لم أكن أعرف أن قلبي حائط مبكى

لم أكن أعرف أن قلبي حائط مبكى
الثلاثاء 22 فبراير 2022 - 15:22

إنه الشيطان الذي همس في خلاء دواخلي: ستوقف سيارة الأجرة، سيسألك السائق عن وجهتك، وستقول له: “لاكارط اللي كيصاوبو فيها الكوميسارية”. الشيطان يخلق بهجة خاصة، حين يسيطر عليك.. في لحظات الغضب، تتفوه بحماقات مضحكة، جعلت ذلك الشاب يطلب منك أن تعيد ما قلت لزميله، الذي عاتبك على إغلاق المحل، حين التقيتما في دكان البقال: “إنه العصر، دكانك ملتصق بمؤخرة الجامع، ولا تعرف ذلك… “.

هذا الصباح، كان الملاك يئن وحده في قلبي. أحاول أن أبدو متماسكا، غير عابئ بهذه الخسارة الفادحة؛ في يوم واحد فقدت امرأتين. في لحظة ضعف إنساني شفيف، نسيتا دموعهما في قلبي، وكان الشيطان يلهو معهما، مثل طفل صغير، ومهذب.

في دائرة الشرطة، طلب مني عدم استخدام الهاتف المحمول، فتمنيت ألا تنهال رنات الإشعارات. مزق صمت المكان الجليل مواء قط، فتذكرت خوف الأمهات في المستشفى العمومي من أن يسرق أي قط ضال مواليدهن الجدد، استحضرت قسوة الممرضات وسوء معاملتهن للأمهات، اللواتي على وشك الوضع. تلك القسوة تختفي بمجرد أن يدس زوج إحدى الحوامل ورقة مالية في يد ممرضة، فتستعيد صفة ملاك الرحمة، نكاية في تلك اللافتة الكبيرة، التي تندد بالرشوة.

كنت أرمق تلك البدوية الطيبة، كما لو كانت جدتي، وهي تتبرم من الانتظار، فأخبرت الشابة المجاورة باسمها: حليمة الشرقاوي. بعد مدة، ستسأل هذه المرأة جارتها في تذمر خفي: (واش ماعيطوش على حليمة الشرقاوي)، بتلك اللكنة البدوية الدكالية المحببة، وشعرت برغبة في الضحك في مكان متجهم.

عند تسليم ملف تجديد بطاقة الهوية، سمعت الموظف يقول لزميلته إن الأمر لا علاقة له بالجوع.. إنها السيبة (الفوضى). أدركت أنها نميمة صباحية تعليقا على حادث السرقات الغوغائية في ذلك السوق الأسبوعي. لم أعلق، أنا مجرد مواطن تافه، لا يحق له أن يستخدم هاتفه المحمول في تلك الإدارة، ولا أن يشير إلى أنه تساءل في سردابه الأزرق عن المصادفة الغريبة، التي جعلت هذا يحدث في مثل هذا اليوم، وربط بين الحادث وانتفاضة الخبز عام 1977م في مصر، التي وصفها الرئيس السادات بأنها انتفاضة الحرامية (اللصوص).

في مكتب البصمات، ستطلب من الموظف أن يصحح عنوانك البريدي بحذف ألف إضافية من كلمة (االبحر) وألف التعريف، اللذان لفقا للمضاف (القصر)، لكي تشكلا صورة خيالية، لا علاقة لها بحي داهمه النباشون وتجار المتلاشيات: “قصر البحر”. قال لك الضابط إن البصمات ليست بصماتك، وهو يتطلع إلى شاشة الحاسوب مستغربا، همست لنفسي: “لست مجرما، لكن قلبي حجرة يتقاسمها شيطان وملاك، يسكنان معا، يتشاجران دوما. الشيطان غار من دموع المرأة، التي فاضت بين يدي الملاك ليلة البارحة، فأفسد كل شيء كالعادة”.

طلب مني وضع الإصبعين مرة أخرى، قلت له إن السبب الكحول، لم أكمل الجملة.. الكحول الرديء، الذي كنت أستخدمه كمعقم، فكرت في بصمات القلب؛ نساء كثيرات عبرن – خلسة- سراديب هذه الحجرة المهجورة، التي لا تغري أحدا بسرقتها، حتى لو تركت بابها مواربا؛ غرفة تؤثثها الدموع فقط.

بسبب الملاك والشيطان، تفقد الحياة معناها ومبناها. هذا الصباح، أشرقت شمس امرأة، انتظرت حولين كاملين أن تطأ عتبة محلك كزبونة. اعتذرت لها بأنك كنت تبكي، سألتها عن غيابها، وصارحتها بأن هذا اليوم عيد.

الشيطان المرح كان يغط في النوم. الملاك كان يلعق ندوب قلبك هذا الصباح. الملاك لا يجيد سوى الكتابة، يتلعثم، تتبعثر كلماته، مثل طفل ضيع النقود في الطريق. هذا الصباح، الملاك تفتت تحت ضياء ابتسامتها، وهو يترجاها ألا تغيب.

من قبل، طالب الملاك بنصيبه من الفرح الهارب “ضحكة بصيغة MP4″، واعتقدت -صديقة القلب الكسير- أن الشيطان يراودها عن براءتها، كان الملاك يتأبط ضحكات الشيطان، لم تكن تعرف أن الشيطان يحب أن يلهو بعيدا عن امرأة تدفن أحزانها تحت شجرة في حديقتها، الشيطان، ما زال هناك.. يتساءل باسما: هل نودي على حليمة الشرقاوي؟! الشيطان يريد أن يصيح: “واش ماشفتوش سروالي آ العيالات؟!”، ويتمرغ ضحكا فوق تراب القلب.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • باحث رياضيات
    الأربعاء 23 فبراير 2022 - 22:15

    نص جميل أستاذي الكريم بركت….

  • repetición necesario
    الإثنين 28 فبراير 2022 - 08:33

    في يوم من الايام و في حديثي مع رجل سلطة و امن تسلق بقربه مني سلالم سلك السلطة و الامن و نحن نتحدث في الاعلام على الرصيف انتبه الى المامي الاعلامي فبشرني و قال سوف اخرجك الى الاعلام فقلت له لا تستطيع فلم يسره موقفي و تركته يفكر ربما الى حين و قلت له ذلك لان التبشير لا يكون بالخروج الى الاعلام الذي هو ملوث ثم انا في اصلي اعلام ملوث كيف اخرج الى اضواء الاعلام فازيدها لوثتي على لوثته لكن رجل السلطة لم يقدر ما كنت ارمي اليه من جوابي لان من خوفي على الاعلام اشفقت من ان يزيد تلوثا و لهذا اتمنع عن الخروج اليه و قلت له لا تستطيع لانني اظنني انا الاعلام فكيف يخرجني اليه و انا هو و مرت الايام و ارتقى رجل السلطة سلالم السلطة و لم اعد اصادفه و من ذلك اليوم الذي كنت فيه انا الاعلام ربما انا اليوم مجموعة اعلامية متكاملة او يمكنني ان اعتبر نفسي اللحظة و افتخر اني رئيس مجموعتي الاعلامية و من يمنعني ما دمت احمل جنسية مغربية

صوت وصورة
طلبة الجامعات أمام تحديات المعيشة
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 11:28

طلبة الجامعات أمام تحديات المعيشة

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء