سؤال الحكامة في التدبير؟

سؤال الحكامة في التدبير؟
الإثنين 12 غشت 2024 - 08:37

ليس صدفة أن يتضمن الخطاب الملكي الأخير الموجّه للأمة المغربية بمناسبة الذكرى 25 لعيد العرش الإشارة القوية إلى أنّ “(…) التحديات التي تواجه بلادنا، تحتاج إلى المزيد من الجهد واليقظة، وإبداع الحلول، والحكامة في التدبير (…)”.

إن الدعوة الملكية المباشرة والصريحة إلى الحكامة في التدبير باعتبارها آلية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية على المستويين الوطني والترابي، تسائل جميع مدبّري الشأن العام الوطني والترابي.

وفي هذا الصدد، أعتقد أنّه لا بأس أن نطرح، والقصد نحن جميعا فاعلين اقتصاديين واجتماعيين وباحثين وإعلاميين، بعض الأسئلة المستفزة لأنّ الإجابات الصريحة عنها هي السبيل للتقدم إلى الأمام، ومنها:

ألا تعني الإشارة الملكية أنّ ضعف الحكامة في التدبير مازال يطال بعض القطاعات؟ ألا يرجع السبب الرئيسي لتعثر العديد من الأوراش التنموية بل لهدر زمن التنمية في بلادنا إلى ضعف الحكامة في التدبير؟

أليس القول بضعف الحكامة في التدبير هو مرادف للقول بسوء التدبير؟

في تقديري، إنّ المشكلة الحقيقية في بلدنا العزيز ليست في القوانين، فنحن نملك دستورا متقدما جدا مقارنة بسابقيه، ونتوفر على ثلاثة قوانين تنظيمية للجماعات الترابية متقدمة مقارنة بما سبقها من قوانين تنظم شؤون هذه الوحدات الترابية وقد حان الوقت للقيام بتعديلات جوهرية لها. ونحن نتوفر على نموذج تنموي جديد، وعلى ميثاق لعدم التمركز الإداري، وميثاق جديد للاستثمار (…).

إنّ مشكلتنا في: سوء التدبير (la mauvaise gestion). وسأوضح ذلك في ما يأتي من سطور.

قال ” بيتر دركار” (Peter Drucker) (1909/2005) وقد كان أستاذا ومستشارا في أمريكا في تدبير المقاولات. وكان منظّرا وكاتبا في علم الإدارة وصحافيا. قال ما مضمونه: لا يوجد بلدان متخلفة، لا يوجد سوى بلدان تسيئ التدبير.

” Il n’y a pas de pays sous- développés, il n’y a que des pays sous – gérés “.

أوّلا، دعنا نستحضر المعنى الواضح والبسيط للتدبير وهو: العقلنة والترشيد. وهو علم وفن. وهناك الحديث النبوي الشريف: “التدبير نصف المعيشة”.

وأقترح أن نتأمل في قولة “بيتر دركار” في ضوء واقعنا المرئي بالعين المجردة. وللقيام بهذه العملية التأملية سنستند إلى الوقائع الملموسة.

– أولها: واقع الجهوية المتقدمة: باستثناء التقدم الملحوظ الذي نعاينه ويعاينه ممثلو البلدان الصديقة للمغرب في الصحراء المغربية فإن قطار التنمية الجهوية مازال متأخرا في باقي تراب بلادنا، بدليل أن التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية مازالت قائمة بين الجهات، ومازالت مستويات الفقر والبطالة والهجرة مرتفعة، وذلك على الرغم من كل الجهود المحترمة التي بذلتها وتبذلها الدولة منذ الخطاب السامي لملك البلاد المؤرخ في 30 يوليوز 2015 والذي قال فيه:

“(…) ورغم التطور الذي حققته بلادنا، فإن ما يحزّ في نفسي، تلك الأوضاع الصعبة التي يعيشها بعض المواطنين في المناطق البعيدة والمعزولة، خاصة بقمم الأطلس والريف، والمناطق الصحراوية والجافة والواحات وبعض القرى في السهول والسواحل (…)”.

كما ذكّر الخطاب الملكي ذاته، بضرورة التوازن والتكامل بين مناطق كل جهة وبين مدنها وقراها بما يساهم في الحد من الهجرة إلى المدن.

– ثانيها: ضعف الإلتقائية، والقصد الإلتقائية بين الفاعلين المعنيين بدراسات وإنجاز المشاريع التنموية للنهوض بالتنمية المندمجة والمستدامة، وهو أحد أسباب تعثر الجهوية المتقدمة في بلدنا. وقد كان من المفروض القطع مع العقلية القطاعية منذ الخطاب الملكي الصادر في التاريخ أعلاه (2015).

– ثالثها: ضعف الصيانة أو انعدامها في بعض الحالات. والقصد صيانة المشاريع المنجزة من طرق وقناطر وسدود (…) والتي تطلبت ميزانيات ضخمة لدراساتها ولإنجازاتها سواء تعلق الأمر بالمستوى الوطني أو الترابي.

– رابعها: يكفي أن يقوم كل منّا بجولة في بعض الأحياء في المدن الكبرى والمتوسطة والصغرى ليعاين عمليات حفر الطرق المنجزة والمسلّمة تسليما نهائيا للإدارات المعنية بها. ويتعلق هذا الحفر إمّا بإنجاز قنوات جديدة لكابلات الاتصالات الهاتفية أو لإنجاز قنوات الماء أو قنوات الصرف الصحي.

ما معنى التسليم النهائي للأشغال لجماعة ترابية ما؟

معناه، أنه بعد التسليم المؤقت لأشغال البناء أو الطرقات أو الصرف الصحي أو قنوات الماء الصالح للشرب أو الإنارة (…) تقوم المقاولات التي أنجزت هذه الأشغال بتطبيق مضامين محضر التسليم المؤقت والقصد القيام بالتغييرات وإصلاح الأعطاب الناجمة عن تساقط الأمطار في حالة الطرق، وإصلاح كل ما توصي به اللجنة المعيّنة من طرف الإدارات المعنية بالمشروع أو المشاريع والتي يوقّع أعضاؤها على هذا المحضر.

وبعد انتهاء المدة المحددة قانونيا لذلك، تجتمع اللجنة ذاتها وتخرج لعين المكان لتعاين أوراش الأشغال وتقف عند مدى تنفيذ المقاولات لتوصياتها. وبعد التأكد من صحة ذلك بحضور ممثلي المقاولات والإدارات المعنية، يتم إعداد محضر نهائي لذلك يوقّعه أعضاء اللجنة الرسمية التي أقرت بالتسليم النهائي للأشغال، تسلّم نسخة منه في حينه إلى الجماعة الترابية أو الإدارة المعنية.

ولذلك، فإن كل ما يحصل بعد ذلك من تدمير للطرقات وإعادة للأشغال (…) لا تفسير له إلاّ سوء التدبير، إن لم يكن ضربا من ضروب الفساد الإداري والمالي.

كيف ذلك؟

بتركيزنا على المستوى الترابي، تنص القوانين التنظيمية الثلاثة للجماعات الترابية والمراسيم المتعلقة بها على إلزامية إعداد مخططات تنميتها: برنامج التنمية الجهوية بالنسبة للجهات؛ برنامج التنمية الاجتماعية بالنسبة للعمالات والأقاليم، برنامج عمل الجماعة بالنسبة للجماعات.

وينص كل من هذه القوانين التنظيمية على أن تمدّ الإدارة والجماعات الترابية الأخرى والمؤسسات العمومية والمقاولات العمومية، الجهة أو العمالة أو الإقليم أو الجماعة بالوثائق المتوفرة المتعلقة بمشاريع التجهيز المراد إنجازها بتراب الجماعة الترابية المعنية.

لماذا؟ الجواب: لتحقيق الإلتقائية ولكي لا يهدر المال العام. ولا يتم تدمير البنيات التحتية التي تطلب إنجازها أموالا طائلة. ويتم تشويه المنظر العام وجمالية المدن.

وحتى لا نقف عند “ويل للمصلين”، نتساءل: ما العمل؟

أعتقد أن العديد من المفاتيح العملية التي تمكّن من جودة التدبير متوفرة لدينا، سأقف بعجالة عند ستة منها.

المفتاح الأول: الدستور

نتوفر على دستور متقدم مقارنة بسابقيه. يتضمن مقتضيات قانونية سامية تمكّن من التدبير الجيد للشأن العام الوطني والترابي ومنها: تنصيصه على مجموعة من المؤسسات المخوّل لها مهام الرقابة والمراقبة الإدارية والمالية والسياسية والحقوقية.

ومن المفروض الآن تفعيل المقتضيات الدستورية.

المفتاح الثاني: القوانين التنظيمية للجماعات الترابية

وهي تنص على المقتضيات القانونية والآليات والمساطر والكيفيات التي يتعيّن تطبيقها لتجويد تدبير الشأن العام الترابي. وقد صدرت مجموعة من المراسيم والمناشير والدوريات ومازالت تصدر التي تشرح هذه القوانين التنظيمية. والغاية من ذلك، الرفع من مستويات أداء الجماعات الترابية لشؤونها الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية.

المفتاح الثالث: الاستعانة والاستفادة من الهيئات الرقابية

تتوفر إدارات الجماعات الترابية على فرص ثمينة إن هي نظرت إليها بعين إيجابية. والقصد الزيارات التي تقوم بها المجالس الجهوية للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية. كيف ذلك؟

إن غاية المشرّع المغربي من التنصيص الدستوري على هذه الهيئات هو تحقيق أمرين: 1- تقويم الاختلالات والنقائص لتجويد تدبير الشأن العام الوطني والترابي. 2- محاربة الفساد الإداري والمالي.

ويمكّن الاطلاع على محاضر وتقارير هذه الهيئات من إدراك مدى أهمية التوصيات والملاحظات التي تتضمنها لتجويد تدبير الشأن العام. ولا تلجأ هذه الهيئات إلى المساطر القضائية الزجرية إلا عند الاقتضاء.

المفتاح الرابع: ضرورة الإنصات للكفاءات

والقصد الإنصات والحوار مع الكفاءات في مختلف المؤسسات المعنية بعمليات التنمية وطنيا وترابيا. إنّ الإنصات والحوار هو الخطوة الأولى لتحقيق التواصل الداخلي الذي هو ركن هام جدا من أركان التدبير الجيد.

المفتاح الخامس: المجتمع المدني

نحن في حاجة إلى تفعيل المقتضيات القانونية التي تمكّن جمعيات المجتمع المدني والمواطنين والمواطنات من أداء الأدوار المنوطة بهم دستوريا لتجويد التدبير العمومي.

المفتاح السادس: ربط المسؤولية بالمحاسبة

وهو مبدأ دستوري، أصبح تطبيقه بصرامة ضرورة مجتمعية ملحة لردع الفاسدين.

مجمل القول:

لقد حذّر السيد عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، في تقريره الأخير، الذي قدّمه أمام ملك البلاد، حول الوضعية الاقتصادية والمالية برسم سنة 2023، من استمرار استفحال الرشوة على مستوى عدد من المجالات، وقال إنّ من شأن ذلك أن يتسبّب في تباطؤ تنفيذ الإصلاحات والأوراش الكبرى إذا لم يتم الحد منها.

إن هذا التقرير يدق ناقوس الخطر لأنّ الفساد ينخر جسم الاقتصاد والمجتمع.

ولا شك أن استعداداتنا لتنظيم كأس العالم في 2030، وقبله احتضان كأس إفريقيا في نهاية السنة المقبلة، وضرورات التنمية الترابية والوطنية، وتحديات العولمة الجارفة التي لن تنتهي في القريب المنظور. هي وغيرها من التحديات والرهانات، تفرض ليس فقط تغيير عقليات ونمط تدبير الشأن العام على المستويين الوطني والترابي. ولكن، تفرض اليوم أكثر من أي وقت مضى اتخاذ جميع التدابير القانونية والإدارية الصارمة لمحاربة الفساد والرشوة التي مازالت مستفحلة في بعض الإدارات على الرغم من كل الجهود التي تبذلها الدولة ودور الإعلام وجمعيات المجتمع المدني في الكشف عن مظاهرها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أوزين والمؤشر الاجتماعي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:50 1

أوزين والمؤشر الاجتماعي

صوت وصورة
بركة يحذر من العزوف الانتخابي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:30 4

بركة يحذر من العزوف الانتخابي

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد أوزين
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:02 1

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد أوزين

صوت وصورة
حريق وسط حي سكني بمراكش
السبت 19 شتنبر 2026 - 20:30 2

حريق وسط حي سكني بمراكش

صوت وصورة
البواري وتسريع إنجاز مشاريع الماء
السبت 19 شتنبر 2026 - 20:08 2

البواري وتسريع إنجاز مشاريع الماء

صوت وصورة
إصلاح المركز الصحي يدفعني لدعم "الأحرار"
السبت 19 شتنبر 2026 - 20:00

إصلاح المركز الصحي يدفعني لدعم "الأحرار"