لَيْسَ غريبًا أن ينشغلَ المواطنُ هذه الأيّام بالحَمْلة الانتخابية؛ فقد تَصدّر الزُّعماءُ الوَاجهات، واحتلّ المرشّحُون المواقع والمنابر، حتَّى ازْدَحَمت العُيون بالوُجوه والآذان بِالوُعُود. تتبدَّل الأسماء واللاّفتات، لكن العبارات تتكرّر والنبرة لا تتغيّر؛ وجوهٌ تتكاثر في الصورة، وصوتٌ واحدٌ يتردّد في الخَلفية.
ما إن تقترب الانتخابات حتّى تَنفضَ الأحزاب الغُبار عن القاعات والمنصّات ومكبّرات الصَّوْت، وتستخرج من خزائنها قاموس العطف على المواطن. فجأة، يتربّع المواطن في “صميم الاهتمام”، وتصعد القرية المنسيّة إلى مقام “الأولوية الاستراتيجية”، ويكتشف المترشّح، بحدس انتخابي الطريق إلى حيّ ظلّ سنوات خارج خرائطه وضميره. تشتعل الحماسة، وتتكاثر الابتسامات حتى يَبْدُوَ المشهد كأنّ البلاد دخلت عصر الرخاء ولم يبقَ لها سوى اختيار لون الازدهار.
ثمَّ يعتلي الخطيبُ المنصّة، يحمل في جيبه مستقبلاً كاملاً صاغه على مقاس المناسبة، ويوزّعه على الحاضرين في أقلّ من ساعة: مستشفيات من غير تأخُّر في منحِ المواعيد، ومدارس من غير اكتظاظ، وشباب بلا بطالة، وإدارة تستقبل المواطن كما لو أنّه مواطن فعلاً. تنهمرُ الوُعود بغزارة حتى يخشى المرء أن يغرق الوطن في النَّعيم، ولا يطلب المترشّح في المقابل سوى خدمة صغيرة لا تكلّف غير ورقة: أن يمنحَهُ النّاس أصواتَهم، ويمنَحهُم هُو فُرصة جديدة لتصديق الكلام القَديم.
من سَماء التّمنيات إلى أرض المحاسبة
لِيَعْذُرنا رَجُل السّياسة، وليعذُرنا المترشحون والمترشحات؛ فنحن لا نكتب هذا الحديث رغبة في تبخيس العمل السياسي، ولا نطالب أحداً بأن يحمل عصاً سحرية في جيْبه، وإنما نرجو أن يرفع الجميع قليلاً سَقْف الاجتهاد في صياغة الوُعود، وأن يهبطوا من سماء التمنيات الرحبة إلى أرض الأرقام والآجال والوسائل؛ فالاستعارة لا تُعبّد طريقاً، والنَّوايا الحسنة لا تُجهّز مستشفى، وحَرارة الخطاب لا تُدفئ مدرسة من غير نوافذ.
لقد تعِبَ المواطن من أفعال المستقبل التي تَبدأ بـ “سننهض” و”سنطوّر” و “سنَضعُ المواطن في صُلْب الأولويّات”، ثم تفقد صلاحيتها لحظة إعلان النتائج؛ إنه لا يريد مزيداً من الأفعال التي تظلّ معلّقة في الهواء، وإنما يريد فاعلاً يحملُ اسماً، وميزانية تقبل الحساب، وموعداً لا يهربُ كلَّما اقترب، وآلية تحاسب المقصّر قبل أن يستعدّ لخطاب انتخابي جديد. فالوطن لا تنقصه الوُعود بقدر ما تنقصه إجابات لا ترتجف أمام الأرقام، ومسؤولون يُدركون أن المواطن لم يعُد يصفّق لمن يرسم له سُلّماً إلى المستقبل، ثم يأخذ السُّلّم معه فوْرَ وُصوله إلى المقعد.
عرضٌ مَوْسمي يبحث عن عَقْد سياسي
تتبّعتُ هذه الأيّام الخُطب والكلمات، فوجَدتُها تتشابه حتى خُيّل إليَّ أن الأحزاب تستأجر الكاتبَ نفسه، أو تتبادل نصّاً واحداً مع تغيير لون الغلاف. اليمين يتحدّث عن الكرامة والعَدالة، واليسَار يتحدّث عن العدالة والكرامة، والوسط يضيف إليهما كلمة «التّوازن» حتى يُحافظ على موقعه في المنتصف. يا لها من مُصادفة مدهشة! ويا لها من غرابة تدفعنا إلى التساؤل: إذا كانت البرامج مُتشابهة إلى هذا الحدّ، فلماذا كُلُّ هذه الأحزاب؟ أكان اختلاف ألوان الشعارات يحتاج إلى كل هذه المقرّات والمؤتمرات؟
في كلِّ تجمُّع انتخابي، يُعلن المتحدث أن حزبه “يحملُ مشروعاً مجتمعياً مُتكاملاً”، غير أنَّ هذا المشروع يفقد أجزاءه كلما طلبنا تفصيلاً صغيراً. نسألُ عن التعليم، فيُجيبُنا عن الأمل. نسأل عن الصحة، فيحدّثنا عن الإرادة. نسأل عن فرص الشغل، فيشرح لنا أهمية الشباب. نسأل عن التّمويل، فيبتسم بثقة ويؤكد أنّ “الإمكانات موجودة”. أين توجد؟ هنا تبدأ منطقة الصمت الاستراتيجي.
