كثيرة هي الكتب التي يقرأها الإنسان فتشبعه فكريا ومعرفيا إلى حد التّرف، وعُد – إن شئت – إلى مشروع المرحوم محمد عابد الجابري الموسوم بـ”نقد العقل العربي” بأجزائه الأربعة. (الجابري يبدو الآن، مقارنةً بتلامذته وإنتاجاتهم الفكرية، إسلاميا مغرقا في إسلاميته) وكذا كتابات حسن حنفي المتشعبة والموسوعية. أو تعلِّمُه المنهجية العقلية إلى حدّ المبالغة في المنطقية و التجريد ، واقرأ في هذا الاتجاه – وحتى لو كنتَ مثقفا مهتمّا فإنك ستَشقى وتُعاني – اقرأ لدكتورنا طه عبد الرحمن، الذي يبدوا بأنه يستمتع كثيرا بالتركيب، وهو أمر محبب ومطلوب، ولكنه يتحوّل في مناسبات عديدة إلى تعقيد مرفوض، وحاجز دون الفهم السديد. (أذكرُ بهذه المناسبة أن أستاذا جامعيا درّسني المنطق اعترف لي ذات مساء بأنه يجد طه مُستغلقا، وفي كثير من المرات يرمي بكتبه جانبا ولا يكمل قراءتها ! وكان اعترافه بعد مناقشته لبحثي لنيل شهادة الإجازة سنة 2001، والذي كان تحت عنوان: “مفهوم التراث في الفكر المغربي المعاصر، كتابات طه عبد الرحمن نموذجا”. )
وبعض الكتب تمتّعك إلى حد الدّوخة، كما يمكن أن تفعل بك – إن كنت عشّاقا – بعض الروايات الخالدة، مثل “الإخوة كارامازوف” و “الجريمة والعقاب” للعبقري دوستوفسكي.
وهناك كتب تحبها إلى حدّ الوَلَه، فلا تملّ من إعادة قراءتها، والتبشير بأفكارها، وعرضها على أصدقائك، وهذه مرتبطة غالبا بنوع تخصصك، وأحيانا أخرى بذوقك، وأحيانا ثالثة بأيديولوجيك ومرجعيتك الفكرية. وهذه تغيّر وجهات نظرك واقتناعاتك واختياراتك وتقديراتك العقلية. (وهذا ما أفعله بخصوص: الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزت بيغوفيتش، ورحلتي الفكرية لعبد الوهاب المسيري، وكتب باومان، بلدي لرسول حمزتوف، وغيرها)
ولكن الكتب التي تخالط دمك ومشاش عظمك، فتدفعك إلى تغيير سلوكك وأخلاقك ومعاملاتك، وتجيب عمليا عن أسئلتك الوجودية الحارقة (من أين.. وكيف.. ولماذا.. ومع من.. وإلى أين ؟) فتُنمّي فيك روحانيتك، وتزكي الجزء السامي فيك، دون أن تغفل عن قضايا العدل، قليلة جدا إلى حد الندرة، فهي بدون أدنى شك – إن وجدتها – ستكون شيخك الأكبر وكبريتك الأحمر.
لقد طرحت “الوجودية” بشقيها المؤمنة، مع كيركيغارد بردايف، والملحدة مع سارتر وبيكيت وكامو، طرحت تلك الأسئلة التي يصعب على الانسان الفطن تجاوزها، وكانت أفضل الإجابات التي قدمتها ليست في الكتب الفلسفية، بل في النصوص المسرحية والروايات، وما انتشرت الوجودية بين الشباب في أوربا بعد الحرب إلا لأنها أحسنت استغلال الأدب للترويج لإجاباتها. ومن منا لم يقرأ مثلا: الغريب، وسوء الفهم الكبير، والغثيان، وفي انتظار عودة غودو.
الوجودية الملحدة، كما عبّر وأبدع أستاذنا عليّ عزت، لم تنكر الألوهية، ولكنها احتجّتْ على غيابها، وذلك بسبب الأهوال التي مرت بها الإنسانية حينها، دون أيّ تدخل من جانبها لنشر الأمن والعدالة، كما تصوّرت.
إن الكتب المُغيِّرَة نادرة جدا، وإن كانت لوحدها – إن وجدْتها – لا تكفي، لأنك تحتاج – في الحقيقة – لشخص من لحم ودم يُمسك بيدك ويقودك برفق وتمهّل في متاهة هذه الحياة ودوامتها. وهذا ما يُسمى في أدبيات أصحاب “مدرسة التربية الروحية” بـ”الصحبة”. واقرأ، إن تخلّيتَ عن تعصّبك وتجمّلتَ بالصبر، اقرأ “المنقذ من الضلال” و”إحياء علوم الدين” للغزالي، (هذا الرجل الذي كان علاّمة زمانه بدون منازع، ولكنه عندما أحرقته الأسئلة تخلى عن جاهه وترك كل كتبه جانبا، ثم خرج هائما باحثا عمّن يُلقّنه الإجابات. فدعْ جانبا تهمة العقلانيين له بكونه “السبب في انحطاط العقل العربي” جرّاء هجومه الكاسح على الفلسفة، وتخريجته البديعة لمسألة السببية. (وفي الحقيقة لو كان بالفعل قام بهذا الدور الخطير لوحده فهو خليق بكل احتفاء..! ) إن أبا حامد يُعدّ بحق أكبر “عقلية” أنتجتها الثقافة العربية الإسلامية طول مسارها.
واقرأ أيضا كتاب “الإحسان” بجزأيه لعبد السلام ياسين، بشرطين صعبين: أن تنسى الكلام المُبتذلَ المُلاكَ حول خلفيته صوفية، وكأنها سُبّة ومعرّة. وأن تتجاوزَ مخالفتكَ له في تصورات السياسة وتقديراتها.
إن أحسن الإجابات المرتبطة بأسئلة الإنسان القلبية جاء بها الأدب، خاصة الرواية والشعر. أما الكتابات “الصوفية” فكانت إجاباتها الأفيد والأمتع والأبرع على الإطلاق…. في نظري طبعا..!
من الناحية الفكرية افضل قراءة الكتاب الغربيين ابتداءا من عهد الانوار مرورا بالفلاسفة الالمان( ماركس وهيغل…) لان هؤلاء حسب ما اعرف هم عماد الفكر الحديث واساسه.
من الناحية الادبية ايضا الادب الغربي عميق و متنوع
المقال جميل ولكل الحق في اختيار ما يتماهى مع توجهاته وقناعاته من كتب وإصدارات ادبية كانت أو عقدية .. لكن ما استوقفني هنا هو هذا التدرج الذي كان سيكون موقفاً لو لم يكن الحيّز المخصص للكاتب على هذا العمود قصيراً .. التدرج من إلقاء شهب لانارة الطريق تمهيداً لغرس الإبرة بدءاً بالوجودية وعينية من الأدب الروسي وصولاً الى الغاية بالدعوة للمرجعية وفلسفتها وأدبها وأعلامها من الغزالي الى أبا حامد فبيت القصيد صاحب " الاحسان " عبد السلام ياسين رحمه الله .. ديستويفسكي يبدو في المقال وكأنه الطبطبة التي تسبق الحقنة رغم ان رواياته كما روايات عملاق الأدب الروسي ليو تولستوي لم تكن للمتعة فقط كما آورد الكاتب بل ألهمت عظماء غيروا مجرى التاريخ المعاصر ولا أحتاج لأن أكرر مرة أخرى يا أستاذ الرواية السحرية لتولستوي " مملكة الرب بداخلك " التي ألهمت غاندي ومارتن لوثر كينغ بشهادة كليهما والكل يعرف بصمتهما على التاريخ ..
فعلا هناك كتبٌ تمتّعك، وأخرى تغيّرك، لكن هناك أخرى تُغرِقك في الغيبيات
و تحشو عقلك بالخزعبلات، و أخرى تلوث عقلك بإيديولوجيات بائدة و مذاهب زائلة تكرس للظلام و الكراهية.
الكتاب سلاح، لكن سلاح ذو حدين.
آسف إن فهمتم من تعليقي نوعا من العتاب، لكن لا أرى في الكاتب سوى شخص ذو شخصية قطبية فتارة يستهويه تطرف سارتر في المناداة بالحرية وفي نفس الوقت يستهويه تطرف عبد السلام ياسين في أدلجة ومخادعة أتباعه بإيحاءات لا تكرس سوى جموده و خنوعه وأسره تحت يافطة الدين، فكن واضحا على الإطلاق، أين أنت من هذين القطبين، فلا يستقيم الأمر ونقيضه عند شخص سوى في أشخاص عصابيين لا يكفون عن الهذيان، وإلا فكيف تكيف مفهومك للحرية أمام مخادع ومقالب الأدلجة.
أنصح نصيحة لوجه الله وعن تجربة حقيقية، لمن يريد أن يتغير ويرقى بفكره الى مراتب لا يمكن وصفها بكلمات منمقة ولكن بأحاسيس معاشة، أنصح بقراءة كتب العملاق الالماني فريديريك نيتشه. اقراؤا له ولا تقرأوا ما قيل عنه. دعونا من الاديولوجيات والديماغوجيات ووو…. حاولوا أن تقراؤا بتمعن وبارتقاء كتاب (هكذا تكلم زرادشت) وستلمسون لاول مرة ماذا أقصد بكلامي هنا. لتمروا لكتب أخرى لا تقل عن الاول غزارة وارتقاء الى مراتب لا يتسلقوها الا النظار والحكماء
السي عزيز تحية ، صدقني يا أخي أني قرأت كتاب " هكذا تكلم زرادشت " لفريديريك نيتشه في أواخر ستينيات القرن الماضي ترجمه الى العربية الأديب اللبناني اللامع فيليكس فارس ولا زلت احتفظ بالنسخة المترجمة التي تعود للخمسينيات .. ذاكرتي لا زالت تحتفظ بما ورد على لسان زارادشت وهو ينثر حكمه متجولاً صحبة نسره وأفعوانه … ( فيا نسري وَيَا أفعواني هيّا بِنَا الى الأعالي نكرع من كأس المعرفة الدهاق .. إنهم أدنياء ولكنهم كثر .. إلخ ) فلسفة زارادشت تبخس الأخلاق التي هي من صنع الأدنياء فهناك أخلاق للسادة " أخلاق القوة " وأخلاق للعبيد ليخلص الى تمجيد العرق الآري الذي يسمو على باقي الأعراق الخسبسة .. فلسفة نيتشه أثرت في هتلر بشكل كبير وألهمته .. يرى نيتشه في كتابه ان كل الأنواع تطورت بحكم الانتخاب الطبيعي الى ان توقف التطور عند الانسان ومن هنا وجب صناعة الانسان المتفوق لابادة الأنواع الضعيفة فالبقاء للأصلح والاقوى .. انصحك بمشاهدة فيلم ces enfants qui venaient du Brésil الذي يعالج سعي النازية للتلاعب بجينات الأجنة لصنع الانسان الآري المتفوق كما أوصى بذلك نيتشه .. الكتاب ممتع وبفلسفة وأسلوب راقيين لكن
قراءة الكتب بنية استجلاء الحقائق ومقاربة الظواهر مفيدة جدا للفرد وإن أورثته ثقل السؤال وضنك التجوال في صحاري الفكر وفيافيه بحثا عن تلك الواحة الغناء التي لن يجدها أبدا بطبيعة الحال، لكن المغزى وكل المعنى في السير…أما من قرأ أو يقرأ فاستوهم اكتمال الصورة في عقله ثم قعد للتقعير والتنميق والجدال فهذا بئيس، والله بئيس، لأنه يعيش وهم احتواش الحقيقة الناجزة المتجلية ويصير عبئا على من حوله بل حتى على ذاته…وقد أجزم أن أبو حامد الغزّالي لم يسر في درب التيه إلا بعد ما اكتشف زيف أناه رغم أن الركبان كانت تسافر لتحصيل حقيقة ما قد يكون قد عرض لهم في أمور دينهم، وذلك أفيد، وليس لتجزية الوقت في المسامرات الفكرية والجدلية
محمد عابد الجابري بكتبه في العقل العربي يشرح بطريقة بيداغوجية اكتسبها من تجربته الثرية في التدريس عدة مفاهيم وتخرج من قراءته وقد استمتعت … وماذا عن الأيام لطه حسين… وسلسلة الإسلام لأحمد امين… وماذا عن عبد الله العروي … الأسلوب السلس الجميل الممتع القوي الواضح الواقعي … تقرأ لطه عبد الرحمن فتتذكر المقامات والأسلوب القديم … طه يتكلف تنميق العبارة وترصيص الجمل فيصعب على القاريء … العروي يستعمل كلمة الايديولوجية كما وردت عن الفكر الغربي… أما طه فيستبدلها بالفكرانية فيسقط في التبسيط و الغموض … أما الغزالي فمتعة