Evolutionary Secularism (العلمانية التطورية)…
لقد لاحظت من خلال مراجعتي لآراء الأستاذ يوسف زيدان حول العلمانية وموقفه منها في عالم المسلمين أنه يحصرها في دعوتها إلى اعتماد العلم منهاجا، وأنها بهذا المعنى لا تعارض الدين ولا داعي بالتالي لوجودها مادام الإسلام “كدين” لا يحجر على العلماء ولا يقتلهم. بلغ الأمر بالدكتور الفاضل أن يحصر المسألة في مثال أراه ساذجا جدا ومبتذلا إلى أقصى الحدود. يقول الرجل في إحدى حواراته على إحدى القنوات المصرية إن أحمد زويل لما عاد إلى مصر لم يعترض على وجوده (وعليه ككل) شيخ الأزهر، مما يعني أن الإسلام لا يضطهد العلم والعلماء. وعليه، مرة أخرى، يستنتج أنه لا داعي للعلمانية في عالمنا مادامت العلاقة بين الدين والعلم في الإسلام جيدة جدا. هل هناك مقاربة أكثر تبسيطية وشعبوية من هذه للعلمانية وعلاقتها بالدين كما أتت على لسان من يفترض فيه أنه كاتب موسوعي؟
هنا يهمل الأستاذ يوسف زيدان، إما عن حسن نية أو عن قصد، أن العلمانية بغض النظر عن كونها بالفعل “سلة علوم” كما يحب أن يصفها الكاتب الكبير سيد القمني، فهي منهاج في السياسة والاجتماع. منهاج في السياسة لأنها تفصل بين الدين والدولة وتحين سلطة ما يسمى برجال الدين وتلغي الكهنوت “المقدس” وتدخله في الشأن السياسي العام بحيث تكون الدولة محايدة لا دين لها باعتبارها كيانا مؤسسيا وليس هيأة من الأفراد الاعتباريين.
ومنهاج في الاجتماع لأنها تجعل العلاقات القائمة بين الناس مبنية على عقد اجتماعي مدني لا دخل للقيم الأخلاقية الدينية في تحديد معالمه أو اعتبارها المنطلق الأساس للتعامل مع الآخر.
العلمانية سيدي الفاضل أساسها علمنة المجتمع، بمعنى ليس فقط جعله كائنا غير “لاهوتي” في تعامله مع الآخرين، بل جعله يفهم أساسا أن التدين مسألة شخصية وأن العلاقة بين مختلف الأفراد تقوم على أساس المواطنة وليس الدين. العلاقة بين الإنسان والله (أيا كان إلاهه تبقى مسألة فردية وشخصية لا دخل للآخرين فيها)، والسؤال هنا هو “هل في عالمنا الإسلامي” تتوفر هذه الشروط من أجل بلوغ القدرة على الشروع في سيرورة حضارية أساسها المعرفة ومنتهاها ومبتغاها “الديمقراطية” (كثمرة وكنتيجة)؟
الكاتب الكبير “يوسف زيدان” يحاول أن يقنعنا بأن العلمانية ابنة بيئتها، وبأن العلمانية تم تجاوزها وأنه لا وجود لـ”علماني” واحد في أوروبا اليوم لأن العلمانية “عندهم”، والعهدة على زيدان، تعني “اللا-كنسية”. نحن نقول للكاتب الكبير إن العلمانية نظرية تتطور، وهو ما أسميهEvolutionary secularism ، أي “العلمانية التطورية”.
لست أعلم إن كان أحد قد قال بهذا المفهوم من قبل، فثقافتي ليست موسوعية بقدر موسوعية الكاتب العظيم ولكني أتبنى هذا المفهوم كما سأوضح للأستاذ زيدان ولمن يسانده الرأي في كون العلمانية “خيالا علميا” في عالمنا الإسلامي المتخلف.
العلمانية ليست فكرا ثابتا كما هو حال الفكر اللاهوتي. العلمانية سيرورة تتطور ودروس وعبر وارتقاء كل يوم نحو قيم أفضل للبشرية من خلال مقاربة “البشر” مقاربة علمية محضة في السعي نحو فهم طبيعتهم أكثر وحاجياتهم أكثر لعل طبائعهم تتوافق مع الحد الأدنى من “القوانين الجمعية” (العقد الاجتماعي) من حيث التنزيل القانوني “الجماعي-الاجتماعي-السياسي”.
العلمانية كما جسدتها أفكار وأفعال اليعاقبة و”اللا-مسرولين” في فرنسا فجر الثورة الفرنسية ليست حتما هي العلمانية التي تؤسس للمجتمع والسياسة في ألمانيا الحاضرة اليوم. فرق شاسع حتما وتعديلات وتنظيرات جديدة وتوجه اضطرادي بسرعات مختلفة إلى الأمام.
العلمانية فكر يطور نفسه كل يوم وينساق وراء، ويستفيد من، العلوم المتطورة لتطوير القدرة على فهم متطلبات الإنسان الفرد داخل الجماعة الإنسانية.
باختصار شديد سيد “يوسف زيدان” أستطيع أن أقول لك إن العلمانية هي تلك الحركة المتواصلة إلى الأمام لتحسين “جودة عيش الإنسان” وجعل “الإنسانية” هي المرجع الرئيس الذي يحكم البشر بعضهم ببعض. هذا هو الهدف الأسمى للعلمانية والعلم ليس هو العلمانية سيدي، بل، تحديدا، وقودها الذي تسير به.
ماذا حدث في أوروبا سيدي حتى تعلمنت وتطورت؟ لي اليقين التام أنك تعرف القصة ولكني لست أكتب لك وحدك، وحتى لو فعلت فأنا أفعل ذلك على سبيل التأسيس لبناء نظري نصل به معا درجا درجا إلى الأعلى نحو الحقيقة، ليس الحقيقة المطلقة، بل الحقيقة المفترضة. تلك الحقيقة التي أدعي أنها تقول إن العلمانية هي الحل في عالمنا الإسلامي المتخلف، بل وأقول (ولك أن تراجع كتاباتي السابقة من خلال رقن اسمي على غوغل) أن الإسلام دين علماني وهو بالمناسبة، سيدي، مشروع العمر في خضم مشروع أكبر اسمه التأسيس لإصلاح ديني شامل في عالمنا الإسلامي المتقهقر. ماذا حدث في أوروبا؟
واهم من يعتقد أن “النهضة الأوروبية” بدأت عشية الثورتين الصناعية في إنجلترا والفكرية في فرنسا. البداية كانت قبل عقود من ذلك الزمان، بل قبل أربعة قرون على الأقل. الكلام هنا ليس عن ما نقله الأوروبيون من فكر ابن رشد الذي ينفي حصوله الأستاذ زيدان (ولكن هذا موضوع آخر)، بل إني أقول إن البداية لا علاقة لها بالفلسفة أساسا، وليست البداية فقط، بل إن انعدام تلك العلاقة استمر طيلة نصف المدة الفاصلة بين القرنين الرابع عشر والتاسع عشر، ربما قرنان ونصف. ماذا حصل من 1300 إلى 1550 أو 1600 على أبعد تقدير؟
صحيح أن الطباعة لن تسهل مهمة “نسخ الكتب” إلا بحلول القرن الخامس عشر، إلا أن القرن الرابع عشر شهد بزوغ فجر الأدب. كان الشعر حينها هو المسيطر على المشهد الأدبي في أوروبا من خلال مؤلفات أشهر كاتب قبل شكسبير “جيوفري شوسير”. هذا الأخير الذي كان يلقب بـ”شاعر إنجلترا” في النصف الثاني من القرن الرابع عشر، كان قد بدأ في زعزعة يقينيات “المؤمن المسيحي العادي” المغلوب على أمره، كانت تلك مخاطرة حذرة.
لم يؤلف الرجل كثيرا، ورصيده لا يتجاوز ثلاثة كتب هي الأهم تم جمعها من طرف دار نشر مؤسسة بينغوين في مجموعة كاملة تحت عنوان “حكايات شوسير”. لم تكن الحكايات كلها شعرا حتما وربما يكون شوسير هو بداية نهاية الشعر وتنازله للنثر عن عرش الريادة الأدبية. بالنهاية، سواء كان ذلك بالشعر أم بالنثر، فإن مرحلة التنوير قد بدأت وإشراقة الفكر الإنساني قد بزغت… وهو ما نواصل الخوض فيه في الجزء الثالث من هذا المقال…
Merci Abdel karim pour cebel article. Je pense qu'il temps de déconstruire le langage de la théologie dogmatique qui empêche le monde musulman à intégrer la laicité. Par exemple, le terme de Naql inventé par la dogmatique n'est pas un concept, ni une notion qui nous permet de comprendre la pensée religieuse. Le terme de Naql, suppose qu'il y a un original qu'il suffit que de recopier ou de transmettre tel quel à travers le temps. Or ce terme ne nous permet pas de questionner la faculté humaine à l'origine de la révèlation. C'est pour cela qu'ibn sina et ibn arabi , utilise le terme de Alwahy, car Alwahy comme inspiration se définit par sa nature symbolique d'expression. En définissant sa nature et son mode de penser par image, cela a permis à ibn sina de retrouver la faculté psychique à l'origine de Alwahy qu'il appelle la faculté imaginative.
نرجو من الكاتب أن يتحدث عن العلمانية بالاعتماد على مصادر الذين قتلوها بحثا ونقدا، أما الكلام المرسل فيتقنه جميع الناس…
نقبل كلامك كتعبير عن معتقدات وأماني خاصة لكننا في حاجة إلى تفكير نقدي واستدلالي مبني على معطيات حقيقية ومصادر علمية موثوقة…
أما الحكواتي يوسف زيدان فمعروف أنه يلقي فقاعات لإلهاء الشعوب أو للتنفيس عنها في عالم الخيار…