مغاربة العالم والانتخابات

مغاربة العالم والانتخابات
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 13:23

من الرصيد إلى المواطنة: ما لم تقله انتخابات 2026 لمغاربة العالم

من هولندا، تابعتُ مساء 23 شتنبر، كما تابع كثير من المغاربة في الخارج، فرز أصوات اقتراع دُعي إليه نحو 15,8 مليون ناخب مسجل. تابعناه عبر الشاشات والهواتف، ونحن نعلم أن أغلبنا لم يكن له فيه صوت. فنحو ستة ملايين مغربي يعيشون في أكثر من مائة دولة، والفصل 17 من الدستور يعترف لهم بحق التصويت والترشح، غير أن الوصول إلى الصندوق ما يزال يمر عبر طريقين لا ثالث لهما: السفر إلى المغرب يوم الاقتراع، أو توكيل شخص آخر. وقد رُقمنت مسطرة الوكالة هذه السنة عبر منصة إلكترونية، غير أن عدداً من أفراد الجالية اشتكوا من أعطاب حالت دون إتمامها، قبل أن تُغلق المنصة ظهر 22 شتنبر، عشية الاقتراع.

أعلنت وزارة الداخلية تصدر الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65، فالعدالة والتنمية بـ54، بنسبة مشاركة بلغت 38,02 في المائة. وإذا قرأنا هذه النتائج من زاوية مغاربة العالم، فإن ما يلفت النظر أكثر من ترتيب الأحزاب هو الصورة التي يحملها كل منها عن الجالية.

رصيد اقتصادي أم شريك سياسي؟ قراءة في البرامج

حين نضع البرامج جنباً إلى جنب، يظهر خط فاصل تقريباً بين أحزاب الأغلبية المنتهية ولايتها وأحزاب المعارضة. الأحرار ركز على تعبئة الكفاءات ونقل المعارف والمشاركة الاقتصادية، ولم يتطرق إلى المشاركة السياسية. والأصالة والمعاصرة لم يفرد للجالية محوراً خاصاً، واكتفى بإدراجها في ميثاق إدماج الشباب، حيث تحضر الهجرة أساساً باعتبارها قناة منظمة للتنقل المهني نحو بلدان تحتاج إلى اليد العاملة.

أما حزب الاستقلال، فحالته تستحق التأمل. فقد خصص ميثاقاً وطنياً لمغاربة العالم، يقترح فيه خفض كلفة التحويلات، وشباكاً موحداً للاستثمار، وآلية تمنح درهماً عمومياً مقابل كل ثلاثة دراهم يستثمرها أبناء الجالية. لكن المشاركة السياسية في برنامجه تقلصت إلى تمثيلية داخل هيئات الحكامة الاقتصادية الجهوية، وهو الحزب نفسه الذي تقدم سنة 2021 بمقترح يتيح التصويت من بلدان الإقامة.

في الضفة الأخرى، يتعهد العدالة والتنمية بإخراج القانون الخاص بالمؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج، وإحداث قطاع حكومي مخصص لهم، وتعزيز مشاركتهم السياسية والمؤسساتية. ويذهب التقدم والاشتراكية أبعد، فيطالب بتمثيلية برلمانية مباشرة عبر تقطيع انتخابي وتصويت من بلدان الإقامة، ويرصد لمجموع مقترحاته الخاصة بالجالية خمسة مليارات درهم على خمس سنوات، معترفاً بأن الحكومات المتعاقبة منذ 2011، ومنها حكومات شارك فيها، لم تنزّل المقتضيات الدستورية. كما يدعو تحالف اليسار إلى دوائر انتخابية في الخارج تحل محل التصويت بالوكالة.

وتكتسب هذه المقارنة وزنها الحقيقي حين نقرنها بتوزيع المقاعد. فالأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية المنتهية ولايتها حصلت مجتمعة على 228 مقعداً، أي أكثر من الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً. أما الأحزاب الثلاثة التي تبنت المشاركة السياسية للجالية بشكل صريح، العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية وتحالف اليسار، فلا يتجاوز مجموع مقاعدها 81 مقعداً. ومهما كانت صيغة التحالف التي ستفرزها المشاورات المقبلة، فإن رئاسة الحكومة ستؤول، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، إلى الحزب صاحب أقل البرامج تفصيلاً في ملف مغاربة العالم. أما المطالبة الصريحة بتمثيلهم السياسي، فتظل موقف أقلية برلمانية، ما لم يعد حزب الاستقلال إلى ما اقترحه سنة 2021.

رفض متكرر لا يفسره المنطق التقني

كثيراً ما سمعنا أن تأخر تفعيل الفصل 17 مرده إلى صعوبات لوجستية. غير أن السنوات الأخيرة تحكي قصة مختلفة. ففي 2021، رُفض مقترح الاستقلال الذي كان سيسمح بالتصويت من الخارج، وكان العدالة والتنمية يومها من الرافضين قبل أن يراجع موقفه. وفي 2025، خلال مناقشة القوانين الانتخابية، رُفض مرة أخرى إحداث دوائر خاصة، وبقي التصويت بالوكالة على حاله. بل إن الدولة أثبتت هذه السنة قدرتها التقنية حين رقمنت مسطرة التوكيل. وإذا كان ممكناً أن يوكّل المغربي في لاهاي أو ليون غيره عبر منصة إلكترونية، فالسؤال المشروع هو: لماذا لا يُمكَّن من التصويت بنفسه؟

هذه اختيارات سياسية. ففرنسا تنتخب أحد عشر نائباً عن مواطنيها في الخارج، وتونس تخصص لمهاجريها عشرة مقاعد من أصل 161 في برلمانها، وفي إيطاليا والبرتغال تجارب مماثلة. على أن التجربة التونسية تعلمنا أيضاً أن طريقة التصميم لا تقل أهمية عن المبدأ: ففي انتخابات 2022 بقيت سبع دوائر في الخارج بلا أي مرشح، بعدما فرض القانون جمع 400 تزكية في دوائر تمتد أحياناً على قارات بأكملها.

مخاوف مشروعة تستحق جوابا

من الإنصاف أن نعترف بأن للمترددين حججاً ليست كلها واهية. أولها سؤال قديم في الفكر الديمقراطي: هل يحق لمن لا يعيش يومياً عواقب القرار أن يشارك في صنعه؟ ثم هناك خشية من أن تتحول الشبكات الجمعوية والقنصلية إلى ساحات استقطاب انتخابي. وهناك صعوبة حقيقية في تمثيل جالية يجتمع فيها العامل الموسمي في إسبانيا والباحث في مونتريال والمتقاعد في بروكسل، بعدد محدود من المقاعد.

ثم هناك حساسية بلدان الإقامة، وهي مسألة أعرفها عن قرب بحكم إقامتي واشتغالي على قضايا الهجرة والهوية في هولندا. فأغلب مغاربة هولندا يحملون الجنسيتين، والنقاش العمومي هنا يعود بين حين وآخر إلى موضوع الولاء المزدوج وتأثير الدولة الأصلية في الشأن الديني والجمعوي. وأي مشاركة سياسية مغربية تُصمَّم دون استحضار هذا السياق قد تنقلب عبئاً على المواطنين أنفسهم.

لكن هذه المخاوف تطرح سؤال الكيفية، ولا تبرر التأجيل إلى ما لا نهاية. فالمغربي المقيم بالخارج يتأثر بالقرار الوطني في ممتلكاته وإرثه ومعاملاته القنصلية واستثماراته وتعليم أبنائه. والدستور حسم المبدأ منذ 2011. أما الحرص على علاقات سليمة مع بلدان الإقامة، فتضمنه قواعد واضحة للحملات والتمويل، وتمثيل يُصمَّم ليخدم حقوق المواطن، لا ليكون أداة نفوذ.

ما بعد إعادة الهيكلة: سؤال التمثيل

البرلمان المقبل لن يبدأ من الصفر. ففي خطاب 6 نونبر 2024، أعلن جلالة الملك إعادة هيكلة المؤسسات المعنية بالجالية لتفادي تداخل الاختصاصات وتشتت الفاعلين، واعتبر أنه من غير المعقول أن تبقى مساهمة مغاربة العالم في الاستثمارات الوطنية الخاصة في حدود عشرة في المائة. وستكون النصوص المنظمة لهذا الورش، ومنها قانون المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج والقانون الجديد لمجلس الجالية، من أولى مهام الولاية التشريعية المقبلة.

تنزيل هذا الورش بجودة وفي آجال معقولة، وتوحيد نقطة الاتصال بين الإدارة والمواطن في الخارج، ورقمنة الخدمات القنصلية، كلها أمور لا يختلف حولها أحد. غير أن حصيلة هذه الولاية ستُقاس، في نظري، بسؤال آخر: هل سيقف البرلمان عند إصلاح المؤسسات التي تخدم مغاربة العالم، أم سيمضي إلى تمكينهم من اختيار من يمثلهم؟

خلاصة: ارتباط لا يقاس بالتحويلات وحدها

تجاوزت تحويلات مغاربة العالم سنة 2025 عتبة 122 مليار درهم، وهو رقم نسمعه في كل مناسبة دليلاً على تعلق الجالية بوطنها. وهو دليل صحيح، لكنه ناقص. فمن يحوّل ماله ويستثمر في بلده ويحرص على أن يتعلم أبناؤه لغته، ينتظر أيضاً أن يكون له صوت حيث تُتخذ القرارات التي تمس حياته. وقد خاض عدد من أبناء الجالية هذه الانتخابات مرشحين في دوائر داخل المملكة، وهو دليل على أن الرغبة في المشاركة قائمة، وأن ما ينقص هو الإطار الذي يتيحها للجميع.

أمام الأحزاب التي ستقود المرحلة المقبلة خياران: أن تستمر في النظر إلى مغاربة العالم كرصيد يُستثمر، أو أن تعاملهم كما يعاملهم الدستور، مواطنين كاملي الحقوق. الخيار الأول يُبقي العلاقة في اتجاه واحد. والثاني وحده يجعلها علاقة مواطنة.

-باحث أكاديمي في قضايا الهجرة والهوية والأخلاق الطبية والتدين والتعليم، هولندا.

المدير الوطني للتعليم التكويني الإسلامي في المدارس العمومية الهولندية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:30

ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟

صوت وصورة
أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:25 1

أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري

صوت وصورة
مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 19:00 14

مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب

صوت وصورة
المنصوري تصل إلى مقر ''البام''
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 17:30

المنصوري تصل إلى مقر ''البام''

صوت وصورة
الملك يعين المنصوري رئيسة للحكومة
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 16:55 10

الملك يعين المنصوري رئيسة للحكومة

صوت وصورة
محطة عشوائية في حديقة بسلا
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 11:28 11

محطة عشوائية في حديقة بسلا