذلك إلى طغيان المادة وتسنمها درجات عالية في المجتمعات،فتقاطعات وتكاثفت وتمالئت تلك الصيغ منها لتنتج “التفاهة الأم”أو لتزكيها وتعتني بها دفاعا وهجوما وترافعا…
    هكذا صار يخيل إلى الجمهور أن الكذب والتفاهة انتصرا انتصارا ساحقا،ولم يعد للحقيقة والصح والوثوق أي مكان،بل أن هناك من أعلن دفنه وأن رفاته صارت رميما…ويتم ذلك بنوع من التسويغ السفسطي بأن التاريخ انتهى إلى هذه الحقيقة وهي الفكرة المطلقة المبحوث عنها منذ خرروج العقل من سجنه الوجودي وفرضه لخطته العقلانية في إطار التحقيب التاريخي ولعلمي للفكر البشري…
    لكن أنى لهذه الأوهام أن تصمد…ويبقى الرجوع إلى الحقيقة المرة هو الحل وأن كل ستر وتمويه وتسفيه ومداراة للسفاهة والميوعة بمختلف صوره لن يكون له مستقبل.

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية

صوت وصورة
احتفالات بالعيون
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:29 1

احتفالات بالعيون

صوت وصورة
هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 22:30 7

هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري

صوت وصورة
مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 21:41

مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم

صوت وصورة
فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 20:22 29

فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء