مستجدات المسطرة المدنية الجديدة.. رقمنة التقاضي وتشديد مواجهة المماطلة

مستجدات المسطرة المدنية الجديدة.. رقمنة التقاضي وتشديد مواجهة المماطلة
صورة: و.م.ع
الخميس 23 يوليوز 2026 - 17:00

يدخل القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية حيز التنفيذ في 24 غشت 2026، حاملا إصلاحا واسعا لقواعد التقاضي والتنفيذ في المغرب. وتُبرز الدورية الصادرة عن الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أن النص الجديد يؤسس لمسار يروم تسريع البت في القضايا، وتحسين جودة العدالة، وتوسيع استعمال الوسائل الرقمية، مع تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة.

ومن أبرز مرتكزات القانون تكريس استقلال القضاة وتجردهم، ومنعهم، تحت طائلة البطلان، من النظر في ملفات سبق لهم إبداء رأي فيها أو المساهمة في إصدار مقرر بشأنها. كما يؤكد إلزام المحاكم بإصدار الأحكام داخل أجل معقول، وضمان حق الدفاع عبر الاستدعاء القانوني للأطراف وتمكينهم من عرض دفوعهم قبل صدور الحكم.

ويذهب النص أبعد من ذلك بتوسيع مفهوم “إنكار العدالة”؛ ليشمل حالات التأخير غير المبرر، ورفض اتخاذ الإجراءات اللازمة، والامتناع عن البت في الطلبات أو إصدار مقرر في قضية جاهزة، ما لم يكن هناك سبب مشروع. وهو توجه يضع الزمن القضائي في صلب ضمانات المتقاضين.

وفي مواجهة استعمال القضاء لأغراض المماطلة، أقر القانون إمكان الحكم بالتعويض عن التقاضي التعسفي، سواء أثناء سريان الدعوى أو بدعوى مستقلة. كما ينص على غرامة لفائدة الخزينة تتراوح بين 5 و15 في المائة من مبلغ الدين المحكوم به، عندما يتبين أن التعرض أو الاستئناف في مسطرة الأمر بالأداء لم يكن هدفه سوى التسويف وتعطيل التنفيذ.

وفي المقابل، يعزز القانون الحلول الودية للنزاعات؛ فقد بات بإمكان المحكمة، تلقائيا أو بطلب أحد الأطراف، عرض الصلح على المتنازعين. كما يمكنها دعوتهم إلى اللجوء إلى الوساطة، مع ترتيب آثار قانونية على الاتفاق الذي يتم التوصل إليه. ويعكس ذلك توجها إلى تقليص منسوب النزاعات المعروضة على المحاكم، من دون المساس بحق الأطراف في التقاضي.

أما التحول الأبرز فيتصل برقمنة العدالة، حيث أتاح القانون رفع الدعاوى والطلبات والطعون إلكترونيا وأداء الرسوم القضائية عن بعد مع تسليم وصل إلكتروني فوري يثبت تاريخ الإيداع وساعته. كما ينص على إحداث نظام معلوماتي موحد لتدبير إجراءات المحاكم، ومنصات مهنية لفائدة المحامين والموثقين والعدول والمفوضين القضائيين والخبراء والتراجمة المحلفين.

وتحتل قواعد التبليغ موقعا مركزيا في هذا الورش، بالنظر إلى ارتباطها بصحة المسطرة واحتساب آجال الطعن؛ فالقانون يعتمد التبليغ الإلكتروني ويمنح الحجية للمراسلات الموجهة إلى الحسابات المهنية للمحامين، كما يجعل العنوان المضمن بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية مرجعا احتياطيا عند تعذر التبليغ في العنوان المصرح به. وألزم أشخاص القانون العام بالإدلاء بعناوينهم الإلكترونية، بينما منح الأشخاص الذاتيين والمعنويين من القطاع الخاص حق اختيار هذا النمط من التبليغ.

ولا يقف التحول الرقمي عند حدود الإيداع والتبليغ، بل يفتح المجال لعقد جلسات عن بُعد وفق شروط تضمن الموافقة الصريحة للأطراف وحقوق الدفاع والاتصال المباشر والمتزامن مع المحكمة. كما يكرس حجية الوثائق المودعة إلكترونيا، والتوقيع الإلكتروني للمقررات القضائية، والتبليغ التلقائي للأحكام في الحالات المحددة قانونا.

وفيما يخص ترشيد الزمن القضائي، وضع النص آجالا دقيقة لتجهيز الملفات وإحالتها، ويلزم المستشار المقرر بمحكمة الاستئناف بتجهيز الملف داخل أجل أقصاه 90 يوما، فيما تخضع إحالة ملفات الاستئناف والطعن بالنقض لآجال مختصرة. كما قيد اللجوء إلى إجراءات التحقيق بضرورة أن تكون مجدية ولازمة للفصل في النزاع، تفاديا لتحويلها إلى وسيلة لإطالة أمد القضايا.

وشمل الإصلاح أيضا قواعد الاختصاص وطرق الطعن؛ إذ خول للمحاكم إثارة عدم الاختصاص النوعي تلقائيا، وأتاح للأطراف الاتفاق كتابة على المحكمة المختصة محليا، وحدد الاختصاص النهائي للمحاكم الابتدائية في الدعاوى التي لا تتجاوز قيمتها 10 آلاف درهم. كما استحدث “الاستئناف المثار”، ونظم الاستئناف الفرعي، ورفع أجل التعرض من 10 إلى 15 يوما.

ومن المستجدات اللافتة إحداث مسطرة خاصة لإلغاء الأحكام الابتدائية الانتهائية أمام رئيس المحكمة الابتدائية، في حالات حصرية؛ من بينها خرق قواعد الاختصاص، أو عدم التحقق من صحة التبليغ، أو التدليس، أو الحكم بما لم يطلب. وتمثل هذه الآلية رقابة استثنائية على الأحكام غير القابلة للاستئناف، ضمن حدود ضيقة حددها القانون.

وفي القضاء الاستعجالي، أكد القانون إمكان البت دون استدعاء الخصم في حالات الاستعجال القصوى، وحدد أجل استئناف الأوامر الاستعجالية في 15 يوما. كما عزز، في مرحلة التنفيذ، صلاحيات قاضي التنفيذ، وأتاح الاستعانة بالمنصة الرقمية للبحث عن أموال المنفذ عليه وتتبع الإجراءات، وفتح إمكانية البيع عبر منصة إلكترونية.

وبذلك، يرسم قانون المسطرة المدنية الجديد معالم عدالة أكثر سرعة ورقمنة، مع تشديد الحماية من الطعون الكيدية والتأخير غير المبرر؛ غير أن نجاح هذا التحول سيظل رهينا بفعالية التنزيل، وجاهزية البنية الرقمية، وقدرة مختلف المتدخلين على استيعاب قواعد مسطرية جديدة ستعيد تشكيل مسار التقاضي في المغرب.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30

اللغات المغربية في الأدب والإعلام