في البحث عن تفسير لنتيجة انتخابات 8 شتنبر

في البحث عن تفسير لنتيجة انتخابات 8 شتنبر
الثلاثاء 14 شتنبر 2021 - 01:30

من الأفضل عدم التسرّع في إطلاق بعض التوصيفات التي تخص السلوك الانتخابي الذي تسبب في هزيمة حزب العدالة والتنمية، لا سيما ما يتصل بمسألة “التصويت العقابي”؛ لأن هذا التفسير لا يمكنه أن يصمد أمام قراءة التفاصيل، بحيث لا يوجد تفسير لكون الناخب “عاقب” حزب “المصباح”، بينما كافأ حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو الذي شارك معه في الحكومة نفسها وسيّر أهم الوزارات (المالية، الفلاحة، الصناعة…)، كما كافأ حزب الحركة الشعبية الذي سير وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي التي عرفت أكبر نسبة احتجاجات خلال السنوات السابقة، وكافأ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي سير وزارة العدل التي جلبت عليه احتجاجات عارمة بسبب مشروع “قانون تكميم الأفواه”، وكافأ حزب الاتحاد الدستوري الذي سير وزارة السياحة… إلخ.

لو كان التصويت العقابي يصلح كتفسير لرأينا التصويت يذهب لصالح الحزب الاشتراكي الموحد وتحالف فيدرالية اليسار وحزب التقدم والاشتراكية وقد كان لها مرشحون في أغلب المناطق. وأما في صفوف الأحزاب القريبة من السلطة، لكان التصويت لصالح الأصالة والمعاصرة الذي كان في المعارضة وليس حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يعتبر المساهم البارز في كل سياسات الحكومة، خاصة من خلال وزارة المالية التي هي أهم وزارة بعد الداخلية.

لذلك، لا أظن أن السلوك الانتخابي في المغرب قد ارتقى لكي نعول عليه في توظيف تفسير التصويت العقابي؛ لأن هناك أسبابا متعددة لتفسير التصويت وليس سببا واحدا، من دون استبعاد أن بعض التصويت قد يكون فعلا عقابيا لكنه ليس هو الغالب. علما أن حزب التجمع الوطني للأحرار فاز بما يعادل نسبة 98 في المائة، لأنه حصل على 92 مقعدا (مجموع الدوائر) إضافة إلى 10 مقاعد من خلال اللوائح الجهوية للنساء، ولو لم يكن القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين لحصد أكثر من 150 مقعدا، (سبق أن انتقدنا هذا القاسم الانتخابي من منطلق مبدئي يروم الدفاع عن الديمقراطية، واعتبرنا أنه سيكون في خدمة حزب العدالة والتنمية وليس العكس كما اعتقدت الأحزاب المتحالفة ضده ودوائر السلطة، وحزب المصباح نفسه لأنه كان في علمية إنكار للواقع).

كان هناك اعتقاد يفيد بأن لحزب “المصباح” قاعدة ثابتة تصوت عليه في جميع الأحوال، دون تأثر بالإنجازات والإخفاقات. وقد كتبت شخصيا أكثر من مقال، أبين فيه أن هذا الاعتقاد خاطئ تماما وغير مؤسس على معطيات؛ لأن قاعدة الحزب ليست بتلك القوة التي يظنها البعض، وإنما الذي كان يعطي للحزب قوته هو ضعف الأحزاب المنافسة له.

هل اختلف الوضع اليوم؟ هل الأحزاب التي نافسته أصبحت قوية؟ بالقطع والمطلق (لا مجال للنسبية في هذا المجال بالنسبة لي)، ليست الأحزاب التي فازت عليه اليوم قوية؛ بل إنها أضعف منه بكثير، ولديها من الضعف ما سيكشف حقيقتها في أول امتحان، لكن الذي ساهم في سقوط حزب “المصباح” هو أنه أصبح ضعيفا أكثر مما كان عليه، وأن الناس “انتقمت منه” بسبب الخذلان التي شعرت به إزاءه، وبسبب الإحباطات التي شعرت بها بعد الكم الكبير من الانتظارات (نشرنا كتابا جماعيا بعنوان: تشريعات 2016، بين إنعاش الآمال وتكريس الإحباطات، وقد تبين أنها كرست الإحباط ولم تنعش الآمال).

ولا يدخل في دائرة هذا المقال التطرق لقضايا أخرى يمكن أن تكون قد أدت إلى فشل العدالة والتنمية (حياد السلطة، المال، خلق الأجواء المناسبة…)، لأن تلك القضايا كانت حاضرة في جميع الانتخابات (لعبت لصالح حزب المصباح سنة 2011)، ومع ذلك كان الحزب يتغلب عليها.

ما المتوقع مستقبلا؟

وارد جدا أن المواطن المغربي سيندهش فعلا يوم الجمعة الثانية من أكتوبر (افتتاح البرلمان) عندما سيُمعن النظر هوية الذين سيجلسون في الأماكن التي كان يحتلها حزب العدالة والتنمية؛ وذلك عندما سيتفاجأ بأن جزءا كبيرا منهم هم من معمري السياسة، ومنهم من صدرت في حقهم أحكام قضائية، ومنهم من كان ضمن الشخصيات التي منعتها وزارة الداخلية عبر تعليمات سنة 2011 من الترشح تفاعلا مع رياح الربيع الديمقراطي، وتمهيدا لفوز حزب عبد الإله ابن كيران الذي كان قد وقف آنذاك في وجه الحراك العشريني، بعد أن انسحبت كل الأحزاب الإدارية من المشهد واختفت كل قياداتها، ومنها من غادر خارج المغرب، توجسا مما لا تحمد عقباه.

كما وارد جدا أن المواطن سيشعر باندهاش أكبر بعد حوالي 12 يوما (تشكيل المجالس الجماعية)، عندما سيتعرّف على بروفايلات الذين سيشكلون المجالس الجماعية المقبلة (لا يعني ذلك أن الانتخابات لم تُسفر عن وجوه جديدة تتميز بالكفاءة، لكن ما الذي تستطيع القلة ضمن الكثرة؟).

باختصار، لا ضوء يبدو في آخر النفق، فقط يمكن أن نطرح السؤال: هل سيساهم الانسجام الذي ستعرفه مؤسسات الحكم في المغرب (القصر، الحكومة، البرلمان، المجلس الترابية) في خلق الأجواء التي ستمهد لتحقيق وضع اقتصادي جيد؟ وهل يؤدي هذا الانسجام إلى تحقيق الوعود التي رفعتها الأحزاب خلال الحملة الانتخابية: وعود الحزب الفائز، ووعود الأحزاب التي ستشكل معه الحكومة؟ أم سيفرز هذا الانسجام عن أمور أخرى؟
في جميع الأحوال، الشهور المقبلة هي التي ستكون حاسمة. وأما من كان يعارض حزب العدالة التنمية فإنه قد رحل، وأما من كان يعارض الفساد فإنه ما زال حيا، وأما من كان يعارض سياسات التفقير التي كانت في ظل الحزب الراحل فإن الفقر ما زال متفشيا، وأما من كان يدافع عن الحريات (عشرات المعتقلين السياسيين، عشرات اللاجئين السياسيين، قمع متواصل للتظاهرات والوقفات…) التي تم هضمها في ظل وجود الحزب المنهزم على رأس الحكومة فإن تلك الحريات لا تزال مهضومة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • عمر بن محمود
    الثلاثاء 14 شتنبر 2021 - 09:04

    محاولة إقصاء احتمالية التصويت العقابي في هذا المقال بدعوى عدم بلوغ المغاربة لسن الرشد الانتخابي محاولة خاطئة.
    التصويت كان عقابيا لا شك في ذلك نظرا لكم الاحتقان الشعبي الهائل بسبب سلوكات و قرارات و نفاق الحزب المحسوب، خطأً، عن التيار الإسلامي.
    لنتذكر فضيحة ماء العينين بباريس، صحيح حرية شخصية، لكن هذا ذروة النفاق. “قال الله” في المغرب و “التعري” في فرنسا هذا أمر شاذ شكك في أطروحات الحزب التي يرفعها دون اتخاذ موقف منها في الحزب منا يعني موافقته على سلوكات تتعارض مع مرجعيته المفترضة.
    قانون التقاعد، الذي أُهين فيه الموظفون وعائلاتهم و هم كتلة ناحية مهمة.
    مسألة المتعاقدين بقطاع التعليم و هم كتلة ناخبة مهمة أيضا في ربوع المملكة.
    ظهور قيادات حزب العدالة والتنمية بمظهرين متعارضين أمام نفي الموقف.
    واللائحة طويلة
    وفي الاخير ينوض واحد يقوليك “آح لمغاربة مازالوا ماواعيينش وماكايعرفوش التصويت العقابي” عيب

  • متتبع
    الثلاثاء 14 شتنبر 2021 - 09:06

    من حبك وصنعة المحللين الغربيين للمواضيع السياسية يجعلك تايد تحليله وتتماهى معه لانه يشعرك انه محايد رغم انحيازه لاختياراته الاديلوجية وقد سقاك السم في الدسم.اما عندنا فمن اول كلمة تشعر من الكاتب الاديلوجي موقفه المتحيز الصارخ فتنفر حتى من تتمة المقال.

  • دوخة حمرة
    الثلاثاء 14 شتنبر 2021 - 12:33

    الى الاخ عمر بن محمود

    كما وضح الاستاذ فان الحكومة لا تتكون من حزب واحد بل كانت خليطا من الاحزاب بل ان الاحزاب الاخرى كانت تملك وزارات جد مهمة الصناعة والتعليم والفلاحة ووو
    تم ان اي مشروع حكومي لا يمكن إنجازه وتطبيقة علي الارض الا بوافقة احزاب الاغلبية في الحكومة والبرلمان
    فقراءة الكاتب قراءة موضوعية
    اكيد ان الاغلبية من المواطنين بفعل تفاقم الوضعية تم سخط كبير على حزب العدالة والتنمية وهو يستحق ه‍ذا الهزيمة النكراء ونتمنى ان ينقرض من الساحة السياسية لان استغلال الدين لاجل مصالح مادية ذاتية صرفة هو امر شنيع لان الدين هو ملك لجميع المؤمنين

  • يساري متفائل
    الثلاثاء 14 شتنبر 2021 - 13:07

    إذا كان البيجيدي أضعف بكثير مما نتصور فأنا لا أختلف معك في هذه النقطة لأن قوته كانت مستمدة من انضباطه التنظيمي الذي أفسده بنكيران و من يدري ربما لإرجاع الحزب إلى بداياته بعد أن انتهت مهمته . بالمقابل أظن أن حزب البام هو أقوى بكثير مما تظنون بل و أكثر تقدما و لهذا صمد الحزب مدة ولايتين كاملتين في المعارضة ثم حل ثانيا في هذه الانتخابات بفارق بسيط مع المتصدر . هناك نقطة لا ينتبه لها أحد و هي أنه لولا وجود البام لكان البيجيدي سيطر على الدولة بكاملها من دون مبالغة و لكان المشهد السياسي اليوم مهترئ مثلما وصل به الحال في 2007! على أي وجود البام في الحكومة سيبعث التفاءل لأن هذا الحزب المحوري قادر على إعطاء الحكومة دينامية متميزة بفضل الأطر التي يتوفر عليها و قادته السياسيين المحنكين القادمين من اليسار

  • مقال معقول
    الثلاثاء 14 شتنبر 2021 - 14:34

    يؤخذ بعين الاعتبار . حضور تاثير المال في انتخابات الثامن من شتنبر وارد وحضور تاثير تدخلات الإدارة وارد و لكن تاثير ارادة الناخب المغربي اقوى. هذا السلوك الانتخابي للمواطن المغربي اذا تاصل وتكرر مستقبلا فيمكن اعتبار المغرب قد دخل نادي الديمقراطيات الليبيرالية الدولية.
    ربما يكون الناخب المغرب قد انتبه الى كون فوز احزاب الاخوان في الانتخابات مرفوض دوليا مما أدى إلى الانقلاب عليها في كل دول الشرق الأوسط و شمال افريقيا.
    و رفعا للحرج عن النظام المخزني المغربي تولى الشعب القيام بالمهمة بأسلوب حضاري و ديمقراطي فريد من نوعه في البلدان التي فاز فيها الإخوان في الانتخابات ، مثل الجزائر و مصر وتونس.

  • الطائر الحر
    الثلاثاء 14 شتنبر 2021 - 14:39

    أظن أن وظيفة حزب العدالة و التنمية انتهت صلاحيتها، حان موعد مع حزب آخر، ألا وهو حزب السلطه والمال.

  • Hassan
    الثلاثاء 14 شتنبر 2021 - 20:07

    الجميع كان يتكهن بسقوط العدالة و التنمية في الإنتخابات المحلية و الجهوية . لأنها فشلت في تدبير الشأن المحلي و مصالح المواطن عانت بسبب البلوكاج و الإستفراد بالقرار .توحيد يوم الإقتراع نزع عن التشريعي خصوصيته لأن المواطن العادي يعلم علم اليقين أن الحكومة تعين من طرف جلالة الملك و تعمل تحت وصايته . ما يهمه هو المجالس المحلية .

  • Amaghrabi
    الثلاثاء 14 شتنبر 2021 - 20:51

    اخواني المغاربة الكرام قال الشاعر الاندلسي ابو البقاء “لكل شيئ اذا ماتم نقصان…فلا يغر بطيب العيش انسان”وهذا اعتقد يصدق في الحكومات المتتالية التي مرت في المغرب منذ بداية الديموقراطية المغربية الحسنية ومنذ بداية حكومة التناوب في عهد اليوسفي رحمه الله,لان الحزب المعارض ليس هو نفسه كحزب حاكم واعتقد ان العدالة والتنمية قد طال في قيادة الحكومة فعشر سنوات في عمر الدولة المغربية ليست قليلة وبالتالي نحمد الله على رحيل هذا الحزب الثقيل على النفوس المغربية التي عانت الاوضاع المزرية وما زالت تعاني وكونوا على يقين ان حزب الاحرار سيكون مصيره مشابه وربما سيحكم مرحلة واحدة فقط .وسبحان الله مغاربتنا يطلبون التغيير في كل وقت واذا وقع التغيير يتهمون جهات معينة بانها وراء ذلك وانها ايادي خفية يحركها ما يسمى المخزن حتى اصبح هذا المصطلح عيب وعار ومصطلح لقدح الدولة المغربية.واصبح كل ناعق يريد ان يبين لغيره معارضا للدولة يستعمل هذا المصطلح ليقول للاخرين الذين يطلب رضاهم”حنا معاكم”

  • ناصر
    الأربعاء 15 شتنبر 2021 - 08:17

    انتظارات الناس كانت كبيرة تجاه العدالة لكن خذلتهم
    ما سبب الهزيمة خرجاتهم وصورهم وخصوصا خرجة بن كيران الاخيرة

صوت وصورة
جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:25 4

جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان

صوت وصورة
عكاشة وحماية القدرة الشرائية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:22 1

عكاشة وحماية القدرة الشرائية

صوت وصورة
الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 01:09 3

الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة

صوت وصورة
أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم
الأحد 20 شتنبر 2026 - 00:19 4

أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم

صوت وصورة
بنعبد الله يدعو إلى التصويت
السبت 19 شتنبر 2026 - 23:54 1

بنعبد الله يدعو إلى التصويت

صوت وصورة
رؤية "الاستقلال" للتعليم والصحة
السبت 19 شتنبر 2026 - 23:23 2

رؤية "الاستقلال" للتعليم والصحة