أما المنصّات، فلها طقوسها الراسخة: تصفيق طويل، وعبارات حماسية، ووجوه تهزّ رؤوسها في انسجام، وصفوف أولى تتقن فنّ الإعجاب في اللحظة المناسبة. إذا ذكر الخطيب المرأة، صفّق الجميع. وإذا ذكر الشباب، ارتفع التصفيق. وإذا ذكر الفلاح والعامل والأستاذ والطبيب، كاد السقف يسقط من شدّة الوفاء لجميع الفئات.
وحين ينتهي اللقاء، يعود كل واحد إلى مشكلاته القديمة، بينما تغادر الوعود القاعة في سيارة مُكَيّفة. لا يحتاج المواطن إلى مهرجان لغوي جديد، ولا إلى قاموس آخر من العبارات المطّاطة. يحتاج إلى مُرشح يقول له بوضوح: هذه ثلاث مشكلات ألتزم بمعالجتها، وهذه الموارد التي سأعتمدها، وهذه المدة التي أحتاج إليها، وهذا ما سأفعله إذا أخفقت. عندئذ يتحوَّل الخطاب من عرض موسمي إلى عقد سياسي، ويتحوّل التصفيق من مجاملة عابرة إلى ثِقَة تستندُ إلى أسْباب معقولة.
ارفعُوا سقْفَ الدِّقّة واخْفِضُوا مَنْسُوب الإنشَاء
لذلك، ليعذُرنا أهل السِّياسة مرّة أخرى؛ فنحنُ لا نطالبهم بأن يشُقّوا البحْر بعِصِيّهم، ولا ننتظر منهم أن يُخرجوا مفاتيح الفردوس من حقائبهم الانتخابية، يكفينا أن يُخرجوا منها برنامجاً لا يخجل من الآلة الحاسبة. نريد كلاماً يحترم عُقول الناس، ووعوداً تحمل أرقاماً وآجالاً، أيْ برنامَجا يعرفُ الطريق من المنصّة إلى الواقع من غير أن يضيع عند أول مُنْعطف بَعْدَ الصُّندوق. ارفعوا سقفَ الدقّة، واخْفِضُوا منسوبَ الكلام الإنشائي؛ فقد سَئِمَ المواطنُ وُعودًا بمُستقبلٍ لا يلمعُ إلاَّ فَوقَ المنابر.
لذلك، إنْ أردتُم أصْواتاً حقيقيةً، فقدّمُوا خُطَطاً حقيقية؛ فالمواطن يعرفُ جيِّداً الطَّريق إلى صُندوق الاقتراع، وينتَظرُ منكُمْ أن تعرفُوا الطَّريق من الصّندوق إلى الوَفَاء.
لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.
في الحقيقة و بكل صراحة لا أرى اي صدى للانتخابات في الشارع العام….!!
على الاقل في المدن الكبرى !!
لان المغاربة و رغم الصورة النمطية الفوقية التي تكونت عنذ صناع القرار …تأكدوا من خلال ما تناقلته وسائط الاخبار ان لا شئ تغير و ان العملية محسومة مسبقا منطقيا لان التصويت في الاخير ستقوم به الكتلة الناخبة المنتمية للاحزاب مع وجود نوع من الانتكاسة في النية بالمشاركة !!
حينما يصبح التنقاز لدى أشخاص بالغين لعبة سياسية و يصبح كلام ثالث رجل في هرم سلطة دولة ” المسرب” نوعا من الديمقراطية” و لا نية لفتح الباب امام مكونات جيل زيد رغم ان جيلها هو الذي يهيمن على الفئات العمرية فلا أرى ان هناك ما يبعث على الأمل…لان الاحزاب ماتت!!
صوتُ الناس لا يُستعار بالشعارات، وإنما يُكتسب بالثقة. وحين تكون الخطط حقيقية، قابلةً للتنفيذ وملامسةً لواقع الناس، تأتي الأصوات من تلقاء نفسها. أمّا الوعود التي لا تسندها رؤية، فمهما علت نبرتها، يبقى صداها فارغاً.
شكرا أستاذنا عبد الفتاح
نفس الوجوه،نفس الوعود و نفس السيناريو الزمن يتغير و دار لقمان على حالها. الأمر محسوم و لا داعي لتكرار المسرحية فالممثلون و المخرج واحد .
شكرا للكاتب هدا هو حال الأمة المنافقة لم نكن نعرف النفاق و لا الكراهية خصوصا في البوادي التي كانت تنعم بالاحترام و التعاون و تلاحم حتى تسلط علينا هدا الفيروس الدي يحصد اليابيس و الاخطر عندما تقترب الانتخابات يأتي الشيطان بكل انواع الوجوه لم نكن نعرفها . السؤال هل نستحق هده المعاملة كل المغاربة و حتى امير البلاد حفظه الله لم تحترمه هده الطباقة الفاسدة التي تاكل اليابس و الاخطر اتمنى من امير البلاد ان يسحب كل هده الاحزاب عن مسؤولية الوطن