طواف فرنسا للدراجات

طواف فرنسا للدراجات
السبت 25 يوليوز 2026 - 00:30

طواف فرنسا للدراجات: صور حقيقية أم من صنع الذكاء الاصطناعي؟

تتوالى مراحل طواف فرنسا للدراجات، وأظل أفتش بين الصور المبثوثة عبر شاشة التلفاز عن نقطة تشابه بين بلداتهم وبلداتنا، فلا أعثر على شيء. طرقٌ كأنها مرسومة بأقلام التلوين، وحقول شاسعة تعيدني إلى تلك المشاهد التي كانت تأسر خيالنا ونحن نتابع الرسوم المتحركة أيام الدراسة.

كانت أيامًا نعود فيها إلى البيت بكل شغف لمشاهدة حلقات “الكابتن ماجد” و”بيل وسيباستيان” و”السنافر”. نستمتع بما يقدمه المطعم المدرسي، ويبقى طعمه يغازل ذاكرتنا، ولا يخفف أثره إلا الخبز وزيت الزيتون، أو كأس شاي إن كُتب له أن ينجو من وجبة الغداء.

كان الخيال يعانق الواقع، فنحتار أيهما نصدق. كانت مخيلتنا تمتطي صهوة الأحلام، فتسافر بنا إلى أماكن بعيدة، فنرتعد بردًا ونحن في عز الحر. واليوم، وأنا أتابع الطواف، يعود إليّ السؤال نفسه: أحقًّا ما نشاهده صور حقيقية؟ أم أن يد الإنسان تدخلت فزيّنت لنا واقعًا لا يشبه الواقع؟

منذ الأيام الأولى للسباق، وأنا أحرص على أن تلتقط عيناي لافتة كُتب عليها: “بيع وترييش الدجاج”، أو “لتنظيف المسابح اتصل بـ…”، أو “محلات للكراء”، أو إعلانًا ركيك الصياغة تنفر منه أذن من يعرف أبسط قواعد الإملاء والنحو.

لكنني لم أعثر على شيء من ذلك. لم تقع عيناي على مكب للنفايات، ولا على سياجات شوكية تزينها الأكياس البلاستيكية، ولا على مشاهد الفوضى التي ألفناها حتى صارت جزءًا من المشهد اليومي.

أدمنت متابعة الطواف، رغم أنني لست من هواة هذه الرياضة. وأعترف بأنني بدأت مشاهدته لغرضين اثنين:

أن أستمتع بالمناظر الخلابة، وكأنني أقف أمام لوحة زيتية من القرون الماضية، لا تذكرني بعصرنا إلا السيارات، واللوحات الإشهارية، وأزيز المروحية التي تحلق في السماء لتلتقط صورًا بانورامية تبرز جمال المكان.

وأن أعثر على نقاط تشابه بين بوادينا وبواديهم.

تحقق الدافع الأول، أما الثاني فقد انتهى بخيبة أمل.

حينها اكتشفت أن ما يردده بعض الفرنسيين في محلات الصناعة التقليدية، ويُتداول على نطاق واسع، ليس في كثير من الأحيان إلا مجاملة لطيفة. كنت أصدق عبارة: “بلدكم جميل.” وربما كانوا يبتلعون تتمة الجملة حياءً: “لا ينقصه سوى أن يُخدم بكل جدية.”

ظلَلْنا نجتر الماضي، ونعزف على وتر الإعجاب بالمجاملات، بدل أن نستفيق. غصنا في بحر الكلام المعسول حتى لا نصطدم بالحقيقة المرة، ونكتشف أن ما قيل لنا لم يكن سوى مجاملة عابرة.

وفي غفوة، استسلمت للحلم، وأقنعت نفسي بأن ما تبثه الشاشة ليس إلا خدعة بصرية. لكن الحقيقة وضعت يدها على كتفي وقالت بحزم:

“استفق يا رجل. كفاك أوهامًا وخرافات. ما تراه حقيقة. ففي مثل هذه البلدان لا يضطر أحد إلى رفع صوته لقضاء مصلحة، ولا يحتاج إلى تجاوز القانون، لأن الجميع سواسية أمامه.”

نهزم في مباراة لكرة القدم تدوم تسعين دقيقة، فترتفع الأصوات مطالبة برد الاعتبار، والانتقام الرياضي، ورص الصفوف. لكن قلّما نسمع من يسأل: لماذا هُزمنا في تصميم مدننا؟ لماذا هُزمنا في نظافة طرقاتنا وأزقتنا؟ لماذا هُزمنا في الحفاظ على مآثرنا التاريخية التي تعبث بها أيادٍ لا ترى فيها سوى مصدر للربح؟ لماذا لا نستنكر العشوائية في التعمير، وأكوام النفايات المنتشرة على جنبات الطرقات، بالحرارة نفسها التي نستنكر بها هزيمة في مباراة؟

أما آن الأوان أن نتوقف قليلًا، ونتخلى عن أنانيتنا، ونواجه الواقع كما هو؟ نلوم الآخر، وننسى أن الآخر هو نحن.

استحضرت حينها مقولة جان بول سارتر: “الآخر هو أنا الذي ليس أنا.” لكنني أجد أن طريق الإصلاح يبدأ حين نؤمن، عمليًا، بأن الآخر هو امتداد لنا، وأن مسؤولية التغيير لا تقع على عاتق شخص مجهول، بل تبدأ من كل واحد منا. عندها فقط سنجد حلولًا للمعضلات التي نتخبط فيها، ولن نبحث كل مرة عن شماعة نعلّق عليها فشلنا.

ولأن الحلم مشروع، ولا يخضع للرقابة، فسأظل أحلم بذلك اليوم الذي يبهر فيه طواف المغرب للدراجات فرنسيًا كما أبهرني طواف فرنسا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • عابر
    الأحد 26 يوليوز 2026 - 00:19

    اللهم تماما …. لا هواية لي ولا غواية بسباق الدراجات ولا ركوبها …. ولكن أعشق هذا الطواف لنفس مايدفعك لمتابعه….. اتفق معك على اغلب ماجاء في منشورك ..لكن لاتنس أن هذه التظاهرة هي بالدرجة الأولى تسويقية للبلد وما يزخر به من طبيعة وحضارة ضاربة في التاريخ!!! لهذا يعمل المشرفون على التصوير والاخراج ألا تظهر ولو سلبية واحدة في اللقطات….عن بعد ،لا يمكن لك إلا أن ترى كل ما هو جميل، لكن عندما تختلط الناس وتعيش المكان بجزئياته …. تتغير النظرة والفكرة…. لكل بلد كما لكل انسان نواقضه ، كما له ايجابيات…. لكن تتفاوت الدرجات من هنا الى هناك، ومن هذا الى ذاك

  • MMMMMMMMM
    الأحد 26 يوليوز 2026 - 10:20

    Comment reconnaît-on un pays développé? Les campagnes y sont plus propres que les villes

صوت وصورة
الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 22:12 1

الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط

صوت وصورة
قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:50

قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف

صوت وصورة
مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:33 2

مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:02 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 4

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور