عادل الزبيري في العرفان

عادل الزبيري في العرفان
الثلاثاء 19 أبريل 2016 - 08:32

أثارتني رواية “زمن العرفان” ، للكاتب الصحافي عادل الزبيري، بما رصدته للحياة الطلابية، أثناء مرحلة الدراسة الجامعية.

والعرفان اسم المدينة الجامعية في الرباط، عاصمة المغرب. ففي هذه المدينة تزدحم الآمال، وتنمو الطموحات الشخصية والعلمية، وفرصة لتحقيق إحدى الخطوات الهامة في رسم تلك الطموحات.

في مدينة العرفان الجامعية، تتفتح شخصية الطلبة على عوالم جديدة، ويتكيفون مع أوضاع جديدة، لم تكن مألوفة من قبل، خاصة عند الطلبة الآفاقيين – من الأفق – كما كانوا يسمون أو يوصفون، في زمن القرويين القديم، أو طلبة الأقاليم في مصطلحنا الحديث.

ومن المعلوم أن كل طلبة الحي السكني، في مدينة العرفان هم من الأقاليم، وهناك يتم التعرف على مختلف العادات والتقاليد المحلية، لتلك الأقاليم، كما يتم التأكد من القواسم المشتركة، التي تلحم الشخصية الثقافية، لجميع المغاربة.

وعلى الرغم من أنني لست ناقدا أدبيا بالمعنى المتداول، في الساحة الأدبية، فإن الصحافي عادل الزبيري، جعلني أنساق وراء صور العرفان بحلوها ومرها؛ فأحببت أن أعرض على القارئ، بعض سردياته وانطباعاته، عن “زمن العرفان”، أولى إبداعاته الأدبية، التي تخلد فترة دراسته بمدينة العرفان في “المعهد العالي للإعلام والاتصال” ما بين سنتي 2000 و 2004.

ومنذ البداية، يصف عادل الزبيري تجربته الأدبية هذه، بأنها “نتاج مخاض التحول من تلميذ للعلوم التجريبية، في مدينة طنجة، إلى طالب يدرس الإعلام، في العاصمة” ص 5.

وقرر عادل أن لا يكتفي بسرد تجربة سفره، من مرحلة التلميذ في طنجة، إلى مرحلة الطالب الجامعي، في العاصمة الرباط، بل قرر أن يبلغ القراء أن أصل تحقيق الهدف المنشود هو الحلم، “فقبل أن أكون صحافيا حلمت بأن أكون صحافيا”، على الرغم من دراستي العلمية في التعليم الثانوي، التي تسمح لي باختيار إحدى التخصصات العلمية. ص 6.

ويعرف لنا عادل الصحافي الروائي الطالب الصحافي، بقوله “هو الدارس لمعارف تؤدي إلى صقل كل طالب وطالبة ليتحول إلى صحافي، يعرف كيفية ترتيب الأخبار وتقديمها للناس، وقادر على تطويع اللغة لمخاطبة الناس، سواء بالصوت أو بالصورة أو بالنص”.ص 9

ويقدم لنا بعد ذلك، “في هذا السفر عبر “زمن العرفان”، معالم من الحياة الجانبية للطالب الصحافي، خارج صفوف الدراسة، ما بين المركب الجامعي، وما بين الأحياء الجامعية، وما بين بعض من مقاهي الرباط، ولقاءات ليل العاصمة” ص 6. فما هي صور هذا السفر في “زمن العرفان”؟

– نكتشف في “،زمن العرفان” المركب الجامعي (مجمع تجاري)، لتقديم الخدمات لرواده من الطلبة، ولو بثمن زائد عن متاجر ومحلات العاصمة الأخرى، قبل أن يقول: “ما كان يستفزني يوميا، أن جمهور زبناء المركب الجامعي التجاري، كان من الفتيات، خاصة من كن يمارسن التغنج والدلال على المكشوف” ص 19.

– ويأخذنا معه عبر صفحات11 إلى 17، ليخبرنا غن بائعات الهوى، من بعض الطالبات الجامعيات، قاطنات الحي الجامعي في مدينة العرفان، مقابل المال. وكيف يتحايلن لمخادعة الصديقات والأصدقاء من أجل إخفاء ما لا يخفى.

– وعن الانتقال من مدينة العرفان، إلى مركز المدينة، نركب معه حافلة رقم 11 المهترئة، ص 23 وما بعدها. وأعتقد بأنها كانت مملوكة لشركة “حافلات الراحة” التي وصفها أحد ممن كان مضطرا إلى ركوبها بقوله: “لا تشعر بالراحة في حافلة الراحة إلا بعد أن تنزل منها”.

– أما عن الحي الجامعي التابع لمدينة العرفان، الذي لا يقدم ما ينتظره منه الطلبة من أسباب الراحة والارتياح، فيقول بشأنه على الرغم من ذلك: “يظل السكن الجامعي، تجربة ضرورية للشباب، خلال مسار تشكيل الحياة الخاصة، والبحث عن الطريق للاستقلال عن العائلة الأساسية، للحصول على مناعات في مواجهة المشاكل اليومية، بعيدا عن الوالدين” ص27.

ويتذكر كذلك الفضاء، الذي يساعد الطلبة على البحث والتحصيل العلمي في المعاهد الجامعية، فيعنون فصلا في روايته بـعبارة “في المعهد مكان اسمه المكتبة”، حيث يسجل عدم توفر الشروط الدنيا لتحقيق ما هو متعارف عليه من وجود المكتبات الجامعية؛ إذ يقول بشأن مكتبة المعهد العالي للإعلام “المكتبة ظلت في تقديري، طيلة السنوات الأربعة في معهد الصحافة الحكومي الوحيد من نوعه، دون مستوى التطلعات، لغياب إرادة .. لتطويرها لتواكب تطورات المعرفة وزمن الأنترنت” ص 33.

-‘في الجانب الاجتماعي/ الثقافي، يصف الروائي الحياة في المدينة الجامعية خلال شهر رمضان، بأنها رتيبة “باستثناء بعض الأنشطة والندوات الرمضانية … التي تشكل امتدادا لأيديولوجيات حزبية”، ص 46.

– وفي جانب ثقافة وتقاليد الإفطار الرمضاني، بين منزل العائلة وبين الحي الجامعي، لمدينة العرفان، يسجل أن المقارنة بينهما كالمقارنة بين السعادة والبؤس، ص 45.

– لا يتركنا عادل أن نسترجع أنفاسنا، من أحداث الحياة الجامعية، التي غلب على بنياتها وهياكلها البؤس، بدلا من جاذبية طلب العلم فيها. كما أنه يقودنا إلى إصرار بعض الأساتذة على التشبث بسرد “الصدام الأيديولوجي” بين منجل ومطرقة الاتحاد السوفييتي، ورياح الغرب اللبرالية، التي عصفت بجدار برلين، منذ أكثر من 15 سنة، دون أن ينتبه هؤلاء الأساتذة، المصرون على الحديث عن الحرب الباردة، إلى أن الطلبة في الفصل كان جلهم، والأساتذة يتلذذون بالحديث عن الصدام الأيديولوجي، “ينهمك في رقن رسالة لصديقته أو لصديقه، (أما الطالبات) من كانت تلاعب شتائل شعرها” ص 37 و 38.

– وعن أساتذة المعهد العالي للإعلام والاتصال، لم ينس روائي “زمن العرفان”، أن يخصص لهم جانبا في روايته، حين يقول: “كثيرون من المنتمين لما تسمى بالأسرة التدريسية حولوا الطلبة، المعتقلين اختياريا لإلقاء دروسهم التافهة أحيانا، التي تجاوزها التاريخ، وقليل هم من كان من الأساتذة من يقدم درسا حقيقيا له علاقة بالإعلام أو لغات التواصل” ص 59.

– قبل أن يتحدث عن المشكلة اللغوية في المعهد، وسيطرة اللغة الفرنسية على مشهده، على الرغم من عدم إتقانها من كل الطلبة، فيعلق على ذلك بقوله: “ليس العيب في عدم إتقان الفرنسية، ولكن العيب في المغرب، في العجز عن تركيب جملة واحدة سليمة باللغة العربية … في مغرب اليوم” ص 69.

رواية “زمن العرفان” تحتوي على 86 صفحة، من الحجم المتوسط، وهي بمثابة استفزاز لذاكرة عادل الزبيري، كي لا تدرج فترة الدراسة وانطباعاته عن مدينة العرفان الجامعية في ثقافة النسيان.

فمهما يكن من قيمة الانطباعات الصادرة عن الذاكرة. والزبيري نفسه يرى أن “هنالك من لن يعجبه زمن العرفان، وهنالك من يرى فيه صورة لأحلامه … إلا أن الكتابة من الذاكرة تبقى تمرينا لا تقاليد راسخة له”، ص 85.

استطاع عادل الزبيري، تجنب الوقوع في فخ العامية للتعبير عن وقائع معينة، وهذا أمر جيد، عكس ما يحدث في كثير من الروايات العربية، وبخاصة لدى روائيي أقطار المشرق.

أما بعض التساهل اللغوي الملاحظ، في نص رواية “زمن العرفان”، فيمكن تداركه في الطبعة الثانية، فهنيئا لك صديقي عادل بهذا المولود، الذي ينتظر بلا شك ميلاد إخوته.

*أكاديمي مغربي ومؤرخ وديلوماسي سابق

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • قارئ
    الثلاثاء 19 أبريل 2016 - 16:47

    أخي علي،
    لم أقرأ الرواية، لكن ما أثار انتباهي هو بؤس المكتبة وعدم كفاءة الأساتذة. ومع ذلك هناك من يفتخر بمئات الآلاف من الطلبة الجامعيين، بل الملايين. وعندما نعلم أن الجامعة هي أساس كل الحياة الثقافية والعلمية في أي بلد، ندرك هشاشة هذا الأساس. والإطار الذي يتخرج في مثل هذه الجامعات كارثة على حاضر ومستقبل البلد.
    صديق قديم

صوت وصورة
رسالة يحيى يحيى لملك إسبانيا
الأحد 20 شتنبر 2026 - 15:05 7

رسالة يحيى يحيى لملك إسبانيا

صوت وصورة
خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 14:23 2

خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة

صوت وصورة
جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:25 6

جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان

صوت وصورة
عكاشة وحماية القدرة الشرائية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:22 1

عكاشة وحماية القدرة الشرائية

صوت وصورة
الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 01:09 3

الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة

صوت وصورة
أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم
الأحد 20 شتنبر 2026 - 00:19 4

أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم