فضاء "الملاح" بين العزلة والحماية .. قراءة في تاريخ اليهود المغاربة

فضاء "الملاح" بين العزلة والحماية .. قراءة في تاريخ اليهود المغاربة
صور: منير امحيمدات
الأربعاء 6 ماي 2026 - 15:30

قال دافيد طوليدانو، الكاتب العام للطائفة اليهودية بالرباط، إن “الحضور اليهودي في المغرب يمتد لأكثر من ألفي سنة، ويعتبر العبرانيون أنفسهم مغاربة دون أي مجال للتفاوض”، مضيفا: “يعيش اليوم أكثر من مليون من أصول مغربية يهودية في الخارج، ولا تزال تربطهم علاقة عميقة بالمغرب، حيث يزورونه بشوق كبير ويحنّون إليه بصدق، بما أن هذا الارتباط ظل قائما، خاصة مع الملوك الثلاثة للمغرب”.

طوليدانو الذي كان يتحدث في ندوة حول موضوع “الملاح في السياق المغربي.. الذاكرة والهوية والفضاء الحضري”، نُظمت اليوم الأربعاء ضمن فعاليات الدورة الحادية والثلاثين من المعرض الدولي للنشر والكتاب، عرض نمط العيش داخل هذا المجال العمراني الهوياتي، مبينا أن “التضامن بين الطائفة كان قويا، حيث يتولى الأغنياء إسناد الفقراء، لكي لا يُترك أحد من اليهود في الملاح وحيدا” في مواجهة بؤسه الاجتماعي.

وتطرق المسؤول نفسه إلى “العناية الكبيرة بالتدريس والتربية، سواء في الجانب التقليدي الديني أو الحديث، خاصة مع إنشاء مدارس ‘التحالف الإسرائيلي العالمي’ (Alliance Israélite Universelle)”، مردفا أن “هذه المؤسسات واجهت في البداية رفضا من بعض الأسر خوفا على هوية أبنائها، لكن مع الوقت تم إدماج الذكور أولا، ثم الفتيات اللواتي تعلمن أيضا مهارات كالخياطة، رغم صعوبة ذلك بسبب الأدوار المنزلية”.

ولفت المتحدث إلى أن اليهود شكلوا شتاتا في مختلف الحواضر المغربية، على غرار فاس ومراكش ومكناس وتطوان، كما وُجدوا أيضا في المدن القريبة من الموانئ، كالرباط وسلا والعرائش وآسفي والصويرة والجديدة والدار البيضاء، مفيدا بأنهم “كانوا حاضرين كذلك في بعض المراكز الجهوية المعروفة، مثل صفرو ودبدو وتارودانت، بل وحتى في تخوم الصحراء حيث عاشت عائلات بارزة على غرار عائلة ‘الدرهم’، التي كان منها شق يهودي وشق مسلم”.

كما أشار طوليدانو إلى وجودهم في سجلماسة وقصور تافيلالت التي احتضنت بدورها عائلات كبيرة، مثل “كلميمة” التي عُرفت بعائلة “أبي حصيرة” التي أنجبت عددا من الشخصيات البارزة في تاريخ الطائفة، مشيرا إلى أن “نسبة السكان اليهود في بعض المدن بلغت أكثر من 50 في المائة؛ ففي دبدو مثلا كان عدد المسلمين يتراوح بين 4 و5 آلاف، مقابل 10 آلاف من اليهود. أما الصويرة، فقد بلغ عدد اليهود فيها في القرن التاسع عشر نحو 17 ألفا، مقابل 10 آلاف من المسلمين”.

ومضى المسؤول اليهودي قائلا: “إن المغرب، في شموليته، يتقوّى بهذا الحضور المتعدد الذي يعكس صورة المغرب الجامع المحتضن لكل مكوّناته”، مبرزا في هذا السياق أن البعض يرى في تاريخنا أن “الملاح” كان فضاء مغلقا ومعزولا يُفصل فيه اليهود عن غيرهم كنوع من العزل؛ غير أنه في كثير من الحالات كان يقع قرب القصر الملكي، مما وفّر لليهود نوعا من الحماية من الاضطرابات التي كانت تقع أحيانا وتُسمى “السيبة”.

ومع ذلك، سجل المتحدث أن “الأمر لم يكن عاما في كل الأماكن بالضرورة”، مفيدا بأنه “في طنجة وآسفي، بل وفي العالم القروي، وُجدت أحياء مفتوحة لم يكن فيها ملاح بالمعنى الضيق”، موضحا أن “الجماعة اليهودية بطبعها تميل إلى التجمّع، ليس بدافع العزل فقط، بل لأنها كانت تحتاج إلى احترام عدد من الالتزامات الدينية والاجتماعية التي تتطلب العيش المشترك”.

وقدم طوليدانو مثالا يتعلق بشروط الصلاة التي تتطلب حضور 10 رجال على الأقل، كما أن بعض الأحكام الدينية، كتحريم التنقل يوم السبت لمسافات طويلة، والتشدد في مسألة الطعام “الكوشير”، كانت تفرض ضوابط جد خاصة، وقال: “لذلك، كان هذا التجمع ضروريا جوهريا لاحترام تلك الطقوس، وهي ظاهرة نجدها أيضا في بلدان أخرى، خاصة في أوروبا”.

ومن حيث تدبير “الملاح”، سجل الكاتب العام للطائفة اليهودية بالرباط أن هذا الحي كان فضاء يمكن وصفه اليوم بأنه “ذاتي التسيير” (autogéré)، حيث كان السكان ينظمون شؤونهم بأنفسهم، وكان يُعيَّن شيخ يُعرف بـ”شيخ اليهود” يتكفّل بشؤون النظام والسلطة داخل الحي، موضحا أن “الناجيد” (رئيس الجماعة اليهودية) يتولى العلاقة مع السلطة ويُعيَّن بموافقتها. كما كان يوجد مجلس يتكوّن من سبعة من أعيان الحي يدبّرون الشؤون العامة، إلى جانب الحاخامات الذين يشرفون على الأمور الدينية.

ومن مظاهر التنظيم، وفق المشارك في الندوة، أنه “قبيل دخول يوم السبت، كان على أصحاب الحرف والمتاجر إغلاق أعمالهم مبكرا، وكان ‘الحزّان’ يجوب الملاح ليأمر بإغلاق الدكاكين بصرامة”، كما كان “البراح” يجوب الأزقة صباحا لإيقاظ الناس للصلاة ويناديهم واحدا واحدا.

أما قضائيا، فذكر طوليدانو أن “لليهود نظامهم الخاص في الأحوال الشخصية وفق الشريعة الموسوية (droit mosaïque)، بينما كانت القضايا الجنائية تُعرض على الباشا”، خالصا إلى أن “الحياة الاجتماعية كانت غنية بالمناسبات، من الولادة إلى الوفاة، مرورا بالختان وبلوغ سن الثالثة عشرة (Bar Mitzvah)، حيث يصبح الفتى مسؤولا دينيا، وصولا إلى الزواج؛ فلكل مرحلة طقوسها وإيقاعها الخاص”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • سعيد
    الأربعاء 6 ماي 2026 - 15:40

    إضافة إلى ماكتب في المقال هناك مضاهر اخرى لتواجد اليهود في المغرب و هي كمثال اسماء بعض القبائل ايت داود ايت سليمان ايت الكوهن ايت براييم ايت هارون ايت اسحاق ايت يوشي …و كذالك بعض الاسماء العائلية لا داعي لسردها

  • Michael El Younsi
    الأربعاء 6 ماي 2026 - 15:44

    من الحقائق التاريخية هي ان اليهود المغاربة أثبتوا بجدارة على انهم اكثر وطنية وأكثر محبة للوطن والمواطنين المغاربة من طائفة مغربية اخرى….! بالرغم من انهم يعيشون في مختلف الدول الا انهم يبقون اكثر تشبثا بمغربيتهم بتقاليد بلادهم بثقافة بلادهم معتزين بمجد المملكة وملوكها بتاريخ المملكة وشعبها يغنون الاغاني ويطبخون الطعام ويلبسون اللباس ويحتفلون بالأعياد الوطنية المغربية أينما كانوا من إسرائيل الى الويلايات المتحدة الأمريكية وكندا وفرنسا وهولندا وأستراليا المهم أينما كانوا يدافعون على الوطن ومصلحة الوطن ياتون لزيارة اهاليهم ومدنهم ويزورون مقابر اجدادهم ويصلون في معابدهم في كل مدينة ويترحمون على الموتى ويطلبون الخير والبركة للأحياء ويدعون بالشفاء وطول العمر لملكنا الهمام المتواضع والأسرة الملكية والشعب المغربي….! هده هي خاصية المغربي الحقيقي وهده هي تماغربيت أينما كانوا.

  • د/ شفيق حدادي
    الأربعاء 6 ماي 2026 - 16:26

    رواية:”فريحة “؛ هي في حد ذاتها رحلة لاستعادة الذاكرة ، لأن الهوية المغربية لا تتلاشى بالهجرة، والتراث اليهودي المغربي ظل محفوظا رغم نزيف الطائفة ومغادرتها المغرب ، فقد ظل الملاح في الذاكرة الجماعية بكل اسراره وتفاصيله••• ، فكانت مدينة تطوان اجمل معزوفة تقود بطلة الرواية :”فريحة ” إلى نوم هادىء، حيث يتعالق الإنساني بما هو تاريخي

  • مغربي
    الأربعاء 6 ماي 2026 - 16:40

    المغاربة الأحرار كانوا و لا يزالون يقدمون الغالي و النفيس من أجل بلدهم و ملكهم في أوقات الشدة كما في أوقات الرخاء. أولئك الذين يميلون مع رياح القوى الدولية و يستبدلون جوازات السفر جسب المصلحة هم سواح و لا يمكن أن يزايدوا على من قدموا أموالهم و دماءهم فداء للوطن و مقدساته في أحلك الأوقات بينما كان آخرون يتسابقون إلى القنصليات الأجنبية … شعارنا الخالد الله الوطن الملك وديننا يعلمنا أن الوفاء للوطن في السراء و الضراء من صميم الإيمان

  • مرحبا و اهلا و سهلا
    الأربعاء 6 ماي 2026 - 17:23

    مرحباً باليهود في المغرب و اهلاً و أهلاً بكم
    ما قال ليكم حتى حد شي عيب او شي حاجة
    زرورا ديرو السياحة تفججوا تساراو
    كاين الخير كاين الشمش كاين التجارة كلشي كاين
    اقيموا طقوسكم الدينية و الاجتماعية كشف شئتم
    كاين طلب خاصكم تقوموا بيه كطائفة مغربية يهودية مستقرة بالديار المباركة : ألا و هو
    تيسير سفر مواطنيكم المغاربة المسلمين لزيارة القدس و الصلاة في رحاب المسجد الأقصى !
    بحال صليتو في باب دكالة و غدا باب الرواح او باب السفراء
    فيلزم عليكم المساعدة و المشاركة في اقامة المسلمين المغاربة الزيارة و الصلاة في المسجد الأقصى

  • هشام
    الأربعاء 6 ماي 2026 - 18:01

    الى السيد المعلق : Michael El Younsi
    اليهود المغاربة الذين يعيشون في المغرب او الذين هاجرو لبلدان اخرى هم اهلنا واحبابنا واخواننا,
    اما اليهود الذين ذهبو لإحتلال فلسطين فهؤلاء ارهابيون مثل داعش تماما ولقد تخلو عن الجنسية المغربية. ويجب محاكمتهم بقانون الارهاب وايديهم ملطخة بالدماء.

  • محمد المصباحي
    الأربعاء 6 ماي 2026 - 19:20

    لقد كثرت الأنسطة و اللقاءات و الإشارات في كل و سائل الإعلام و التواصل حول هذا الموضوع بشكل غريب و غير عادي.
    لماذا لا تفصحوا عما تريدون؟
    مرحبا بكل إخواننا اليهود المغاربة الموجودين في كل بقاع العالم باستثناء من انخرط منهم في جيوش أجنبية و خصوصا من تلطخت أيديهم القذرة بدماء أبناء أمتنا المسلمة و قاموا بقتل الأطفال و النساء و الشيوخ و استباحوا الأعراض و قتلوا الصحفيين و الصحفيات و أحرقوا الأشجار و دمروا الآبار.أولئك لا مكان لهم بيننا مهما حاولوا و مهما ضغط ا علينا.

  • محمد بنعبد السلام
    الأربعاء 6 ماي 2026 - 19:30

    سؤال بسيط، من يستطيع الجواب عليه :” لماذا سمي الحي الذي اجبر اليهود على السكن فيه داخل المدن ب ” ملاح “؟ مع ذكر المرجع، ان امكن، و شكرا.

  • مواطن مغربي
    الأربعاء 6 ماي 2026 - 19:57

    المغاربة كما عرفهم التاريخ مسلمون وقاموا بعد فتوحات اسلامية وهم من احتضنوا اليهود في الحرب حماية لهم من الحرب. فالمغاربة او ينسوه معروفون بغيرتهم عن وطنهم ولن يفرطوا فيه او ينسوه فمنهم الملايين كعمال بالخارح لكن في اتصال وزيارة دائمة لاهلهم ودويهم وبلدهم.
    مشكل المسلمين هومع الحركة الصهيونية التي التحق بعض اليهود وغيروا جنسياتهم الاصلية ودخلوا في حرب اديولوجية مع المسلمين يتوخون الحدر من كل يهودي يحمل الجنسية الاسرائيلية لان اسرائيل بنيت على فكرة الصهيونية ومعادادة باقي الاديان والقضاء عليها بعدما كان اليهود والمسلمون يعيشون حنبا الى جنب في سلام. فربما هدا يعتبر تسلل صهيوني باسم الدين وهدا ان كان صحيحا فلن يكون مقبولا لانهم يقتلون النساء والاطفال والشيوخ ويسولون على بيوتهم واملاكهم ويهجرونهم كما يقع في فلسطين ولبنان وسوريا.

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40 4

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 14

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع

صوت وصورة
بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 17:16 3

بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا